الإعلان

 

مجتمع قسم عام الأشكال الإبداعية الجديدة ترافق الثورة السورية
الأشكال الإبداعية الجديدة ترافق الثورة السورية
عمر الأسعد   

 

الأشكال الإبداعية الجديدة ترافق الثورة السورية |

ربما لا تختلف الثورة السورية من حيث جوهرهاومطالبها بالحرية والكرامة عن ثورتي مصر وتونس، لكنها بالتأكيد تختلف من حيث تفاصيلها، فالثورتان السابقتان شهدتا نزول الآلاف إلى الشوارع والساحات العامة واستمرار اعتصامهم حتى سقوط النظام الديكتاتوري، لكن الثورة السورية تختلف عن هذا من حيث وحشية القمع الذي تعرض له المدنيون، وحجم العنف الذي واجه النظام به الشعب السوري، ما لم يترك فرصةً للسوريين كي يجتمعوا في ساحة ويسقطوا نظام بشار الأسد.
انعدام فرصة الاجتماع هذه ومعها فرصة الإسراع في إسقاط النظام، تركت الثورة السورية مفتوحة على أربعة عشر شهراً من العنف والدم حتى الآن، لكنها إلى ذلك دفعت المحتجين والمتظاهرين من السوريين إلى إبداع أساليب واشكال مختلفة في احتجاجهم، وخلق ثقافة جديدة ما كان يعرفها أحد عن سوريا حتى أبنائها.

الأشكال الإبداعية الجديدة ترافق الثورة السورية |
وفي تتبع بسيط لساحة الحراك السوري سيجد الباحث  أن هذه الثورة بالفعل كشفت عن المجتمع السوري بكل ما فيه وأظهرته للعيان ثائراً على الصورة النمطية التي كانت تظهر فيها سوريا في زمن الأسد.
ويبدو أن السوريين اليوم في طور إنتاجٍ لثقافةٍ جديدة، فرضتها ظروف الثورة، فأصبح هناك تسخير كامل للفن باتجاه الثورة، أو بالأحرى عادت فكرة "الفن الثوري" أو المرتبط بها إذا جاز التعبير، ويبدو هذا الإنتاج الفني والثقافي في الأعمال الجديدة أو التي واكبت الثورة السورية والتي أنتجها مثقفون وكتاب وتشكيليون سوريون، فبدأت الثورة تشغل مساحة من تفكير العقل المنتج للثقافة في سوريا، فقلما تقابل كاتباً أو مسرحياً أو مخرجاً سينمائياً أو فناناً تشكيلياً سورياً اليوم وتسأله عن عمله إلا ويجيبك أنه مهتم بإنجاز شيء عن الثورة، وهذا بالتأكيد ما سيدركه المتابع للشأن السوري، فمنذ أسابيع قليلة صدر واحد من أوائل الكتب التي وثقت ليوميات من الثورة السورية وهو "تقاطع نيران" للكاتبة والروائية السورية سمر يزبك، كذلك أنتج مجموعة من المخرجين السوريين الشباب مجموعة من الأفلام الوثائقية عن سوريا وثورتها وأحداثها، ومنهم من اعتقل نتيجة هذه الأفلام التي أنتجوها، كما نظم مخرجون سوريون تظاهرة بديلة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك اعتبروها بديلة عن مهرجان دمشق السينمائي، كذلك مسرحياً عمل كل من محمد العطار وعمر أبوسعدة على إنجاز نص مسرحي يعالج الأحداث في سوريا، ولم يعرض إلى الآن على أي من خشبات المسرح السوري واكتفي بعرضه في دول أخرى.
هذا كله يقود إلى أن الشارع السوري الذي اعتاد تصنيف السياسة  في رأس قائمة المحرمات لديه، استطاع أن يتغلب على هذا المحرم، وأن يعيد السياسة إلى محيطها الطبيعي في التداول العام بين الجمهور، وهو ما يظهر من خلال أن أعمال كثير من السوريين اليوم لا تخرج عن معالجة السياسة والسياسة فقط، وانعكاس الحدث السياسي على المواطن السوري وحياته بشكلها اليومي، وهكذا تلد الساحة الثقافية السورية كل يوم أشكالاً جديدة من الاحتجاج وتعابير جديدة من الإبداع لتبيين عن الموقف السياسي من النظام السوري، فمثلاً يذكر السوريون تماماً فنان الكاريكاتور السوري علي فرزات وما الذي حل به وبأصابعه لأنه تطاول على النظام وعبر عن موقفه المعارض له بريشته؟

الأشكال الإبداعية الجديدة ترافق الثورة السورية |
عاقبه النظام أشد العقاب وبعد أن أشبعه ضرباً وكسر أصابعه رماه على قارعة الطريق، وهو اليوم يعيش في المنفى!
كذلك من وسائل الاحتجاج التي ابتدعها السوريون اليوم والتي ستوثق لذاكرة بصرية وثقافية مهمة في المرحلة القادمة لسوريا، هي الأعمال التشكيلية التي رسمها فنانون تشكيليون سوريون مساندون للثورة، والتي تضم مجموعة كبيرة من الأعمال لفنانين مثل يوسف عبد لكي وياسر صافي ومحمد عمران وخالد الخاني وغيرهم، هؤلاء الفنانون الذين نظموا مجموعة من المعارض في عدة مدن عالمية أيضاً وذهب ريعها للثورة السورية، كذلك أعلن مجموعة من التشكيليين السوريين عن تأسيس تجمع مستقل للفنانين التشكيلين السوريين غير الذي يخضع للنظام السياسي في سوريا.
وتأخذ أشكال الاعتراض الثقافي وولادة ثقافة جديدة للعمل في سوريا مظاهر متعددة منها المبادرة التي نظمها مجموعة من النشطاء والشباب السوريين احتفالاً بالذكرى السنوية الأولى لانطلاق الثورة السورية، تحت عنوان احتفالية الشارع السوري والتي ضمت مجموعة من العروض والفعاليات، منها عروض أفلام تسجيلية ومعارض تشكيلية وحملات توعية، ولم تقتصر نشاطاتها على سوريا بل خرجت منها لتشمل مجموعة من المدن والعواصم العالمية، لتحاول لفت الرأي العالم العالمي إلى الثورة السورية، وتؤكد على المكون السلمي واللاعنفي في هذه الثورة.
كذلك قاد مجموعة من الشباب خلال الفترة القريبة الماضية حملة أطلقوا عليها اسم "غرافيتي الحرية"،تعتمد الحملة على تقنية الغرافيك التي نشرها القائمون على الحملة عبر فيديوهات على موقع يوتيوب لتعليم مختلف الناس هذه التقنية وطريقة العمل عليها، فانتشرت خلال أيام صور الشهداء والمعتقلين وأسمائهم وشعارات الثورة ومطالبها على الجدران وواجهات المحلات في مختلف المدن والقرى السورية.
كذلك أدى التضييق الأمني والقمع الوحشي الذي تعرض له الشعب السوري إضافة إلى طول زمن الثورة في سوريا بالمقارنة مع غيرها من الثورات في دول العالم العربي إلى ابتكار أساليب جديدة في الاحتجاج،  فالجميع يذكر مجموعة الكرات الملونة الصغيرة والتي كتب عليها شعاري "ارحل والشعب يريد إسقاط النظام"،وقامت مجموعة من الناشطين برميها في طريق في حي المهاجرين ينتهي عند باب منزل الرئيس بشار الأسد، كذلك أيضاً استيقظ القصر مرة على فوضى عارمة سببها جهاز إضاءة ليزري سلطه بعض النشطاء على القصر الجمهوري وكان الضوء يكتب على الجدار عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام".
وفي نفس السياق انتشرت أحذية جديدة في سوريا وهي أحذية "ارحل" على ما أسماها من صنعوها من شباب الثورة السورية، تعتمد هذه الأحذية على كمية من الحبر موجودة في أسفل الحذاء وتطبع كلمة ارحل على الأرض عند المسير، وبالتأكيد لا تزال صورة نوافير المياه في الساحات العامة والتي لونها النشطاء بالصباغ الأحمر مطبوعة في الذهن، ولا زال النظام مصراً حتى الآن على قراره بعدم ضخ الماء في نوافير الساحات العامة خوفاً من تكرار العملية مرة أخرى معه.
كل هذه الأشكال الإبداعية في الاحتجاج هي جزء من مكون ثقافي جديد بات حاضراً في الشارع السوري وفي ثقافة المواطن السوري أيضاً، كذلك انخراط فئات مختلفة من الشعب السوري في هذه الثورة الطويلة زمنياً أدى بالفعل إلى كشوفات حقيقية، على المستوى البصري بالتحديد ففي الثورة رأينا أفلاماً ولوحاتٍ ورسوماً وتجهيزاً بالفراغ وكثيراً من الإبداعات التي قام عليها مبدعون مختصون ومتفرغون للعمل الإبداعي، كذلك رأينا من طرف آخر حملات مثل غرافيتي الحرية وتلوين لمياه النوافير وأحذية ارحل وهي نشاطات قام بها نشطاء وشباب من مختلف الشرائح الاجتماعية والسياسية في سوريا، وهذا بحد ذاته دليل على أن الثورة في سوريا بالفعل لا تنفصل عن أي من ثورات العالم، من حيث قدرتها على اكتشاف الجديد وإبرازه للعيان، وقدرتها على خلق أشكال تعبيرية خاصة بها وخلق مناخات إبداعية جديدة خاصة بها، أهم ما يميز هذه الأشكال الإبداعية ذات الخصوصية أنها تريد أن تقول لا للتنميط والنمطية ليس بمعناها السياسي فقط المتمثل بنظام نمطي وديكتاتوري يحكم البلاد منذ خمسين سنة بنفس العقلية الشمولية، إنما أيضاً لا لنمطية الإبداع وطبيعة علاقته بالمتلقين أيضاً وحتى طريقة عرضه وإنتاجه وتقديمه.

الأشكال الإبداعية الجديدة ترافق الثورة السورية |
هكذا تتركنا الثورة السورية أمام ثقافة جديدة من الناحية البصرية وهي ثقافة إبداعية بالخالص، أفردت لها السطور السابقة، على أن يكون هناك كلام آخر في أشكال إبداعية أخرى موسيقية وشعرية وغيرها في مقال لاحق.