الإعلان

 

مجتمع قسم عام شبح العودة إلى الحزب الواحد
شبح العودة إلى الحزب الواحد
الدكتور محمد الحدّاد   

لا يعدو مأزق الانتخابات المصرية، وانحصار اختيار الناخب المصري بين "الفريق" (أحمد شفيق) و"الجماعة" (محمد مرسي)، إلا أن يكون صورة مختزلة لوضع الثورات العربية عامة، فهي لم تنجح إلى حدّ الآن في تجاوز حلول الماضي نحو أوضاع جديدة ومجدّدة، فالمواطنون يجدون أنفسهم أمام خيارين، إما العودة إلى رموز الماضي أو استبدالها برموز يمكن أن ترسي استبدادا من نوع آخر لأنها لم تحسم تصوّرها في مدنيّة الدولة ولم تقطع مع فكر سياسي طبّق في السودان وإيران وافغانستان ونعلم جيّدا مآلاته ومآسيه.

شبح العودة إلى الحزب الواحد |
والثورة الحقيقية هي التي تؤسّس لوضع جديد وتخرج بالمجتمعات من المآزق المتوارثة منذ عصور، لكن يبدو أننا سننتظر سنوات قبل بلوغ هذا الوضع، أو قد ننتظر عقودا. ويلاحظ المراقب لأحداث الربيع العربي أننا نبتعد أكثر فأكثر من مطلب الديمقراطية إطار جامعا للقوى المشاركة في الثورة، ونبتعد عن سيناريو الانتقال الديمقراطي كما حصل في أوروبا الشرقية وبلدان أمريكا الجنوبية، لنحوّل القضية إلى ماهية دينية مطلقة، وفي كل دول الربيع العربي تنشأ أحزاب تكفّر الديمقراطية جهارا، بينما تمضي احزاب أخرى لاعتبارها، أي الديمقراطية، مجرّد آلية انتخابية تتمسك بها لأنها تعمل حاليا لمصلحتها، وقد تنبذها عندما تنقلب التوازنات السياسية، وهي على كلّ حال تعتبرها وسيلة لا غاية، وتفصل آلياتها عن فلسفة سياسية حديثة قائمة على مجموعة من المرتكزات والتصوّرات المتكاملة. لقد كان التاريخ العربي كلّه نقلات بين "دول" (بمعنى عهود) تتأسس كلّ دولة منها على نقيض سابقتها لكنها تستعيد نفس آلياتها عند التمكّن من السلطة والاطمئنان على كرسي الحكم. وهذه الحركة الدورية المفرغة هي التي أشار إليها ابن خلدون بتعاقب أطوار الدولة من النشأة إلى الترف إلى الهرم والسقوط، فالترف يعني من جملة معانيه الفساد السياسي، والانهيار نتيجة من نتائجه. وقد وجّهت هذه الحتمية، إلى حدّ، مصير "الدولة" قبل الحديثة في كلّ الحضارات، بينما حوّلت الديمقراطية موقع الثقل من أخلاق الحكّام إلى آليات مراقبتهم، بأن جعلت التداول على السلطة آلية للتضييق من فرص الاستبداد السياسي والفساد المالي، لأن انتقال السلطة دوريا بين الأحزاب المختلفة يجعلها جميعا تحت المراقبة ولا يمنح أحدها الوقت الكافي للاستفراد بالعباد والممتلكات، إضافة إلى مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، والتمييز بين الفضاء الأخلاقي والديني من جهة والوظائف المدنية للدولة من جهة أخرى.
ستتضاءل فرص التداول الديمقراطي إذا لم تبرز مجموعة محدودة من الأحزاب تكون متقاربة في القوّة والأهمية وتتنافس على السلطة، وستتضاءل تلك الفرص أيضا إذا كان أحد الأطراف الرئيسية مرتبطا بعهد ما قبل الثورة، فيسهل وضعه خارج إطار الشرعية الثورية بتحميله مسؤولية الماضي، وخارج إطار الشرعية الدينية أيضا بسبب التوظيف الديني للسياسة، فيصبح مجرد "فلول" مصيرها الأفول، بينما يستفرد طرف واحد بكل أنواع الشرعية ونعود من جديد إلى وضعية الفكر الواحد والحزب الواحد.

شبح العودة إلى الحزب الواحد |
والحقيقة أنه لا يمكن تحميل الأحزاب الإخوانية في مختلف بلدان الربيع العربي مسؤولية هذا الوضع وإن كانت هذه الأحزاب هي التي استفادت منه أكبر استفادة، فالقوى السياسية المدنية والديمقراطية قد ساعدت على ذلك بعجزها عن التحوّل من الشعارات والتنظيرات إلى العمل السياسي المنضبط والجماهيري. بيد أن ثمة أكثر من عنصر أمل على المدى المتوسّط. من ذلك تذوّق الشعوب لحلاوة الحرية بما يجعلها عصيّة مستقبلا على الترويض والاحتواء، ويصعب ثنيها عن إبداء الرأي وتوجيه النقد وتنظيم الاحتجاج، حتى ولو يؤدّ ذلك إلى قلب الموازين السياسية الكبرى. وقد نحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تتحوّل الحريات السياسية الفردية للمواطنين إلى مبادرات سياسية تنظيمية منضبطة. وسنرى أيها يكون الأسرع، قدرة الأحزاب الإخوانية على ترويض الجماهير بالمقولات الدينية أم شعلة الحرية ورغبة المواطنين في التمسك بها. ومن ذلك أيضا الضغط الذي سيمارسه الواقع على الحركات الإخوانية مستقبلا، فستجد نفسها في مواجهة مشاكل الاقتصاد والمالية والسكن والاستشفاء على مدى الملايين من البشر، بما لا تنفع فيه الأعمال الخيرية المألوفة، فضلا على إكراهات السياسة الخارجية، بما سيوسّع الهوّة بين وعودها وخطاباتها من جهة وقدراتها على التنفيذ والإيفاء من جهة أخرى. وهذا لا يعني أنّها ستفقد شعبيتها وتنهار، كما قد يظنّ البعض، لكنها ستفقد جزءا مهما من بريقها كما يحصل مع كلّ حزب يصطلي بضغط الواقع وهو في سدّة الحكم وينتقل من التجريد إلى الممارسة.وستتجه تلك الأحزاب حتما إلى التراجع عن خطاباتها المطلقة والقبول بتنسيب الأمور، وستتطوّر داخليا أو تنقسم كما حصل في المثال التركي بين تيارات تظلّ وفيّة للفكر الإخواني المثالي وتيارات سياسية أكثير واقعية. والحركات الإخوانية التي عانت طويلا من الاضطهاد تظلّ اليوم شديدة التماسك لأن أعضاءها مازالوا يستبطنون الخوف على أنفسهم وعلى مصيرهم، كما أنهم يطمعون في الاستفادة الجماعية من الوضع الجديد مثلما نكبوا جماعيا في الوضع السابق. لكنهم إذا اطمأنوا على أنفسهم أصبحوا اكثر قدرة على التمايز بين بعضهم البعض.
فمن الواضح أن الطريق مازالت طويلة قبل أن نتبيّن هل عشنا ربيعا عربيا أم عايشنا مجرّد انتقال للسلطة إلى يد حاكمين جدد، لأنّ الثورة الحقيقية ليست مجرّد انتقال للسلطة وإنما هي تغيير في فلسفتها وآليات ممارستها. ولم يحن الوقت للتهليل بالقطع مع الماضي لأننا لم نقطع بعد معه، ولا للتهويل بما هو آت لأنّه ليس قدرا مقدّرا أن تظلّ خيارات المواطن العربي محدودة كما هي عليه الآن. لكنّ المسار متعثّر بالتأكيد والمزالق كثيرة في التجارب الحالية. وعلى المثقفين أن يستفيدوا من مناخ الحريّة ليضطلعوا بدورهم في نشر الثقافة الديمقراطية لأنّ الاستقطاب السياسي الحادّ لن يوفّر للسياسيينفرصة التفكير خارج مقولات الربح والخسارة بالمعنى الآني العاجل والمستعجل. لا سيما أنّ وضع الاستقطاب بين رموز الماضي ورموز الحركات الإخوانية يجعل المواجهة قضية حياة أو موت لكليهما، فهذا يخشى من أن يضطهده من كان ضحيته في السابق، وذاك يخشى العودة مجدّدا إلى أوضاع الاضطهاد، فالنتيجة أن يصبح العنف السياسي بشكليه المعنوي والمادي، السلاح المفضل لدى الطرفين، في انتظار انتخابات ديمقراطية حقّا تجمع مشاريع سياسية نسبية متنافسة دون تخوين ولا تكفير.