الإعلان

 

مجتمع تونس الجيل الثاني لحقوق الإنسان والدستور التونسي
الجيل الثاني لحقوق الإنسان والدستور التونسي
يسرى فراوس   

للحديث عن دسترة حقوق الإنسان أي تضمين الدستور للمبادئ والحقوق المعترف بها كونيا ضمن المواثيق والمعاهدات والإعلانات الدولية بشموليتها وترابطها أهمية نظرية وعملية، فإثارة الموضوع اليوم لا تمثل ترفا قانونيا أو تزيدا لغويا وذلك باعتبار أن الدستور من حيث الموضوع هو ذلك الجزء من النظام القانوني الذي ينظم عمل أجهزة الدولة الرئيسية وعلاقتها فيما بينها ومع المواطنين.

الدستور يحدد العلاقات بين أجهزة الدولة والمواطنين ويكشف من خلال بنوده عن مدى ديمقراطية السلطة من ناحية، وعن مدى احترامها لحق الشعب في التمتع بثروات بلده من الجيل الثاني لحقوق الإنسان والدستور التونسي | ناحية ثانية وذلك حسبما ينطوي عليه من حقوق وحريات يكفلها للمواطنات والمواطنين. وبالتالي إن الدستور يقطع نظريا السبيل أمام الحكومات للتنكر للحقوق الأساسية والتصرف في ثروات الشعوب وفق أهوائها ومخططاتها الاقتصادية السياسية والاجتماعية والثقافية التي ترتهن في عديد البلدان بالنظام الاقتصادي العالمي ومتغيراته وبالمؤسسات المالية الدولية ومتطلباها.

تاريخية حقوق الإنسان في القانون الدستوري التونسي:

في تونس، ليست حقوق الإنسان بغريبة عن القانون الدستوري، ويجدر التذكير هاهنا بأن إعلان الحقوق الأساسية لسنة 1857 قد نص على ضمان سلامة وأمن الرعايا المقيمين بتونس على اختلاف لغاتهم أو دياناتهم أو ألوانهم وأن دستور 1861 قد عهد للملك بضرورة احترام مساواة الجميع في الحقوق مهما اختلفت دياناتهم أو ألوانهم في جميع الإيالة التونسية. إلا أن دستور سنة 1959 كان شحيحا في التنصيص على حقوق الإنسان حتى أن تلك العبارة لم ترد إلا في توطئة الدستور وفي سياق عام جاء فيه التالي:" ﻨﻌﻠﻥ ﺇﻥ ﺍﻟﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭﻱ ﺨﻴﺭ ﻜﻔﻴل ﻟﺤﻘﻭﻕ ﺍﻹﻨﺴﺎﻥ ﻭﺇﻗﺭﺍﺭ ﺍﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻤﻭﺍﻁﻨﻴﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻭﻕ ﻭﺍﻟﻭﺍﺠﺒﺎﺕ ﻭﺘﻭﻓﻴﺭ ﺃﺴﺒﺎﺏ ﺍﻟﺭﻓﺎﻫﻴﺔ ﻟﺘﻨﻤﻴﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﺜﺭﻭﺓ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻟﻔﺎﺌﺩﺓ ﺍﻟﺸﻌﺏ ﻭﺃﻨﺠﻊ ﺃﺩﺍﺓ ﻟﺭﻋﺎﻴﺔ ﺍﻷﺴﺭﺓ ﻭﺤﻕ ﺍﻟﻤﻭﺍﻁﻨﻴﻥ ﻓﻲ اﻟﻌﻤل ﻭﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻡ" بينما لم تعترف فصول الدستور إلا بالنزر القليل من حقوق الإنسان وخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فلم ينص إلا على بعضها مثل ضمان حرية الحق النقابي الذي ورد بالفصل الثامن و حرمة المسكن التي وردت في الفصل التاسع.

حقوق الإنسان الحلقة الأضعف

الحلقة الأضعف في الاعتراف بالحقوق الإنسانية صلب الدستور هي تلك التي تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو ما يسمى بالجيل الثاني لحقوق الإنسان والذي ورد في عدد من النصوص الدولية لعل أهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية بشأن إقامة نظام دولي للحفاظ على حقوق العجزة والمسنين والورثة في التأمين الصادرة عن منظمة العمل الدولية سنة 1935، والاتفاقية الدولية بشأن المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي الصادرة عن منظمة العمل الدولية سنة 1952، وتتعلق بإعانات المرض، والبطالة ، والشيخوخة ، وإصابات العمل ، وإعانات العائلة ، والأمومة...

غير أن  دستور  تونس لسنة  1959 يخلو من الاعتراف بجل الحقوق التي وردت صلب هذه النصوص الدولية، وعلى سبيل الذكر لا يوجد تنصيص صريح على حق الشعب التونسي في التصرف في ثرواته، وفي التوزيع العادل لها والذي نصت عليه المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة الأولى من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. 
وفي مجال التوزيع العادل للثروة الوطنية، لم ينص الدستور التونسي على محتوى الإعلان حول التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1969 والذي ينص أساسا على: القضاء على كافة أشكال عدم المساواة ، واستغلال الشعوب والأفراد … والاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإعمالها .

كذلك لم ينص دستور 1959 صراحة على ضمان احد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي نص عليها الفصل السابع من العهد الدولي للحقوق الاقتصاية والاجتماعية وهو حق الشغل.

وإذ نورد هذه الأمثلة، فلا تفوتنا الإشارة إلى كون النقاش حول تضمين الدستور للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لم يكن غائبا عن مداولات المجلس القومي التأسيسي عند صياغة أول دستور لتونس بعد الاستقلال فقد دافع عدد من المؤسسين عن ضرورة تنصيص الدستور صراحة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من شغل ومسكن وتعليم وصحة وإلزام الدولة بضمانها، بينما ذهب آخرون إلى ضرورة عدم إثقال كاهل الدولة الفتية بمثل تلك التزامات، وربما يفسر تجاهل الدستور التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عدم التزام الحكومات بها الأمر الذي أفضى إلى اندلاع ثورة الكرامة في 2011 أساسا للمطالبة بها.

الجيل الثاني لحقوق الإنسان والدستور التونسي |

الحاجة إلى دسترة الحقوق الاقتصادية

من المهم في هذه اللحظة التاريخية التي تُقبل فيها تونس على صياغة دستور الجمهورية الثانية، أن تكون هذه الأخيرة جمهورية العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتنمية العادلة والمساواة بين الجهات والجنسين وأن يكون الدستور التونسي الجديد تجسيدا لمجمل هذه المبادئ عبر الاعتراف بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجميع المواطنين وهو مطلب رفعته عديد منظمات المجتمع المدني بل وقدمت مشاريع دساتير تستجيب لهذه الرؤيا ومنها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي طرح صياغة اعتبر في توطئتها أن تصوره يمثل " استجابة لواجب المشاركة الفاعلة والفعلية لرسم ملامح النظام الذي سيحكم مجتمعنا على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وللتأسيس لمستقبل بلادنا".

ونجد في هذا المقترح ربطا بين حق الملكية الفردية ووظيفتها الاجتماعية وربطا بين دفع الضرائب كأحد أسس المواطنة ومبدأ العدل في أداء هذا الواجب كما نجد تكليف الدولة بتوفير الجيل الثاني لحقوق الإنسان والدستور التونسي | الخدمات الصحية والثقافية والاجتماعية للمواطنين في ربط واضح مع الحق في العيش الكريم على أساس العدالة، وأيضا خصص مشروع دستور الاتحاد العام التونسي للشغل فصلة 23 لواجب الدولة في ضمان التنمية العادلة المنسجمة لكل الجهات.

مبادرة المجتمع المدني ومنه المنظمة الشغيلة في سبيل دسترة حقوق الإنسان في تكاملها كحقوق مدنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لا تمتع للفرد بأحدها في ظل غياب الآخر تحتاج إلى التفعيل وتبنيها من قبل أعضاء المجلس التأسيسي اليوم لتكون عماد بناء دولة الكرامة.

الدستور التونسي  ليس استثناءا

الاعتراف بالحقوق الإنسانية صلب الدستور لا يجعل من دستور تونس استثناء فعديد الدساتير في العالم أقرت حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل التأسيس للدولة الاجتماعية ولعل أهم تلك التجارب تتعلق بالبلدان اللاتينو أمريكية بل نجد أن الدستور البوليفي بعد تنقيحه الأخير سنة 2009 قد ذهب إلى تصورات أبعد من ذلك في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية مثل تحديده لسقف الملكية الخاصة للأراضي.

نختم بالقول إنه على أهمية دسترة الحقوق تبقى هذه الأخيرة رهينة قاعدتين أساسيتين:

أولا: إقرارها بصفة واضحة وغير مشروطة في الدستور بكونيتها وشموليتها. بحيث، لا يجب أن تأخذ النصوص بيد ما تعطيه باليد الأخرى كما نجد في بعض الدساتير العربية كالدستور الأردني الذى نص على حق العمل والتعليم ولكن فى حدود إمكانات البلاد وحتى في دستور تونس1959 الذي أقر حق الإضراب ولكنه قيده بممارسته في إطار القانون وهي صيغ تفرغ الحق من محتواه وتجعل من النصوص القانونية مجرد تعهدات.

ثانيا: دسترة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية غير كاف لتمتيع المواطنات والمواطنين بها إذا لم ترتبط بإقرار الآليات والتدابير التي يتوجب على الحكومة اتخاذها واحترامها لضمانها وتفعيلها على أرض الواقع وتجسيدها عبر سياساتها القانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية سواء تلك التي تضمنتها النصوص الدولية مثل التقارير الدورية للحكومة ولمنظمات المجتمع المدني عن وضع التنمية ومدى التزام الدول بتعهداتها الدولية في مجال احترام حقوق الإنسان (تقارير تتحرى حولها منظمة العمل الدولية مثلا تواجه الحكومات بها) وكذلك مثل إمكانية إرسال البلاغات والشكاوى من قبل أفراد أو منظمات لمنظمة العمل الدولية يعتبرون فيها أن الدولة لم تحترم حقوقهم التي تعهدت دوليا بالالتزام بها(حسب المادة 24 من دستور منظمة العمل الدولية). أو كذلك آليات الحماية الوطنية ومنها استقلال القضاء وبعث المحكمة الدستورية التي تراقب احترام كافة النصوص القانونية لعلوية الدستور.

هي ترجمة قانونية لصدى ما يأتينا من شعر التونسي منور صماح عندما قال سنة 1955 :

حسبنا جوعا وتشريدا كفى        ما أصاب الشعب من حيف وضر

أي عز إن بقينا هــــــــكذا        أي تحـــــــــــرير ألا فلنعتبـــــــــر