الإعلان

 

مجتمع قسم عام أين الثروة ؟ الملكية المغربية تحت مجهر المجتمع المدني
أين الثروة ؟ الملكية المغربية تحت مجهر المجتمع المدني
جلال الحكماوي   

 

أين الثروة ؟ الملكية المغربية تحت مجهر المجتمع المدني  |

"نداء لإطلاق حوار وطني حول التنمية المعاقة بالمغرب"

في خطوة جريئة، بادرت نخبة من المثقفين والسياسيين والمستقلين والإسلاميين والليبراليين المنتمين إلى حساسيات فكرية وإديولوجية مختلفة إلى إطلاق " نداء لإطلاق حوار وطني حول التنمية المعاقة بالمغرب" بعد خطاب العرش الذي ألقاه الملك محمد السادس في 30جويلية يوليو الماضي والذي قدم فيه نقدا ذاتيا لخمس عشرة  سنة من حكمه وتساءل فيه عن الثروة وتوزيعها. وتعتبر هذه المبادرة سابقة في تاريخ الأفكار الحديثة في المغرب نظرا لتركيبة الموقعين عليها التي كان مستبعدا  تخيل كلمة توحّدها  قبل  بضع سنوات فقط. من وراء النداء ؟  وما هي الأفكار التي يطرحها للتداول السياسي العمومي ؟ وما هي أهدافه، ؟

أشار الموقعون على الوثيقة، الذين بلغ عددهم 103، إلى أن الهدف الرئيس منها هو " الرغبة في فتح نقاش حول ما أثاره الخطاب الملكي ل30جويليية يوليو الماضي، والذي اعتمد مقاربة نقدية لحصيلة 15 سنة من حكم  الملك محمد السادس، وتساءل عن الثروة وتوزيعها. وهو الخطاب الذي هيأ، حسب الموقعين، شرطا مواتيا لفتح نقاش حقيقي وبناء وعميق حول قضايا الثروة وإنتاجها وتوزيعها، والعدالة والفوارق الاجتماعية، والعلاقة بين السلطة والثروة، والربط بين ممارسة السلطة والمحاسبة".

قال محمد الساسي القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، إنّ : "الخطاب الملكي لعيد العرش تضمن نقدا ذاتيا انطلقنا منه للمطالبة بفتح نقاش حول الأعطاب التي أصابت قطار التنمية في المغرب، ولماذا لم نتمكن من بلوغ أداء اقتصادي جيد." وللإشارة فأصحاب الفكرة هم ثلاثة شخصيات تنتمي إلى المجتمع المدني : الناشط السياسي فؤاد عبد المومني، والملياردير المثير للجدل كريم التازي، و القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد محمد الساسي.

ويتأسس هذا النداء، حسب أصحابه، "على المعاينة التي تفيد بأنه رغم بعض المكتسبات التي لا يمكن إنكارها في عدد من المجالات، فإن الوضعية التي توجد فيها بلادنا تبعث على القلق، والآفاق غير مطمئنة. فرغم الإمكانات التي تزخر بها البلاد، فإن النمو الاقتصادي يبقى ضعيفا هشا، ويعاني من إعاقة بالغة بفعل عوامل متعددة، من بينها ضعف تنافسية القطاعات المنتجة".

ما الهدف إذن من هذا النداء ؟ يقول  الصحافي علي أنوزلا، أحد الموقعين على النداء : " أهداف هذا النداء واضحة، ويمكن تلخيصها  في هدف واحد هو الغاية، ألا وهو فتح نقاش حقيقي وعام ويشارك فيه الجميع لتحديد مسؤولية من أوصل البلاد إلى هذه الوضعية المزرية اجتماعيا. وربط المسؤولية بالمحاسبة والجزاء.  فهذا هو جوهر الديمقراطية، وهذا هو سبب الأعطاب التي يعاني منها المجتمع المغربي، وأيضا هذا سبب عرقلة كل إصلاح وتطور وتنمية."

ويرى عمر أحرشان، القيادي في جماعة العدل والإحسان الإسلامية المحظورة، رئيس المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، التي كان لها  حضور وازن في احتجاجات 20فيفري فبراير الشعبية سنة 2011، أنّ :" الفكرة مهمة وعاجلة، وكانت منتظرة بعد الوضع الذي نعيشه في المغرب. وقد حرص المبادرون إليها ما أمكن على التنوع و الانفتاح، وهذا واضح من خلال العبارات المستعملة أو لائحة الموقعين عليها المنتمين إلى مختلف المشارب الفكرية وليس السياسية، وهي تمثل التنوع داخل المجتمع المغربي... ولهذا نتمنى أن تكون هذه مناسبة للمجتمع ليقوم  بعمله والضغط حتى نستطيع أن نعرّف الثروة بالمغرب والعلاقة بينها وبين السلطة."

يوضح النداء أيضا أنه : " من البديهي  أن تكون أسباب هذه الوضعية متعددة والمسؤوليات متقاسمة بين كل أولئك الذين تحملوا مسؤولية التسيير. ولكن التوجهات العميقة والمستمرة لا يمكن أن تعزى فقط إلى أولئك المكلفين بتنفيذ السياسات العمومية، بل تتعلق أساسا بالاختيارات الكبرى التي تمت هندسة أسسها خلال ستينيات القرن الماضي. وهي الهندسة التي لم تتم إعادة النظر في جوهرها خلال الخمس عشرة سنة من الحكم الحالي."

إذا كانت غالبية موقعي النداء، تعتبر خطاب العرش المناسبة السانحة للإسهام في النقاش العمومي، فإن عمر أحرشان قيادي  جماعة العدل والإحسان يضيف أنّ  :" من المهم عدم الاقتصار في مستوى الإخفاق على السياسات العمومية بما تعنيه من تحميل المسؤولية للحكومة وحدها. ولذلك تم التنصيص على أن الاختيارات التي يحددها الملك والبرامج التي تنبثق عنها تحدد وتنفذ خارج المراقبة الديمقراطية. "

ويرى الموقعون على النداء أنّ :" التعديل الدستوري لسنة 2011 أضاف صفة "الملكية البرلمانية" إلى نظام الحكم، غير أن الدستور نفسه لم يتضمن مقتضيات كفيلة  بترجمتها إلى اختصاصات  السلط والعلاقة بينها، مضيفين أنه احتفظ للملك  بالاختصاصات الاستراتيجية والمهيكلة على الأمد البعيد، وحصر باقي المؤسسات في نطاق تدبير السياسات العمومية. وبما أن الملك ليس مطالبا بتقديم برنامج أو حساب عن قراراته وأدائه، فإن الاختيارات الكبرى التي يفرضها تفلت عمليا من النقاش العمومي ومن التقييم والمحاسبة. وهذا الأمر مخالف لمنطق كل نظام ديمقراطي جدير بهذا الوصف. هنا يكمن العيب الرئيسي في النظام السياسي المغربي"،  حسب النداء دائما.

يرغب  الموقعون إذا  في أن  يتمحور النقاش الوطني على عدد من القضايا الاستراتيجية، منها توضيح المسؤوليات المؤسساتية و السياسية و الربط بين المسؤولية والمحاسبة والتقييم الموضوعي المستقل للسياسات القطاعية و للمديونية العمومية وفتح نقاش وطني حقيقي حول هذه القضايا، ثم بلورة استراتيجية وطنية لمحاربة الرشوة وكل أشكال الفساد. كما يوصي النداء بعقلنة نفقات الجيش وعدم الانسياق إلى سباق التسلح مع الجزائر الذي لا يمكن أن يشكل استراتيجية عقلانية أو بديلا عن مقاربة سياسية ودبلوماسية مقررة بشكل ديمقراطي...

إذا كانت هذه الخطوط العريضة للنداء، فإن بعض المثقفين الذين وردت أسماءهم في الوثيقة، من أمثال عبد الله العروي وعبد اللطيف اللعبي، نفوا بعض بضعة أيام توقيعهم لها، لأن الوثيقة إما متخصصة في الجانب الاقتصادي الذي تعوزهم المعرفة فيه (ع. اللعبي)، وإما أن المفاهيم المستعملة ملتبسة والنص غير واضح فكريا والاستشارة لم تكن موسعة لكتابة أرضية النداء، بالنسبة لآخرين. وهذا ما يطرح بعض الأسئلة البنيوية على هذه الوثيقة الجديدة. فرغم انخراط  عدد من الأسماء الوازنة كعبد الله الحمودي الأنتربولوجي المعروف، و السياسي والمقاوم محمد بن سعيد أيت يدر، والكاتب أحمد بوزفور، والملياردير كريم التازي، والناشط الأمازيغي أحمد عصيد وغيرهم في هذه الأرضية السياسية، فإن المتتبعين يعتبرون هذا النداء لن يتجاوز حدود "إعلان النوايا"، لأنه جاء في سياق محدد بموضوع الثروة ولا يدخل في مشروع سياسي وثقافي شامل يروم البحث عن تصورات مجتمعية متكاملة كما طرحت  ذلك  حركة 20 فيفري فبراير الاحتجاجية التي جاءت في سياق ما سمي بالربيع العربي. كما أن هذا النداء لم يظهر إلا بعد خطاب الملك الذي قدم فيه حصيلة نقدية جريئة لحكمه، أي أن الموقعين لم يأخذوا المبادرة إلا تفاعلا مع  خطاب العرش وليس اعتمادا على مواقف فكرية و سياسية ثابتة تجعل النداء يدخل في سيرورة ممارستهم الميدانية والنقدية لتمظهرات السلطة في المغرب. ومن جهة أخرى، فإن الاختلافات الإيديولوجية والفكرية الكبيرة  بين الموقعين الذين ينتمون إلى  أقصى اليسار وإلى الحركات الاسلامية المتشددة كجماعة العدل والإحسان قد تساهم، حسب العارفين دائما، في تباعد وجهات النظر حين سيتعلق الأمر بالاقتراحات العملية التي سيقدمها الموقعون. دون أن ننسى أنّ هذه المبادرة – النداء قطعت مع مبادرات نوعية سابقة، مثل مبادرات "من أجل ملكية برلمانية"، و" التغيير الذي نريد"، ندوة بن رشد" التي ذهبت أدراج الريح، مما يؤشر على غياب الاستمرارية الفكرية في بناء الخطاب النقدي الحديث للنخبة  في المغرب على المستويين السياسي والثقافي.

وفي الأخير، وكيفما كان تحليل هذه المبادرة، فإن المغرب اليوم، حسب الملاحظين، في أمسّ الحاجة  إلى نخبة حقيقية ملتزمة بقضايا البلاد وإلى نقاش وطني عمومي مسؤول يدفع بعجلة المساءلة النقدية لعلاقة السلطة بالثروات الوطنية إلى الأمام. لذا، فمن الضروري خلق ثقافة حوارية جديدة وبنّاءة  بين مختلف  مكونات المجتمع من يسار ويمين، وإسلاميين وعلمانيين، واشتراكيين وليبراليين لإعادة الثقة في الأدوار الطلائعية التي يمكن أن تقوم بها النخبة  لتغيير البلاد وتحسين أحوال العباد...

أين الثروة ؟ الملكية المغربية تحت مجهر المجتمع المدني  |


جلال الحكماوي الرباط