الإعلان

 

مجتمع قسم عام تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة
تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة
رانية فهمي   


منذ سنوات، عندما سألتنا مدربة برنامج تعليمي كيف نتعلم، قلت بدون تفكير: "نتعلم بالصدفة". كان ولداي ولا يزالان أحلى صدفة وقعت في حياتي. من خلالهما ومعهما تعلمتُ ما لم أستطع تعلمه في أي مدرسة: أن أحيا مرة ثانية، وأن أعيد غربلة كل ما نشأت عليه وتأثرت به من أفكار وقيم، فأستغرب بعضها وأتركه جانبًا، وأحتفظ بآخر وأحاول غرسه فيهما.

وبينما فرحت بهما دائمًا، وأحبطت ولُمتُ نفسي كأم كثيرًا، وقلقت عليهما أحيانًا، كانت هذه الغربلة هي مسيرة التعلم التي جرت بالصدفة. على مر السنوات لم أتفق مع زوجي على تلقينهما قيم العدالة وعدم التمييز والاتساق مع الذات وعدم الخوف وحرية الفكر وحب الإيثار، بل جاء هذا في شكل مواقف حدثت بالصدفة، ولم نفعل إلا أن حاولنا إيجاد قيمة لها. هل يتذكران هذه المواقف؟ يجوز، فحتى لو نسينا التفاصيل في أحيان كثيرة يبقى الأثر، نجده كامنًا بداخلنا، يشكّلنا من حيث لا ندري كيف أصبحنا ما أصبحنا عليه الآن.


خريطة أفريقيا ودرجات اﻷلوان

أتذكر كيف استوقفتني أول جملة لميريل ستريب في فيلم Out of Africa: "كانت عندي مزرعة في أفريقيا". ماذا تعني هذه الجملة، هل أفريقيا كتلة واحدة بدون حدود؟ لماذا لم تقل إنها كانت تملك مزرعة في كينيا، وهي البلد التي جرت فيها أحداث الفيلم؟ فكرت وقتها مع زوجي أن هذه هي نظرة الغرب، وغالبًا نظرتنا نحن، سكانها، ﻷفريقيا، كونها قارة مطموسة المعالم لا نعلم عنها سوى لون البشرة السوداء لشعوب بلدانها، باستثناء الشمالية منها. قد أكون مخطئة ولكن هكذا فكرت وقتها. وقررنا أن نقوم بعمل لعبة بازل للقارة كلها، فيها قطع ملونة مكتوب على كل منها اسم بلد، ومثبّت فيها دبوس صغير مدبب كي يستطيع الولدان شدَّها بأصابعهما الصغيرة ويرتبا البلاد بجانب بعض، حتى يكوّنا شكل القارة، هذه كينيا، هذه مالي، وهذه ناميبيا وتلك أوغندا. كنت أقول لهم إن كل بلد مختلف عن الآخر حتى لو تشابه الناس في لون بشرتهم، وأحكي لهم عن أهم ملامح كل بلد. كانت أمي هي من حبّبتني في لعبة البازل، وأظن أن العدوى انتقلت إلى الأولاد.

في يوم، وكان مازن يبلغ أربعة أعوام، جاءتنا شكوى من والد أحد زملائه في الحضانة، يخبرنا فيها أن مازن قال لابنه جيمس، وكان أمريكيًا أسود: "انت اسود"، فرد عليه جيمس: "انت اللي أسود"، فرد مازن: "لأ، أنا بني غامق". يومها دافعتْ مديرة الحضانة عن مازن وقالت إنه "بالقطع لا يقصد أي تمييز ضد ابنك، فقد كان فقط يطبّق ما تعلمه في درس اليوم من مقارنة درجات الألوان، فهناك الأسود والبني الغامق، والفاتح فالأفتح وهكذا". حكيت لوالد جيمس حكاية بازل أفريقيا، وقلت له إن السبب وراء قيامنا بصنعها هي أن يدرك الأطفال أن كل شعب من بلد من بلدان أفريقيا له تفرده وتميزه وثراؤه، وصدّقت على تفسير مديرة الحضانة.


حكاية الرقم صفر

نشأنا على كلمة "الخدّامة" لوصف المساعِدات في المنزل، وغالبًا ما كان هذا الوصف مقرونًا بمعاملتهن ككائنات غير مرئية، إلا عندما يتغيبن يومًا أو عدة أيام عن عملهن في المنزل، عندها نشعر بوجودهن الطاغي في حياتنا، ويستحيل البيت كتلة من الصفيح الساخن حتى عودتهن ثانية. كنت أتساءل دائمًا وأنا صغيرة: "طالما أنهن بهذه اﻷهمية وأن حياتنا تنقلب إذا تغيبن، فلماذا نعاملهن بهذا الاستعلاء؟" ولم أكن أعي وقتها أن أعز قيمة عند أي إنسان هي كرامته، وأننا جميعًا، باختلاف خلفياتنا، لا نريد سوى المعاملة الحسنة والتقدير.

طوال سنوات عمر أولادي الأولي، كان أحلى الأوقات بالنسبة لي هو وقت الحدوتة الذي لم يكن محددًا، قد يكون في أول اليوم أو آخره، وبالتالي قمت بتأليف قصة عن أهمية "اللي بيساعدونا في البيت" وهو اللقب الطويل الذي اخترناه لعاملة المنزل بديلًا عن "الخدّامة".

تحكي القصة عن الرقم "صفر" الذي كانت كل الأرقام الأخرى ترفض اللعب معه لعبة "الأولا" - وهي اللعبة التي كنا نرسمها بالطباشير على الأرض، وفيها مربعات لكل رقم من 1 إلى 9، وعلينا نقل قطعة حجارة برجل واحدة من مربع للآخر. في كل مرة يطلب "صفر" اللعب مع الأرقام يقال له: "ازاي تلعب وانت صفر؟ صفر يعني ولا حاجة". يبكي صفر ويشكو لعم عبده الذي تحبه كل الأرقام وتحترمه، فيأخذ عم عبده صفر من يده ويسأل الأرقام عن سبب عدم إشراكهم إياه في اللعب، وعندما يسمع نفس الرد، يقول لكل منهم: "بس على فكرة يا واحد، من غير صفر عمرك ما هاتبقى 10، وانتي يا خمسة عمرك ما هاتبقي 50، والتسعة مش هاتبقى 90، وهكذا. وطول عمركم هاتلعبوا نفس الأولا واللعبة مش هاتكبر أبدًا". فتعرف الأرقام أن الله حق وتتتسابق على صفر حتى يقف معها في مربعها. وساعتها يهمس عم عبده في أذن صفر: "دايمًا تفتكر تقف على يمين أصحابك مش على شمالهم. ده السر بتاعنا". وتُختتم القصة بجملة: "طبعًا في المدينة الفاضلة، الأرقام اكتشفت إن صفر لذيذ وظريف ودمه خفيف وشاطر جدًا في لعب الأولا فبقوا عايزين يلعبوا معاه بجد، مش يتمحكو فيه وخلاص".

هل يتذكر مازن وزياد هذه القصة؟ سأسألهما، ولكن ما أعلمه يقيناً أنني لم أسمعهما يصفان أو يعاملان "اللي بتساعدنا في البيت" بوصفها الـ"خدّامة"، وينسحب هذا أيضًا على كل "اللي بيساعدونا في حياتنا".


طه حسين وحب اللغة العربية

لماذا كان محور المشاجرة الوحيدة تقريبًا، كما يحلو لي الاعتقاد، بيني وبين مازن في سنوات الابتدائية، هو اللغة العربية؟ لماذا كانت درجات هذه المادة بالذات هي أكثر الدرجات التي تهمني، لدرجة أني كنت أصيح فيه عندما يحصل على 21 من 25 في امتحان العربية؟ كم من المرات لُمت نفسي وأنا أراه يشيح بوجهه كي لا يرى ملامحي وقد تغيرت من الغضب لقلة الحيلة بسبب عجزي عن إقناعه أن العربية لغة جميلة ويجب أن يحبها مثلي تمامًا. هل يعني نجاح أبي في غرس حب اللغة داخلي، أن أنجح أنا أيضًا في غرس هذا الحب داخل ابني؟

كان على مازن أن يتحمّل حبًا باﻹكراه من أمّه، وترهيبًا من مدرّسة اللغة العربية، التي كان يذهب لعيادة المدرسة لخوفه منها، مما كان يسبب له أوجاعًا لحظية في بطنه أثناء حصتها. كما أن مقررات المادة لم تساعد إطلاقًا في جذب مازن لها. جاءنا وهو في الرابعة الابتدائية يسألنا ماذا تعني جملة "طه حسين: عميد الأدب العربي": “هو الراجل ده كان بيقف زي العمود وكان مؤدب؟" كما سألنا في نفس درس القراءة عن نفس الرجل: "مش عارف أجاوب عن سؤال لماذا كان يخرج طه حسين من بيته. هو الواحد مش بيخرج علشان يلعب ويروح المدرسة؟" كان السؤال في الدرس مجتزأ من سياق رواية "الأيام" لطه حسين التي كان يشرح فيها أنه، بعد يأسه من اللعب مع أقرانه لأنهم كانوا يهزؤون من كونه ضريراً، كان يخرج من منزله كل يوم متحسسًا طريقه على سياج الزرع باتجاه منزل أصدقاء والده، المتجمعين لسماع سيرة "أبو زيد الهلالي" و"عنترة بن شداد"، وغيرها من قصص التراث. وكانت جلسات الاستماع هذه بوابة دخول طه حسين لدنيا الأدب.

كل هذا لم يُذكر في الدرس، وجاء بدلّا منه السؤال الذي بلا إجابة. وكانت المحصلة النهائية كراهية مازن للغة العربية.


الهدية الغالية

دخلت أنا وزياد (15 سنة) محلًا للأحذية ليشتري حذاء لنفسه، وقال لي إنه يريد شراء حذاء غال لأخيه من مصروفه كهدية عيد ميلاده. ولكن بعد أن قلّب حذاء بين يديه بإعجاب شديد واختار إياه، وعندما رأى السعر واكتشف أن مصروفه سيقل كثيرًا إذا اشتراه، اختفى الحماس. تعاطفتُ معه كثيرًا وفكرت أن أساهم ببعض الثمن أو أغلبه، ولكني وجدت نفسي أقول له: "خلاص بقى، دي طلعت من ذمتك". وليخرج من المأزق الذي وجد نفسه فيه، أخذ يبحث عن طريقة ليُشعر أخاه بالتضحية الكبيرة التي سيقوم بها: "لازم أقول له تمنها كام". وجدتها فرصة ثمينة بالطبع لكي أمارس دور الأم التي تعطي محاضرات: "على فكرة، فيه درجات للناس. فيه واحد بيدى لحد حاجة هو مش محتاجها ويقعد يذلّه بيها، وفيه واحد بيدّي لحد حاجة هو محتاجها وبيستعملها ويقول له، أو يقول للناس إنه عمل كده علشان يسقفوله، وفيه واحد بيدي لحد حاجة هو محتاجها أو بيستعملها، بس مايقولش لحد أبدًا انه عمل كدا، ومش فارقه معاه حد يعرف". انتهت المحاضرة.

سأل: "وانا مين فيهم؟

قلت: "انت لسه عند تاني واحد ودي حاجة كويسة جدًا. لكن فيه اتنين أعرفهم هم تالت صنف من الناس: أبوك وجدك".

قال:"خلاص مش هاقول له".


درس عن الانتخابات

بمرور السنين، غالبًا ما تقل قدرتك على الدهشة وتصبح أشياء كثيرة في الحياة عادية لا تحمل مفاجآت. لكن كما منحني ولداي فرصة ثانية للحياة، فقد جعلاني أحتفظ دائمًا بهذه القدرة علي الدهشة، والتي غالبًا ما تكون ممتعة. عاد زياد (١٧ سنة) من المدرسة يومًا ما ليحكي لنا حدث اليوم الجلل، انتخاب رئيس اتحاد الطلبة. وكان قد قرر دعم أحد المرشحَيْن الاثنين في الانتخابات، فشارك في دعايته الانتخابية، ولكن تبقّت أهم حلقة في الانتخابات، وهو يوم عرض كل من المرشحَيْن لبرنامجهما. أخذ زياد يسرد لنا كيف قدّم مرشحه برنامجه في شكل مبهر على شاشة كبيرة، وكيف وعد بالاهتمام بحفلات التخرج، وإقامتها في فندق خمس نجوم ودعوة شخصيات فنية معروفة لها، ثم قدّم وجبة مجانية لكل طلبة الثانوية وذيّلها بطلبه أن يختاروه.

ثم جاء دور المرشح الآخر، والذي لم يحضّر أي برنامج على الكمبيوتر، بل وقف بمنتهى البساطة أمام حشد الطلبة وعرض برنامجه المكون من ست نقاط، لا أتذكر منها سوى نقطتين، عن حق الطلبة في تقييم مدرّسيهم كما يقيّم المدرسون الطلبة، وحقهم في وجبات طعام ذات جودة مماثلة لتلك المُقدّمة لهيئة التدريس. ولدى انتهائه من عرض برنامجه قدّم وجبات مجانية، ليس للطلبة هذه المرة وإنما لعاملات نظافة المدرسة.

وجاء وقت التصويت. حبست أنا وزوجي أنفاسنا في انتظار إعلان زياد عن اختياره النهائي، الذي قال إنه لن يفصح عنه. لاحظنا المعضلة التي وجد نفسه فيها، فحتى لو مالت كفة المرشح الثاني، فهو رسميًا عضو في حملة الأول. قلنا له إن من حقه إبقاء اختياره لنفسه، وبعدها بيومين، وبلا مقدمات قال لنا: "على فكرة أنا غيّرت رأيي".

ورغم أني كنت شبه متيقنة أنه لن يخذل نفسه، إلا أنه نجح في مفاجأتي، وكانت المفاجأة سارة جدًا.

تتداعى أمامي هذه المواقف وغيرها الكثير، وأبتسم بخبث لأنني استطعت تحدي الزمن الذي يمحو الذاكرة ويسرق منا متعة استرجاع كل ما يجعل للحياة معني، فمنذ ولادتهما احتفظت بمدونتين أسجل عليهما لحظات وملامح فرصتي الثانية للحياة من خلال أولادي، وأعلم أن هاتين المدونتين هما أغلى ما عندي.

 


تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة | رانية فهمي, ابتكار, مدى مصررانية فهمي

رانية فهمي هي معنية بحقوق الطفل.

 

محتوى نقل من موقع  تدوينة عن التربية والتعلم بالصدفة: فرصة ثانية للحياة | رانية فهمي, ابتكار, مدى مصر و ينشره  باب الماد فى اطار برنامج "ابتكار"