الإعلان

 

مجتمع قسم عام كتابات تحاول فهم الثورة
كتابات تحاول فهم الثورة
محمد فرج   

"ثورة الفيس بوك"، "ثورة الشباب"، "ثورة الطبقة المتوسطة".. أوصاف عديدة حاولت الالتصاق بما بالثورة التي بدأت في الخامس والعشرين من يناير، في مصر، ومن قبلها في تونس، والتي لازالت مستمرة حتى الأن في العالم العربي كله.

لكن التوصيفات السابقة وهي التي يكثر ترديدها في وسائل الاعلام، تحاول أن تختصر الحدث في احد أبسط جوانبه – والتي يمكن أيضا وصفها بالسطحية – وتبعتد عن رؤية ما حدث على أرض الواقع، وتسقط عن قصد الدور الذي لعبته الطبقات الاكثر فقرا او بلفظة أكثر حداثة "المهمشين" في الدفع بعجلة تلك الثورة للأمام.

كتابات تحاول فهم الثورة | لكن التوصيفات السابقة وهي التي يكثر ترديدها في وسائل الاعلام، تحاول أن تختصر الحدث في احد أبسط جوانبه

لا يتعلق الامر هنا ايضا بترديد نغمة مضادة يتم فيها تقديس "الفقراء" بشكل رومانسي لا يفلح أيضا في رؤية ما حدث بشكل واقعي، ولكن بمحاولة أكتشاف أليات صنع هذا التهميش ومن ثم القضاء عليه، ففي النهاية ليس المطلوب التغني بالفقر ولكن القضاء عليه، وهذا احد اهداف الثورة.

في هذا السياق صدر كتابين  يحاولان فهم ما حدث الاول بعنوان "التهميش والمهمشون في مصر والشرق الأوسط" الصادر مؤخرا عن دار "العين" محاولة لتقديم إجابة لسؤال "كيف ظهرت الأحوال المؤدية للثورة؟". يتكون الكتاب من مجموعة من الدراسات لعدد من الباحثين، كانت بالاساس اوراق ورشة عمل أقيمت بالقاهرة عام 2009 ، ولكن تمت مراجعة الاوراق بعد أحداث الثورات العربية.

والثاني هو كتاب "الاحتجاجات الاجتماعية والثورات المدنية – تحولات السياسة في دول البحر المتوسط العربية" الصادر ضمن منشورات مركز الاهرام للدراسات الإجتماعية والتاريخية، بالتعاون مع مجلة العالم الثالث الفرنسية. يحاول الكتاب المكون من عدد من الدراسات معرفة الاسباب التي أدت إلى موجة الانتفاضات المدنية في الحالتين المصرية والتونسية اساسا ومعرفة العوامل والاسباب التي أدت إلى إنطلاق العملية الثورية الساعية للبحث عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في العالم العربي.

تحاول ابحاث كتاب "التهميش والمهمشون"  فهم أسباب النضالات التي أدت إلى الاطاحة بمبارك وبن علي، وهذا الفهم ليس فقط في ضوء الاحداث الدراماتيكية لعام 2011 ولكن بوضعها في السياق التاريخي للنضالات المستمرة والمتكررة المعارضة للديكتاتورية، تلك النضالات التي قام بها العمال والفلاحون، والشباب المنظم وغير المنظم، والطبقة الوسطى والمهمشون.

ربما تبدو كلمة "هامشي" على قدر من الابهام، وعادة ما يتم استخدامه كتعبير"شامل" ليضم مجموعة من الحالات المختلفة جدا من أشد حالات فقر الأفراد أو الجماعات الذين عانوا من حالة ثراء أقل أو "حظ سيء" مقارنة بمعانة الشخص "العادي"، هذا الابهام هو تحاول مقالات الكتاب فكه عن طريق رؤية هذه الجماعات "المهمشة" كجزء من طبقات إجتماعية تم استبعادهم أو دفعهم بعيدا عن مراكز النمو والتنمية، في هذا السياق يقدم الكتاب مجموعة من وجهات النظر حول الافراد والجماعات التي كانت هامشية بالنسبة للتنمية القومية في مصر وماذا كانت الخلفية التي قامت عليها الثورة.

بداية يقدم عالم الاجتماع الايراني "آصف بيات" تتبعا تاريخيا ونقديا لمفهوم "الهامشية" نفسه وكيفية ظهوره في العلوم الاجتماعية والانسانية والاطوار التي حملها المفهوم منذ ظهوره حتى الأن، ويتابع "بيات" قراءته للهامشية التي يرى إن هذا التعقيد الاجتماعي المختفي تحت المصطلح، ومع كل الدلالات السلبية التي يحملها، ولكن بالنسبة له يمكن للهامشية أن تكون "فرصة" وليس مجرد "لعنة"، فهي حيز يستطيع فيه من لا يملكون تكاليف الحياة "العادية" أن يعيشوا ويزدهروا. وهكذا فإن الوضع الهامشي يمكن أن يقدم مساحة لمعايير بديلة، وحياة بديلة، مكانا للراحة والقوة المضادة، يخلقه هؤلاء المستبعدون أو الذين يضعون أنفسهم في موضع الاستبعاد.

من جانبه يقدم علي القادري الاستاذ بكلية لندن للإقتصاد والعلوم السياسية محاولة لفهم الأبعاد الإقليمية لإتعاس الشعوب، وتحليل المفارقة الخاصة بالمنطقة: لماذا مع وجود كل هذه الثورات وخاصة عوائد النفط يحكم على أكثر من نصف السكان بالفقر؟ ويدلل على أن المشرق العربي لم تحدث فيه تنمية . بل أنه كانت هناك عملية تراجع تنمية لإنتاج البضائع مع التركيز على قطاع البترول وأجهزة القمع السياسي. بجانب الدور الدفاعي عن أنظمة الحكم في المنطقة والذي لعبته الولايات المتحدة من أجل ضمان تدفق مصالحها في المنطقة، ولعبت اسرائيل دور الشرطي للولايات المتحدة ورأس المال العالمي. هذه العوامل مجتمعة تتطالبت مستوى مرتفعا من التجهيزات العسكرية وما تستتبعه من تكاليف اجتماعية واقتصادية. ولكن القادري لا يرى هذا الوضع "حتميا"  ولكنه يرى أن الشخصية القعمية لأنظمة المنطقة وتهميش العمال والفلاحين فيها نتيجة عهد من التنمية الرأسمالية والشكل الخاص الذي أخذته في المنطقة.

لتلقط رباب المهدي أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية الخيط عبر مقالتها التي تلقي الضوء على أهمية النضال السياسي في خلق فرصة للتغير،فالنضالات المشتعلة منذ 2006 كانت ردا على السياسيات الليبرالية الجديدة التي اتبعها نظام مبارك، وكيف خلقت هذه النضالات الاحوال الملائمة للنجاح في خلع حسني مبارك.

كتابات تحاول فهم الثورة | لكن التوصيفات السابقة وهي التي يكثر ترديدها في وسائل الاعلام، تحاول أن تختصر الحدث في احد أبسط جوانبه

ويحاول حبيب عائب الباحث بمركز البحث الاجتماعي بالجامعة الامريكية بحث الظروف المتدنية للفلاحين في مصر وتونس، ويقوم بتحليل الثورتين عبر مقارنة ظروفهما الريفية، ويبحث كيف تعرض الفلاحون بسبب سياسيات الليبرالية الجديدة إلى عملية إفقار متسارع، ويوثق كيف بدأ النضال لخلع بن علي من الريف حين فشل في الوفاء بوعد بتأمين الطعام، والاسباب التي أدت إلى تصاعد وتيرة النضال الريفي في مصر خلال السنوات السابقة على 2011.

وتقدم داليا وهدان أستاذة الدراسات الأنثربولوجية بمؤسسة التعليم الحر بالهند قراءة للتهميش المكاني وكيفية نمو مدينة تابعة للقاهرة مثل "6 أكتوبر" ودور سياسات النقل في تهميش فئات معينة من السكان وتقدم تعليلا لفشكل الحكومة وفسادها وعدم الكفاءة المؤسسية والفساد الفردي أدى إلى خلق سكان مهمشين، وتلقي الضوء على كيفية استخدام النظام السلطوي في مصر أليات للتحكم في تدفق العمالة إلى القاهرة، وكيف كان الحفاظ على الاستقرار السياسي وضمان العوائد الثابتة على حساب النمو الاقتصادي والإنتاجية هو الدافع المحرك للتحكم في البنية التحية للنقل وخدمات الطريق في السادس من أكتوبر.

بينما يحلل صقر النور الباحث الاجتماعي بجامعة جنوب الوادي سياسة الحكومة المصرية في السنوات الاخيرة في استهداف الفقر جغرافيا في أكثر القرى فقرا وأيضا ما يمكن أن نراه في المستقبل من أفكار بديلة متفهمة للفقر في الريف.ويقدم كمال فهمي الباحث في العمل الاجتماعي رؤية عن العمل مع أطفال الشوارع والتحديات التي يمكن أن نلقاها.

بينما يحاول نبيل عبد الفتاح في مقدمته للطبعة العربية من كتاب "الاحتجاجات الاجتماعية والثورات المدنية" المعنونة ب"البحث عن سياسة الامل" الكشف عن حدود الحركات السياسية والاحتجاجية التي برزت في مصر تحديدا منذ 2005 مثل "كفاية" وأخواتها التي تعد بالنسبة له امتدادا عن تمدد بعض الخطابات الحقوقية وانتشارها في بعض أوساط القوى السياسية المعارضة، وهو في الوقت نفسه ما منح هذه الحركات طابعا اصلاحيا إذ كان نشاط المنظمات والجماعات الحقوقية نشاطا يهدف إلى احداث تعديلات في بنية النظام التسلطي واصلاحه هيكليا ولكن لم تكن تحمل هذه الخطابات أي أفق ثوري، وبالتالي لم تكن الثورة أو التفكير الثوري أو المشروع الثوري جزءا من أهداف وغايات هذه النشاطات إلا على صعيد التنظير الذي كان بدوره يؤسس لمستقبل "ثوري" غائم وغامض ولم تستطع تحديد معالمه ولا زمنه ولا سياقاته ومحدداته. من هنا يحاول عبد الفتاح تفسير حالة "المفاجأة" التي شعرت بها تلك القوى حال اندلاع الانتفاضات في تونس ثم في مصر.

يبدأ الكتاب بدراسة للحركات الاحتجاجية في مدينة "قفصة" التونسية، و"إفني" المغربية في الفترة ما بين 2005 إلى 2009 حيث ترى الدراسة أن التعبئة الاحتجاجية التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني كانت تقوم على طلب تدخل الدولة لإنعاش النمو وضمان راحة السكان في المناطق الاقليمية، وفي نفس الوقت مهاجمة الدولة لكونها المتسببة في الوصول لتلك الحالة. ومن هنا نشأ خطاب مطلبي ملتبس وغير واضح تجاه الدولة. حيث تختلط أسطورة الانتفاضة ضد الدولة مع اسطورة المقاوم الوطني في إطار من العاطفة والاخلاق مما يساهم في انتفاء الطابع السياسي عن الاحتجاج، ومن ناحية أخرى يعطي الفرصة للدولة في اختيار الرد المناسب لها بين المنح والقمع.

ثم يتناول أنطوان دومون في الدراسة الثانية في الكتاب حالة مدينة "الرديف" التونسية الواقعة بمنطقة حوض المناجم، حيث كانت المدينة احدى مصدري العمالة المهاجرة إلى مدينة نانت الفرنسية وارتفعت نسبة هذه الهجرة بعد قمع الدولة لاحتجاجات 2008 بالمدينة وهو ما ادى من ناحية إلى ارتفاع نسبة الهجرة من المدينة إلى نانت الفرنسية وفي الوقت نفسه تشكلت روابط من المقيمين التونسيين في نانت بالتعاون مع مؤسسات ناشطة لدعم نضال التونسيين بالداخل، هذه الحركات المتقاطعة بين "الداخل" و"الخارج" خلقت ماتسميه الدراسة "تداخل القوميات عبر هجرة الاحتجاج".

بينما يحاول كلا من ماري نويل ابياجي، وميريام كاتوس دراسة الحالة اللبنانية حيث يستطيع المجتمع اللبناني اظهار قدرات استثنائية على التعبئة السياسية بينما يعني ضعفا شديدا في المطالبات الاجتماعية، حيث تم تشكيل العديد من الحركات ضد الاثار الناتجة عن سياسيات اعادة بناء البلد ولكنها قلما توجت بالنجاح، تدرس الباحثتان التناقض ما بين ضاءلة الحقوق الاجتماعية وإتساع الهوة الاجتماعية من جانب وارتفاع درجة التعبئة السياسية لنظام الطوائف من ناحية أخرى.

ومن مصر تدرس الباحثة الفرنسية ماري ديبوك حالة اعتصام شركتي مصر للغزل والنسيج في المحلة الكبرى وإندوراما بشبين الكوم، حيث تدرس تأثير السياقين السياسي والاجتماعي على موجة الاحتجاجات  التي شهدتها مصر بشكل عام منذ 2004، وتتبع من خلال النموذجين الذيين اخترتهما للدراسة طرق واشكال النتظيم على المستوى المحلي مع التأكيد على أهمية الشبكات الاجتماعية التي شجعت وسمحت بترويج مطالب المعتصمين.

من مصر أيضا تحاول ناتالي برنار موجيرون تحليل عملية بلورة قانون الخلع عام 2000 والسجال والتعبئة المثارة حول تبني هذا القانون، وتقوم بتحليل التوترات والرهانات التي تسيطر على المشهد السياسي المصري ورسوخ الاطار المرجعي الديني، وتطرح تساؤلا حول الدور الذي يمكن أن تلعبه القوانين القضائية المفروضة من قبل الدولة على عملية التغيير الاجتماعية.

ثم تقدم الباحثة لور جرجس دراسة عن خصائص النشاط الاحتجاجي القبطي المعاصر في مصر وتركز لور على عملية التفاعل بين اتجاهات رئيسية داخل هذه الاحتجاجات وهي الاتجاه الطائفي والعالمي، والتفاعلات الحاصلة على الصعيدين الوطني والدولي التي تحفز ظهور أشكال جديدة من التحركات الاحتجاجية كما تعرض ايضا لردود فعل النظام المصري إزاء هذه التحركات.

وينتهي الكتاب بدراسة لسارة بن نفيسة حول ال18 يوم حيث تطرح سارة تساؤلا حول الثورة التي عاشتها مصر بلا قيادة، وتحاول رؤية هذه الايام في سياق إعادة صياغة عامة للعلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر بدأت بالنسبة لها منذ 2005 مع عملية تفكيك الاحنكار الاعلامي وزيادة حجم الاحتجاجات الاجتماعية. وتحلل الادوار المختلفة للمثلي الانتفاضة الذين فرضوا على مبارك التنحي، وايضا تتساءل عن الممثلين السياسيين القائمين على العملية السياسية المستقبلية وهم الجيش والاخوان المسلمين.