الإعلان

 

مجتمع قسم عام الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي
الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي
عمر الأسعد   

يبدو المشهد السوري اليوم في أشد لحظات تعقيده منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، فلا الحل العسكري الوحشي الذي انتهجه النظام ضد الشعب السوري بغطاء من حلفائه الإقليميين والدوليين يبدو أنه ناجع أو قد يعطي نفعاً، ولا القدرة العسكرية لبعض الجماعات التي انشقت عن جيش النظام وشكلت ما بات يعرف بالجيش السوري الحر قادرة على حسم المعركة بالكامل بسبب ضعف مواردها وعدم القدرة على تنظيمها وضخامة الترسانة العسكرية لجيش بشار الأسد الذي تواجهه.

هكذا يبدو أن سوريا تعيش مراحل صراع طويلة، ولا يمكن التنبؤ بنتائجها على الصعيدين الاجتماعي والوطني خاصة من حيث تأثيرها على نسيج اجتماعي أهلي هش بالأصل، فالنظام لا زال حتى هذه اللحظة يصر على قدرته على الحسم العسكري الكامل وإنهاء ما يسميه "أزمة ومؤامرة كونية"، مستفيداً من تلكؤ المجتمع الدولي والدعم غير المحدود أو المشروط من قبل حلفائه الأساسيين الإيراني إقليمياً والروسي الصيني دولياً، وهشاشة معارضتيه السياسية والعسكرية المسلحة وتشرذمهما، بينما تستمر في هذه الأثناء مقتلة الشعب السوري المستمرة مخلفةً وراءها مالا يقل عن 30 ألف ضحية، وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين وحوالي ربع مليون لاجئ إلى دول الجوار ومليوني نازح داخل البلاد.

الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي |

إلى هذا يبدو أن المبادرات السياسية التي تنطلق لا تزيد عن كونها مرتجلة ارتجالاً واضحاً، كتلك التي صدح بها الرئيس المصري محمد مرسي في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة في السعودية مطالباً بحل إقليمي للأزمة في سوريا، ربما فات الرئيس مرسي أن الحل الإقليمي للمسألة السورية لم يعد ممكناً في هذه اللحظات، فالدول الكبرى دخلت على خط المواجهة وأجواء حرب باردة استعيدت، ما يترك إحساساً أن التوافق الدولي هو المطلوب بين اللاعبين الكبار قبل أن يكون التوافق الإقليمي، ثم أن الدول التي رشحها مرسي لحل النزاع وهي الرباعية الإقليمية المكونة من "مصر والسعودية وإيران وتركيا" يبدو واضحاً أنها لن تتفق، ففيما تقف إيران إلى جانب الأسد الذي تعتبره حليفها الاستراتيجي في الإقليم وتمده بالسلاح والمال والمقاتلين، تقف الدول الثلاثة المتبقية في الضفة الأخرى المطالبة برحيله عن ساحة السياسة في سوريا، ولاتزال مصر نفسها غير قادرة على الخروج من العناية الفائقة ولعب دورٍ إقليمي كالذي يطمح إليه كرسي وهي المشغولة بمشاكلها الداخلية، ناهيك عن صراع غير خفي بالتحديد بين "إيران والسعودية" تغذيه تصاعدات التوتر السني الشيعي التي تسود المنطقة في غير دولة منها، ابتداء بلبنان وسوريا مروراً بالعراق والبحرين وانتهاء بالسعودية وإيران ذاتهما، فما هو المرتجى من مبادرة "إقليمية" لحل أزمة تتقاطع فيها مصالح واستراتيجيات دولية؟، مبادرة أخرى طرحها الإيرانيون في قمة طهران "لمنظمة دول عدم الانحياز" أتت مبنية على أساس الحل الإقليمي للأزمة السورية أيضاً، صدرت هذه المبادرة في ظل انعقاد مؤتمر المنظمة المسماة "دول عدم الانحياز"، اسم المنظمة ذاته يشي بدفعها تهمة "الانحياز" عنها، علماً أن مؤسسيها في خمسينيات القرن الماضي كانوا بمعظمهم من المنحازين إلى المعسكر السوفيتي في صراعه مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ثم أن أطراف المعارضة السورية ذاتها إضافة إلى أطراف عربية ودولية لن تكون مطمئنة من مبادرة للحل تقودها إيران اتجاه سوريا، فهي بالنهاية حليفة للنظام السوري وتتبنى روايته عن الأحداث التي يصفها "بالمؤامرة الخارجية!" بأيدي مقاتلين أجانب وسوريين داخل أراضيه، فضلاً عن تورطها بدماء السوريين من خلال ما تقدمه من دعم عسكري ومالي وسياسي لنظام الأسد، هكذا يبدو أن لا مستقبل لما أرادت إيران تسويقه من حل وإن أرادت أن تختبئ وراء "قمة عدم الانحياز!!" رغم أن انحيازها إلى جانب نظام الأسد لا مجال للشك فيه.

الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي |

في المقابل يسعى الحليف الروسي لأن يحافظ على آخر امتداداته في المنطقة، خاصة بعد خسارته حليفيه الأساسيين صدام حسين في العراق والقذافي ليبيا، وبذلك لا يتوانى عن إمداد النظام السوري بكل أنواع الأسلحة والخبرات العسكرية محاولاً إطالة عمره لدعم أوراق تفاوضه عليه أمام اللاعبين الآخرين في خارطة السياسة الدولية، وهم الأعداء التقليديون لحكام الكرملين الروس.

سعت روسيا لإقناع النظام أن الحل العسكري في مدينة حمص سيقلب الموازين ويظهر قدرته على حسم الأمور وإقناع النظام الدولي بضرورة بقائه كحام للأمن في منطقة شديدة القلق والتوتر، فدفعته إلى معركة اجتاح فيها حمص وهدمها على رؤوس ساكنيها، وفي المقابل لم تهدأ الثورة ولم تتوقف بؤر التظاهر والعمليات العسكرية ضده، رغم الدعم الديبلوماسي والعسكري الروسي، المتستر بظل فقرات من القانون الدولي تؤكد على السيادة الوطنية وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول، ما يوحي أن روسيا هذه لا تدافع عن النظام السوري فقط من خلال مواقفها المتعنتة، إنما تدافع أيضاً عن نفسها وكيانها الهش و"سيادتها الوطنية!!" التي فرضتها دبابات بوتين في غير مكان من روسيا أكثر من مرة ليس أولها الشيشان وربما لن تكون آخرها جورجيا.

الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي |

وفي نفس سياق الثورة السورية وإن كان على صعيد آخر يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد قلقة كما في البداية اتجاه موجة التغيير في دول الربيع العربي أو حتى اتجاه وصول الأحزاب الإسلامية إلى السلطة فيها، فهي بشكل أو بآخر استطاعت أن لا تقطع مع هذا التغيير لا بل أن تكون حليفةً له في مواضع كثيرة مستفيدة من علاقاتها القديمة مع المنطقة، ومن انفعالات سياسة خصمها التقليدي الروسي، ومن لا عقلانية "عدوها!" الإيراني التي ظهر آخر فصولها التهريجية في تحريف ترجمة خطاب الرئيس مرسي في مؤتمر قمة دول عدم الانحياز، هكذا تراقب الولايات المتحدة ما يحصل بسوريا وتؤكد تصريحات وتصرفات مسؤوليها على أنها لا ترغب في الوقوع بفخ التدخل العسكري على الأقل في المدى المنظور، وهي مرتاحة إلى موقعها في المنطقة الذي عمقته من خلال مباركتها للقادمين الجدد من خلفيات إسلامية إلى سدة الحكم بعد موجة الثورات العربية، وهي بالأساس تتمتع بموقع متميز في غير دولة خليجية في ظل خوف هذه الأخيرة من التمدد الإيراني في المنطقة، ومن ناحية العراق يبدو أن تقاسم نفوذ هادئ جرا بينها وبين طهران وإن كانت تعتقد أنه جائراً بعض الشي بحقها، لكنها ارتاحت على الأقل من رؤية جنودها يقتلون في هذه المعركة، وتركت العراق لمشاكل يبدو أنه لن يشفى منها سريعاً، هكذا يبدو أن الولايات المتحدة لن تتحرك بجدية مع حلفائها باتجاه سوريا على الأقل حتى تنتهي الانتخابات الأميركية في تشرين الأول أكتوبر القادم، ويبدو الموضوع السوري حاضراً على رأس أولويات حملتي المرشحين إلى إدارة المكتب البيضاوي الجمهوري ميت روماني والديمقراطي الرئيس باراك أوباما، فالاثنان يعتبران الشرق الأوسط على أولويات برامجهما في السياسة الخارجية الأميركية وسوريا اليوم هي الحاضر الأقوى في الشرق الأوسط المولد دائماً للأزمات المنعكسة آثارها دولياً، ابتداءً من الصراع العربي الإسرائيلي مروراً بالثورة السورية وليس انتهاء بملف إيران النووي ومصادر الطاقة النفطية في دول الخليج. لكن هذا لا ينفي أن أميركا وحلفائها ينتظرون أيضاً أن يفعّل المبعوث الأممي العربي الجديد لسوريا الأخضر الإبراهيمي مهمته التي وصفها ب "شبه المستحيلة" ومن المتوقع أن يلعب التحالف الغربي دوراً أكثر فاعلية اتجاه الأزمة شبه المستحيلة وإن خارج مجلس الأمن.

الثورة السورية تقاطع المصالح والهولوكست الأسدي |

بهذا لا يبدو أن الثورة في سوريا بعيدة عن الانقسامات والتجاذبات العالمية، ففي الداخل السوري هناك نظام يريد إبادة شعبه كي يبقى الأسد في سدة الحكم وإن كلف هذا قتل "مليون سوري" على ما صرح أحد جنرالات النظام، أو كما يصرح جنوده في شعارهم الفاشي الأشهر "الأسد أو نحرق البلد"، وبينما المحرقة مستمرة هناك خارج الحدود يوجد إسرائيل وتركيا والسعودية ودول الخليج وإيران وحزب الله وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا والصين، تتقاطع كل هذه الخطوط على خارطة سوريا الجغرافية والسياسية، والمطلوب لدى الجميع "إنهاء الصراع" الذي يبدو أنه لن يبقى حالياً صراعاً "في سوريا" إنما هو صراع حقيقي على سوريا وشكلها المستقبلي، هذا الشكل الذي يبدو واضحاً أنه سيترك أثره على هذه المنطقة الساخنة وعلى كافة ملفاتها؟ رغم كل هذا يجب التنويه أن الشعب السوري لا زال يقتل وأن ما طلبه هذا الشعب ليس أكثر من حريته وكرامته في ظل نظام "الهولوكست الأسدي" المتمتع باستبداده وفساده على مدى أربعة عقود، فهل الحرية والكرامة كثيرة على هذا الشعب؟!