الإعلان

 

مجتمع قسم عام كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون
كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون
محمد فرج   

كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون |

بالتأكيد يمكن منح واضع سيناريو المرحلة الانتقالية في مصر جائزة أحسن سيناريو في العقد الثاني من الالفية، فصانع المسارات التي دخلتها الثورة المصرية بجماهيرها طول العام والنصف المنصرم، يستحق رفع القبعة على هذه الالعاب والانفاق الجهنمية التي أدخل فيها جماهير وأحزاب جديدة وقديمة، إسلامية وغير إسلامية، ليصل بها في لحظة الذروة التي يتصور عنها المشاهدين أن الازمة ستحل، إلى نقطة بعيدة تماما عن المتصور، ليصنع أنعم انقلاب عسكري شهدته المنطقة، إنقلاب بحكم المحكمة الدستورية العليا التي يفخر بها الاعلام على انها واحدة من ثلاث محاكم على مستوى العالم.

...

كاتب سيناريو المرحلة الانتقالية بدأ عمله تقريبا في الايام الاخيرة للانتفاضة الثورية العظيمة التي قام بها المصريون، وكانت أولى مشاهده هي مشهد تنحي مبارك، الذي عقبه مشاهد يمكن ان تستدر دموع المشاهدين: أحد قيادات المجلس العسكري يرفع يده بالتحية العسكرية للشهداء، جنرال اخر يتجول في التحرير ويحتضن أحد المواطنين، مع خلفية صوتية لصوت جماهير تهتف "الجيش والشعب إيد واحدة".

...

المشهد الثاني الهام في أول السيناريو هو مشهد الاستفتاء على التعديلات الدستورية.. الجنرالات يبدون حائرين لا يعرفون كيف يتصرفون، هل يكتب دستور جديد بدون برلمان، ام يجرون بعض التعديلات التي تتيح انتخاب برلمان يتولى هو كتابة الدستور.

كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون |

يسبق هذا المشهد ويتبعه فوتو مونتاج سريع التتابع: القوى السياسية الاسلامية متلهفة على عقد انتخابات.. دعايا في المساجد وعلى الحوائط " من سيقول نعم..سيدخل الجنة".. "إنهم يريدون إلغاء المادة الثانية من الدستور".. الجماهير سعيدة بأنها لأول مرة ستصوت في عملية اقتراع تبدو حقيقية..طوابير طويلة امام اللجان.. الجميع يخرج مبتسما ويلوح باصبعه الملوث بالحبر الأزرق امام اي كاميرا تواجهه.. وبالفعل تظهر النتيجة بالموافقة على التعديلات الدستورية.

...

هنا يخرج كاتب السيناريو بمفاجأة: إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية لا علاقة له بالاستفتاء ولا بمن قال نعم او قال لا. يتم عبر الاعلان تمرير مادة تتيح عدم الطعن بأي شكل على قرارات لجنة الانتخابات! وتتعالى أصوات في الخلفية.."مش مهم، المهم يبقى فيه انتخابات ورئيس وبرلمان".

...

مشاهد سريعة متلاحقة: الشرطة العسكرية تتدخل بوحشية لفض عدة اعتصامات بالتحرير.. اعتقالات ومحاكمات عسكرية للنشطاء.. كشوف عذرية للبنات المعتقلات وتهديدهم بتوجيه تهم ممارسة الدعارة.. حرق عدد من الكنائس واشتباكات بين مسلمين ومسيحيين.. الاخوان والسلفيون يغضون الطرف عن كل هذا ويستعدون

كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون |

للانتخابات التشريعية التي يضمنون فيها الفوز.. منافذ لبيع مواد استهلاكية بالمناطق الفقيرة يقف فيها رجال ملتحون وخلفهم شعارات حزبي "الحرية والعدالة"، و"النور".. مذبحة للمسيحيين أمام مبنى التلفزيون المصري بماسبيرو، والمجلس العسكري يستنفر "المواطنين الشرفاء" للدفاع عن "مصر"..مظاهرات يدعو لها الاخوان والسلفيون ويجلبون مؤيديهم من كافة المحافظات المصرية وهتافات "الشعب يريد تطبيق شرع الله"..مشهد طويل بعض الشىء لمبارك في قفص "الاتهام" وحوله اولاده ووزير داخليته، وحديث لمحللين سياسيين على شاشات التلفزة بضرورة محاكمة مبارك محاكمة طبيعية حتى نتمكن من استرداد الاموال المودعة باسمائهم من الخارج .. مع بداية محاكمة مبارك تبدأ سلسلة احكام ببراءة ضباط الشرطة المتهمين بقتل المتظاهرين بالتدريج.

...

كانت مشكلة كاتب السيناريو هي رد الفعل الشعبي الذي لم يكن يمكنه توقع حدوثه،، او حجمه، لكنه عبر الوعود السرية للقوى الاسلامية استطاع ايضا خلق امكانات كثيرة للسيطرة على هذا الفعل الشعبي.

...

مشاهد عنيفة: معركة محمد محمود..قبل ايام من انتخابات البرلمان التي ينتظرها الاخوان والسلفيين، تندلع معركة شرسة بين الثوار وقوات الشرطة..العشرات يسقطون شهداء، المئات مصابين.. حالة ثورية تندلع في البلاد من جديد، نداءات من الميادين برفض الانتخابات، وتشكيل مجلس مدني يتسلم السلطة ويحكم البلاد.. يرفضها الاخوان، ويدعون للانتظار حتى الانتخابات، وبالفعل تخمد الحالة.. وتقام الانتخابات بعد مشاهد القتل الوحشية بإيام قليلة، ويفوز الاسلاميين، ويمتلىء البرلمان بالجلاليب واللحى، وينتظر الجميع أداء البرلمان "الثوري".

...

مشاهد سريعة متلاحقة: البرلمان يرفض الاعتراف بأن الشرطة استخدمت الرصاص في مواجهة المتظاهرين في احداث مجلس الوزراء ومحمد محمود.. مناقشة لقانون يسمح لرجال الشرطة بتربية لحاهم..انباء عن مناقشة البرلمان لقانون يبيح للزوج المتوفي مضاجعة زوجته المتوفية في الست ساعات الأولى بعد الوفاء..نائب يريد إلغاء اللغات الاجنبية من المناهج التعليمية لأنها حرام..نائبة اخوانية تدعو لالغاء قانون التحرش لأن البنات هن المتسببات بطرقة لبسهن، وايضا فحص السجل الجنائي للشهداء لتحديد الشهيد من البلطجي..نائب سلفي يدعي تعرضه لهجوم من البلطجية، ويظهر انه قام بعملية تجميلية لتصغير أنفه..نائب سلفي اخر يتم ضبطه في وضع مخل مع فتاة في سيارته.

...

مشاهد انتخابات الرئاسة: بوسترات تملأ الشوارع لمختلف المرشحين..جدل حول أم مرشح سلفي تحمل الجنسية الامريكية..المرشح يرفض..انصاره يعتصمون امام وزارة الدفاع..ينتهي الاعتصام بمذبحة..جدل أخر حول مشاركة الفريق شفيق في الانتخابات..البرلمان اخيرا لشعور نوابه بالخوف من عودة شفيق يعدون قانونا على عجل للعزل السياسي..لجنة الانتخابات تشك في "دستورية" القانون وتحيله للمحكمة الدستورية.. جدل الناس في الشارع يتصاعد حول المرشحين..اسلامي متفتح..اخواني يأتمر بأمر الجماعة..ناصري وسيم..شيوعي شاب حالم..شفيق العسكري..الجميع يقارن ويحلل ويحاول اختيار الاصلح.

حتى الان الجميع يظن ان تسليم السلطة من المجلس العسكري إلى الرئيس المنتخب والبرلمان المنتخب قد اقترب، تبدأ الجولة الاولى من الانتخابات..يداعب الأمل البعض في نجاح حمدين الناصري..لكن كاتب السيناريو وصل إلى النتيجة المرغوبة الاعادة ما بين شفيق رئيس وزراء مبارك الاخير، ومرسي مرشح الاخوان المتلاعبين بالثورة.

...

مشاهد قرب النهاية: محكمة مبارك..القاضي يتلو مقدمة طويلة عن  ظلم مبارك..ثم يمنح جمال وعلاء نجلي مبارك البراءة..أيضا مساعدي وزير الداخلية الستة يحصلون على البراءة..بينما مبارك والعادلي سجن لمدة خمس وعشرون عاما. صوت معلق في الخلفية: "يذكر أن أي محامي مبتدىء يستطيع الحصول على البراءة لمبارك ووزير

 

داخليته، خصوصا ان جميع المتهمين بقتل المتظاهرين حصلوا على البراءة وبالتالي لا يوجد مبرر للحكم على مبارك".. مظاهرات غاضبة في الشوارع لكنها لا تعرف ضد من

كيف قتل المجلس العسكري الثورة في مصر بالقانون |

تعترض..الاخوان لا يزالون متمسكون بالانتخابات..تنتهي المظاهرات وتبدأ دعاية الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة..الجميع في انتظار حكم المحكمة الدستورية باقرار دستورية قانون العزل وبالتالي استبعاد احمد شفيق واعادة الانتخابات الرئاسية بكامل المرشحين عدا شفيق..او عدم دستوريته وبالتالي يبقى الوضع على ما هو عليه..وايضا قضية اخرى ينتظر الجميع البت فيها وهي بطلان ثلث البرلمان..توقعات بتسويات بين العسكر والاخوان تقضي ببقاء شفيق في الاعادة، وبقاء البرلمان دون حل..الجميع ينتظر المحكمة الدستورية.

...

مشاهد اللمسات الاخيرة قبل "تسليم السلطة": قبل حكم "الدستورية" بيومين قرار من وزير العدل بمنح حق "الضبطية القضائية" لرجال الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية، أي يحق لهم ايقاف المدنيين وتحويلهم لمحاكمات عسكرية ويذكر القرار تحت عنوان "مقاومة الحكام" كل اشكال الاحتجاج من تظاهر إلى اعتصام أو اضراب او قطع طريق، يحق للعسكريين فضه بالقوة، وتحويل المشاركين فيه إلى محاكمات عسكرية..الدستورية تحكم بعدم دستورية قانون العزل وبالتالي بقاء شفيق في الانتخابات،، وتفاجأ الجميع بحل البرلمان نظرا لعدم شرعية ثلثه.

...

مشهد عام أخير: الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية يمكنها ايقاف من تشاء..لا برلمان..المجلس العسكري يؤسس لجنة تأسيسة لوضع دستور تحت اشرافه..الرئيس القادم يحلف اليمين أمام المجلس العسكري...

...

ملحوظة: لا يهم شخص الرئيس بالنسبة لكاتب السيناريو، من الرجح انه سيكون احمد شفيق، ولكن أيضا من الممكن ان يكون محمد مرسي مرشح الاخوان..المهم صلاحيات الرئيس وسلطاته، وهي مسألة يجري الاعداد لها جيدا.

Tags: محاكمة مبارك – انتخابات الاعادة – قانون العزل – حق الضبطية القضائية – أحمد شفيق – محمد مرسي