الإعلان

 

مجتمع قسم عام الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً
الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً
عمر الأسعد   

 

الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً |

"ما هي التنسيقية"

أتى تصدي النظام السوري العنيف للمظاهرات التي انطلقت في درعا مطالع الثورة صادماً للشارع السوري بشكل خاص وللعالم أيضاً، رغم أن مجمل من خَبِر هذا النظام وعرفه كان يتوقع منه ردة فعل عنيفة، وهنا بدأت رقعة الاحتجاجات تكبر بشكل عفوي، وانتشرت على شكل احتجاجات شعبية غير منظمة بالتحديد في الجمعة الأولى للثورة، ما يعني أن الحراك اتخذ شكلاً عفوياً بالكامل في بدايته، لكنه وكأي حراك آخر سينتج ويفرز عناصره الأكثر نشاطاً وقوة، وستنكفئ فيه العناصر الأضعف أو التي لا تملك الجرأة على العمل، وبما أن الشارع في كل دول الربيع العربي كان هو سيد الموقف واتخذت كل الثورات السابقة للثورة السورية من النزول والاحتجاج والتظاهر السلمي في الشارع أساساً لعملها كذلك كان الحال في سوريا، وكان أنسب من يتصدى لمهمة النزول إلى الشارع هم جيل الشباب، رغم أن الاحتجاج في الشارع لم يكن أبداً نزهةً أو تسلية في سوريا بل كان في كثير من الأحيان ولكثير من الشبان هو النزول الأخير الذي لا رجعة منه، من هنا أتت الحاجة إلى بناء تنظيم أو كيان ينظم التحرك في الشارع ويواكبه خاصةً من الناحية الإعلامية بعد أن فرض النظام حصاراً إعلامياً خانقاً، ويرفده سياسياً أيضاً بعد أن ظهرت حاجة الشباب إلى التعبير عن رأيهم السياسي في ظل تقادم أحزاب وتكتلات المعارضة التقليدية في سوريا وعدم تلبيتها حاجة ورغبات وتطلعات الشباب، فبدأت منذ بداية الانتفاضة وحتى أواخر آذار تقريباً تتكثف لقاءات النشطاء الشباب الذين انخرطوا في حركة التظاهر والاحتجاج، وبدأ التخطيط لبناء هياكل تنظيمية تكون ميزتها المرونة وتلبي حاجة المرحلة الراهنة، وتُخرِج الحراك من شكله العفوي فقط - والذي قد يقلل من نتيجته - إلى شكل أكثر تنظيماً، وبين أواخر آذار وحتى منتصف نيسان بدأت تظهر على الساحة السورية ما يعرف اليوم بالتنسيقية أو التنسيقيات والتي باتت منتشرة في مختلف مدن ومناطق التظاهر في سوريا، وهي حالة إبداعية جديدة قد يكون هناك ما يشبهها على صعيد التحركات الشعبية في العالم، لكن إلى أن ظهرت في سوريا لم يعرف مثيل أو مطابق تام لهذا الشكل من أشكال العمل.

الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً |

ولو أردنا أن نعرّف أو نجيب عن سؤال "ما هي التنسيقية؟" لأمكن الإجابة : " حالة تنظيمية لمجموعة صغيرة من الشباب الناشطين المسؤولين عن تنظيم وتحريك المظاهرات وتنسيق سيرها وعملها وشعاراتها، وتأمين الدعم اللوجستي والإعلامي لها، وتوضيح توجهها السياسي بما يعبر عن مطالب الشارع المنتفض." وهذه التنسيقيات اتصفت منذ بداية الحراك بعدم تبنيها أي خلفية أيديولوجية محدِدَة لنشاطها أو عملها السياسي، فلا يوجد تنسيقيات قومية ولا أخرى يسارية ولا ثالثة إسلامية، إنما كانت تجمع بعض التنسيقيات في كثير من الأحيان وكثير من المناطق شباباً وشابات مختلفي التوجهات والمنابت الفكرية والأيديولوجية وحتى الدينية والقومية أيضاً.

الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً |

"في دور التنسيقيات وعملها"

أتت التنسيقيات كواحدة من الإبداعات الجديدة التي قدمها الشارع السوري أثناء ثورته على النظام الأكثر دموية في تاريخ المنطقة، واستطاعت أن تقوم بمهام عجزت عنها تنظيمات المعارضة التقليدية وأحزابها، وذلك لعدة أسباب يمكن تلخيصها في التالي: أولاً عدم اعتماد التنسيقية على أكثر من مجموعة صغيرة من الشباب المتقاربين فكرياً ومهنياً ومناطقياً وعمرياً في معظم الأحيان. ثانياً عدم تبنيها لخطاب أيديولوجي يوقعها فريسة الجمود بل تبنت خطاب وطني جامع. ثالثاً اتصاف التنسيقيات بالمرونة وسهولة الحركة والقدرة الفائقة على الاستفادة من التكنولوجيا في أمور التواصل وهو عامل فرضه تكوينها الشاب أيضاً. رابعاً الرغبة في العمل الميداني وملامسة واقع الأرض وأحداثها في الشارع السوري. خامساً تكوينها المعتمد على شباب ثائر ومتخصص مهنياً "حقوقيين أو إعلاميين أو تقنيين أو..."  يواكب ثورة تجري في بلده ومتحرر من الخلفيات السياسية وحساسياتها في أوساط المعارضة السورية. سادساً روح الجماعة وتأثرها بمناخات الديمقراطية وهو ما ساد عمل معظم التنسيقيات وتأثر شبابها بمناخ الحرية والديمقراطية الذي جلببته التكنولوجيا ووسائل الإعلام وترسخ وجوده مع قيام الثورات في العالم العربي.

بهذا استطاعت كل تنسيقية أن تكون رافعة للحراك وموجهةً له في مجتمعها المحلي، وانحصرت مهام التنسيقية في بداية تكوينها بأربع نقاط أساسية أولها مهمة تنظيم المظاهرات وتحديد توقيت انطلاقها الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً | وأماكنها وشعاراتها. ثانياً  مهمة إعلامية تركزت في التواصل مع قنوات الإعلام وإيصال الأخبار ومقاطع الفيديو. ثالثاً مهمة لوجستية تتركز في تأمين الدعم اللوجستي وخاصة الطبي منه في المناطق التي اشتد فيها العنف والقمع من قبل النظام. رابعاً مهمة حقوقية وتمثلت في إحصاء عدد وأسماء الشهداء والجرحى والمعتقلين في كل مظاهرة. ثم ما لبثت هذه التنسيقيات التي يقودها الشباب وبعد أن ترسخ وجودها على الأقل كل واحدة في مجتمعها المحلي أو في البيئة والمكان الذي تنشط فيه أن أضافت المهمة السياسية إلى مجمل مهماتها، وهذه الإضافة إن دلت على شيء فهي تدل على رغبة ملحة لدى الشباب الذين يشكلون العمود الفقري وحجر الزاوية لبناء معظم التنسيقيات في لعب دور سياسي ضمن الحراك القائم في سوريا، وبهذا بدأت بعض التنسيقيات بإصدار البيانات السياسية التي ترافق نشاطاتها وأهم هذه النشاطات "المظاهرات" فباتت تعلل سبب خروجها للتظاهر وتوضح أهدافها ومطالبها، ثم ما لبثت مجموعات الشباب النشطاء في مختلف المناطق السورية إلى التداعي والاجتماع وتكثيف اللقاءات وتفعيل قنوات تواصلها فيما بينها وبدأت تظهر تكتلات لمجموعات من التنسيقيات، وربما أهم هذه التكتلات وأبرزها كان لجان التنسيق المحلية والاتحاد العام لتنسيقيات الثورة السورية، وبهذا بدأت التنسيقيات تلعب دوراً سياسياً أكثر بروزاً في الساحة السورية واستطاعت أن تحجز مقاعد تمثلها في مختلف التكتلات السياسية التي عرفتها الساحة السورية في الآونة الأخيرة، ومنها على سبيل المثال المجلس الوطني أو هيئة التنسيق أو الهيئة العامة للثورة، فباتت المهمة السياسية جزءاً مهماً من تطور عمل التنسيقيات التي اكتفت في البداية بمهام تنظيمية وإعلامية ولوجستية وحقوقية، واستطاعت التنسيقيات أن تفرز أسماء جديدة على الساحة السورية من الشباب النشطاء الذين لم يعرفهم تاريخ المعارضة السورية خلال السنوات السابقة، كذلك ساهمت في تكريس دور هام لجيل الشباب الذي دفع الفاتورة الأعلى في الثورة السورية سواء من حيث عدد الشهداء أو الجرحى أو المعتقلين، واستطاعت التنسيقيات أن تكون الأقرب إلى الشارع السوري المنتفض والذي يعرف أفرادها في مجتمعهم المحلي ويتواصل معهم، ويوجد حالة من الثقة بين أعضاء التنسيقية وأفراد المجتمع الذي ينشطون ضمنه، ما ساهم في تكريس دور التنسيقيات ودعمه على الساحة السياسية واستطاعت بالفعل أن تترجم خطاب الشارع سياسياً بطريقة أكثر وعياً مما قدمته كثير من تشكيلات وتنظيمات وأحزاب المعارضة السورية التقليدية، كذلك استطاعت بعض التنسيقيات أن تطرح رؤيتها للحلول التي تحتاجها سوريا في أكثر من مرحلة من مراحل الثورة السورية التي طال وقتها أكثر من باقي الثورات العربية ، واستطاعت أن تطرح رؤيتها وصوتها حول مستقبل سوريا السياسي، وكانت بالفعل الأقرب إلى نفس الشارع والأكثر قدرة على الارتقاء بخطابه.

الأشكال الإبداعية في الثورة السورية التنسيقيات نموذجاً |

واليوم يأتي دور النشطاء الشباب إلى تجاوز مرحلة التنسيقية البسيطة المكتفية بدورها التنظيمي والإعلامي والحقوقي، والعمل على تطوير الدور السياسي للتنسيقيات وتوسيع عملها خاصة وأنها حاصلة على ثقة وتأييد مجتمعها المحلي، وأنها الإطار الناظم لعمل أكثرية الجيل الشاب في هذه الثورة، للخروج من التنسيقية وشكلها الحالي المقتصر على مجموعة صغيرة من الشباب النشطاء إلى خلق ائتلافات وتجمعات وحركات شبابية أكثر قدرة على التأثير والعمل وخوض تفاصيل الحياة السياسية وعملية التغيير الجذرية التي تحتاجها سوريا، خاصة وأن هذه الثورة ليست ثورة سياسية على النظام وتنتهي بإسقاطه فقط، بل ستتعداها إلى ثورة اجتماعية وثقافية وفكرية واقتصادية تتبع سقوطه على كل البنى التقليدية القديمة و"المتقادمة" في المجتمع السوري وفي جملتها بعض هياكل المعارضة التقليدية أيضاً ... ومَن يعلم ربما بعض رموزها بالاسم والتحديد.!