الإعلان

 

مجتمع قسم عام الانتخابات المصرية..."المبهرة"
الانتخابات المصرية..."المبهرة"
محمد فرج   

الانتخابات المصرية..."المبهرة" | انتخابات الرئاسة – عمرو موسى – عبدالمنعم أبو الفتوح – حمدين صباحي – محمد مرسي – احمد شفيق

"الثورة المصرية أبهرت العالم" جملة جرى تداولها كثيرا لوصف الثمانية عشر يوما التي بدأت فيهم الإنتفاضة الثورية في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير الماضي حتى تنحي مبارك، ثمانية عشر يوما بدا فيهم أن المصريين قد إتحدوا إتحادا وثيقا على هدف واحد رددته الميادين المصرية ساعتها "الشعب يريد إسقاط النظام".

ولكن ما جاءت به نتيجة الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت أواخر مايو الماضي جاء مبهرا ايضا إلى حد الصدمة، اذ تمخضت النتائج عن جولة اعادة بين الفريق أحمد شفيق اخر رئيس وزارء في عهد مبارك، والذي حدث فور توليه رئاسة الوزارء مذبحة للمعتصمين في التحرير في الثاني من فبراير وهي ما عرفت اعلاميا باسم "موقعة الجمل"، والثاني هو الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الاخوان المسلمين صاحبة الاغلبية في البرلمان.

المثير للدهشة ان كلا من المرشحين ظلا حتى الاسبوع الاخير قبل اجراء الانتخابات بعيدين تماما عن الفوز بهذه النتيجة في كل استطلاعات الرأي التي اجريت سواء بشكل رسمي عبر مراكز استطلاع تابعة لمؤسسات اعلامية او مستقلة، وأيضا عبر تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فمرسي قدم اوراق ترشحه للرئاسة مع خيرت الشاطر نائب مرشد الجماعة، والرجل القوي المسئول عن النتظيم والتمويل داخل الاخوان داخل مصر وخارجها، والمفرج عنه بعد تنحي مبارك بعفو سياسي. ولكن نظرا لتخوف الجماعة من استبعاد الشاطر وخلو جولة الانتخابات الرئاسية من مرشح تابع لها لذا تم الدفع بمرسي ليكون مرشحا "احتياطيا" في حال تم استبعاد الشاطر، وهو ما حدث بالفعل إذ تم إستبعاد رجل الاخوان القوي نظرا لأن العفو الذي خرج بمقتضاه من السجن لم يكن شاملا، وبقى "الإحتياطي" الذي نال قدرا هائلا من السخرية على مواقع الفيس بوك وتويتر نظرا لوضعه الاستثنائي حيث اشتهر ب"الاستبن" – دولاب السيارة الاحتياطي-.

كانت كل التوقعات تشير إلى أن من سيخوض جولة الاعادة هما عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ووزير خارجية مبارك الاسبق، والقيادي الاخواني السابق عبد المنعم  أبو الفتوح. حيث لعبت الحملة الانتخابية لعمرو موسى على عدم تورطه في قضايا فساد مالي طوال فترة خدمته، وايضا على مواقفه من القضايا العربية وتحديدا القضية الفلسطينية التي اشتهر بتصريحاته النارية فيما يخصها، وفيما يتعلق بالشأن الداخلي كرر موسى في اكثر من لقاء تلفزيوني ان علاقاته العربية والدولية كفيلة بجذب استثمارات تحرك عجلة الانتاج المتوقفة منذ اندلاع الثورة.

بينما حاولت حملة أبو الفتوح  تصويره بمثابة المخرج من حالة الاستقطاب الديني – العلماني، عبر مشروع وطني يخلق حالة من "الاصطفاف" بين مختلف التوجهات للوصول إلى "مصر القوية" –شعار حملته- وتمت الاشارة أكثر من مرة إلى مساعدة أبو الفتوح الشخصية رباب المهدي المعروفة بتوجهاتها اليسارية كمثال على حالة التوافق التي يخلقها القيادي الاخواني السابق من اليسار الاشتراكي حتى السلفيين الذي اعلنوا دعمهم لأبو الفتوح في مقابل مرشح الاخوان.

الانتخابات المصرية..."المبهرة" | انتخابات الرئاسة – عمرو موسى – عبدالمنعم أبو الفتوح – حمدين صباحي – محمد مرسي – احمد شفيق

لكن جاء الاسبوع الاخير قبيل الانتخابات ليغير الكثير من تلك التوقعات، ويرى البعض أن المناظرة التلفزيونية التي عقدت بين أبو الفتوح وموسى وتم بثها على أكثر من قناة فضائية قد سحبت من اسهم الاثنين حيث لم يستطع ابو الفتوح ان يبدد المخاوف من خلفيته الاسلامية التي يخشاها البعض، ولم يستطع موسى ان يقدم وعودا متماسكة فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي في حال توليه للرئاسة.

لينسحب جزء كبير من الاصوات التي كان من المقرر ذهابها لموسى لتختار احمد شفيق الذى بنى حملته الانتخابية على مسألة واحدة وهي "عودة الامن"، بينما انسحبت اصوات ابو الفتوح إلى مرشح الاخوان الاكثر وضوحا في توجهاته من حالة "اصطفاف" ابو الفتوح التي تحولت إلى ما يشبه "التلفيق". ولترتفع اسهم المرشح الناصري حمدين صباحي بشكل ملحوظ، حيث بدا حمدين - الذي ينتمي لجيل السبعينات مثل أبو الفتوح – يخوض معركة الانتخابات وحيدا بدون عصابات نظام قديم تؤيده مثل شفيق، أو جماعة قوية تقف ورائه مثل مرسي، وبدون تحالفات مثل أبو الفتوح، لذا بدا كأنه "صوت من لا صوت لهم" وايضا بني حملته الانتخابية والدعائية على مطالب الجماهير من تعليم وصحة وارفع مستوى الاجور، وهو ما يستدعي إلى الاذهان دولة عبد الناصر وحالة "الكفاية" التي خلقتها بشكل ما تلك الدولة.

عند بدأ عملية الفرز بدأ مرسي وشفيق في تصدر النتائج ولكن ايضا صحبهم حمدين، الذي حقق اكتساحا في الكثير من المدن، الامر الذي داعب امال الكثيرين في ان يدخل حمدين جولة الاعادة، وهو ما كان سيكفل له الانتصار سواء كانت الاعادة في مواجهة شفيق ام مرسي، اذ كان سيستطيع حشد كل الاصوات المؤيدة للثورة.

انتهت عملية الفرز باعلان الاعادة ما بين مرسي وشفيق، بينما خرج صباحي من السباق بفارق يقرب من نصف مليون صوت بينه وبين شفيق. هكذا بدت الصورة كما لو كان المصريون يعيدون بايديهم النظام الذي اسقطوه!

لكن هل هذه النتيجة صحيحة، هل يرفض المصريون الثورة، واستعملوا صندوق الانتخاب كطريق لاعادة ما سبق ان سقط؟ ربما تبدو الصورة هكذا، خاصة مع حالة الاكتئاب التي سادت مواقع التواصل الاجتماعي بعد اعلان النتيجة، لكن قراءة اكثر تأنيا لنتائج الانتخابات لن تقودنا إلى ان المصريين رفضوا الثورة، بل على العكس فالكتل التصويتية التي ذهبت لحمدين وابو الفتوح بالاضافة إلى المرشحين الاقل اصواتا مثل خالد على وابو العز الحريري وهشام البسطويسي هي اعلى بكثير من الكتلة التي صوتت لكلا من مرسي او احمد شفيق. اذن صوت المصريون للثورة، لا لاعادة النظام، لكن لماذا انتهت الامور إلى هذه النتيجة؟

بشكل اساسي كان عدم اتفاق مرشحي "الثورة" على مرشح واحد يمثل ما يمكن اعتباره جبهة ثورية سبب اساسي في هذه النتيجة، فجميع المحاولات والنداءات التي خرجت من الثوار والائتلافات الثورية بتوحيد القوى والدفع بمرشح واحد في مواجهة فلول النظام السابق، وايضا في مواجهة الاخوان، كل هذه المحاولات ذهبت سدى. فالمرشحون الكبار تمسكوا بأمل انفرادهم بالسلطة، ورفضوا التعاون او التحالف، وهو ما ادى إلى تفتت الكتلة التصويتية بينهم. ازمة الانتخابات الاساسية لم تكن في الاصوات بقدر ما كانت في المرشحين انفسهم.

من ناحية اخرى جاءت نسب التصويت لتعلن ان المجتمع المصري لازال يعاني من مشاكل مزمنة لم تقترب الثورة منها حتى الان، فلازال الريف المصري سواء في الدلتا او في الصعيد محكوم بالعلاقات القبلية التي تتيح للمرشح القوي عقد اتفاقات مع رؤساء العائلات وبالتالي يضمن كتل تصويتية كبيرة، وهو ما تحقق مع احمد شفيق في الصعيد. أيضا لعب الفقر دوره في الضغط على كتل تصويتية اخرى وبالتالي انتشرت الرشاوي الانتخابية سواء اكانت بشكل مباشر في صورة نقود، او مواد تموينية وهو ما لعبت عليه الجماعة في الحشد لمرشحها.

ربما تأتي نتيجة الجولة الاولى مخيبة للبعض، وتضع الجميع امام خيارين اقل من المتوقع، لكنها تكشف ايضا عن ان الحالة الجماهيرية تؤيد التغيير الثوري سواء اكان له طابع ناصري "حمدين" او اسلامي متفتح " ابو الفتوح"، وتكشف ايضا عن خيبة النخبة السياسية المصرية وفشلها في التوحد كي تكون على قدر اللحظة الثورية التي تمر بها البلاد. الى اين ستذهب تلك الكتلة التي صوتت للثورة؟ سؤال كبير ينبغي على الجميع محاولة الاجابة عنه، في الاخير سيبقى ان الثورة ليست في صناديق الاقتراع وفي الاجراءات الشكلية للديموقراطية، ولكن الثورة في الوصول إلى تفاصيل الحياة اليومية وتغييرها، هل تتمكن النخبة الخاسرة في الصندوق، من استغلال الكتلة التي فازت بها لاستكمال مسيرة التغيير الثوري...هذا ما ستجيب عنه الفترة القادمة.