الإعلان

 

مجتمع قسم عام مقادير إنتاج لغة الخشب في المغرب
مقادير إنتاج لغة الخشب في المغرب
محمد بنعزيز   
 
 
مقادير إنتاج لغة الخشب في المغرب | محمد بنعزيز, السفير العربي
عادل السيوي - مصر

بمناسبة عيد الفطر وكل عيد، سيبعث الملك محمد السادس ببرقية تهنئة رمضانية حارة للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، يعبر فيها عن أمانيه في توطيد أواصر الأخوة والتضامن بين شعوب المغرب العربي. ويتلقى الملك في اللحظة نفسها برقية بليغة تؤكد أن تحقيق وحدة المغرب العربي باتت "أكثر من ضرورة" في وقت تتعرض فيه المنطقة إلى "تحديات على جميع المستويات". وسيتبادل قائدا البلدان الشقيقان الجاران اللذان يجمعهما الدين والتاريخ والحدود المغلقة.. القائدان اللذان تحدوهما رغبة كبيرة لتحسين العلاقات وتجاوز الخلافات وتأكيد علاقات الجوار والطماطم.. البرقيتان مكتوبتان منذ خمسين سنة ويُجدد تاريخهما بمناسبة كل عيد ديني أو وطني.

ويكثر فيض البرقيات في العيدين بين قادة الدول الإسلامية التي تقاطع بعضها اقتصاديا وسياسيا وتدفع ضرائب شفوية عن الإخاء والمحبة وتتقاتل بالوكالة في سوريا والعراق.
 كيف وصلنا إلى هنا؟
ليس هذا موضوعنا. لنتابع رصد مظاهر تدهور التواصل الحقيقي: 
عندما يتحدث رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران للشعب، يستخدم أسلوبا شعبويا مرتجلا يجعله مسليا. وعندما يتحدث بالفصحى للاجانب، من ورقة مكتوبة، يجده المستمعون المغاربة غامضا بلا معنى. الشفوي أروع من المكتوب  لأن هذا الأخير ثابت (محنط على الورق) في حين أن النص الشفوي مرن للتعديل.

وفي التعليق على الازدواجية، كتب علي الرجال مقارِناً خطابات عبد الفتاح السيسي للشعب وخطاباته للخارج: "طبعاً الخطاب ده - في "دافوس البحر الميت" - فيه حاجة معفنة جداً.. ليه بقى؟ لأن السيسي لما يكلم الغرب والمحافل الدولية طبعاً لازم يحكي عن ضرورة إدماج الشباب ومكافحة التطرف والبلا لبلا... إنما الباشا لما يكلمنا.. مفيش مرة ميجبلناش سيرة هيبة الدولة ومؤسسات الدولة وأهمية الدولة، وكلنا لازم نموت عشان الدولة تعيش".
يبدو أن السيسي يتحدث بمنطق وزارة الداخلية واسمها وزارة الحب في رواية جورج أورويل "1984".
تنطبق هذه اللغة الخشبية على اكبر مؤسسات الدولة كما تنطبق على الأحزاب الميكروسكوبية التي تقول بلاغاتها الطويلة: وبعد التداول والنقاش في جدول الأعمال بالجدية اللازمة وتثمين العمل الجاد والبناء لإنجاح كل المحطات والتـحلي بالمـسؤولية والشفافية اللازمة للتصدي..
يمارس السياسيون رياضة اللسان أكثر من غيرهم، لكن الغير لا يُقصّر: بمناسبة رمضان، اشتكى أصحاب الفنادق من انخفاض ليالي المبيت في الشهر الكريم. والمقصود بدون لغة خشب هو "الخمر لا يباع في رمضان" لذا تنخفض الأرباح. 

يومياً يزود السياسيون وسائل الإعلام بأطنان من الكلام التي تنقل للجمهور بخشبها دون فحص. ومن ذلك، إليكم وقفة من لغة الخشب:
تصف الصحف وضع مسؤول مريض قائلة "حالته مستقرة". يفهم القراء أنه يوشك أن يموت أو مات. يتحدث الوزراء المغاربة كل عام عن المشاريع الكبرى والإصلاحات الهيكلية الجارية.. يتحدث المعلق الرياضي عن "منتخب وطني جيد لا ينقصه إلا الهداف"، تردد صحف دول لم تعرف رائحة الثورة "بوتين قائد الثورة المضادة في سوريا"، وكأن كل الذين تدخلوا قبله في سوريا يؤمنون بمبادئ الثورة الفرنسية. 
 
في لغة الخشب الدينية قتل أكثر من مئة شخص في الحرم المكي وقيل إنهم محظوظون لأنهم ماتوا هناك.. كتب المعلقون أن رافعة بن لادن ركعت في الحرم المكي. الرجعيات تعتبر العالم مأساة عصية الفهم وتعتبر الموت حلاً سعيداً. أسوء مثال مغربي قدمه مدرب فريق أطفال مغاربة أخذهم للسباحة في شاطئ قرب الرباط فغرق أحد عشر طفلاً وحين اعتقل صرح "افتخر بجلبي الشهادة ل11 طفلا". قامت القيامة الشفوية، لكن أمهات الأطفال سامحنه، وبعضهن شكرنه علناً لأنه كان له الفضل في إدخال أطفالهن الجنة مبكراً.

كيف يمكن التفكير في هذا؟
يقول ميرلو بونتي "لا يمكن التفكير خارج الكلمات". هل كانت الأمهات الداعشيات يحضّرن أبناءهن للجنة في سن العاشرة؟
تحتال لغة الخشب لكي لا تسمي الأشياء بأسمائها، مع ضمان عدم انتباه المتلقي. هي لغة لا تتواصل. وقد عرف ابن جني اللغة بأنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". في لغة الخشب ينفصل الصوت عن الغرض التواصلي. المحصلة النهائية للغة الخشب هي ضجيج بلا معنى، وهذا مضر لأية حضارة.. إذ "بدأت الحضارة عندما قام رجل غاضب لأول مرة بإلقاء كلمة بدلاً من حجر" (فرويد). ماذا سيحصل للحضارة حين تصير الكلمة خشبية؟
يقول فيلسوف يوناني قديم "يبدأ درس الفكر بدرس اللغة، ومن فاته درس اللغة فاته درس الفكر". ما أخطر أن تتعطل وظيفة اللغة في أي مجتمع.
في الحياة اليومية، صارت لازمة " إن شاء الله" تعني أن الوعد لن يتحقق. يشتكي المغربي أن القطار فاته والكأس انكسر والهاتف سقط. وهكذا يتم تحميل المسؤولية لضمير الغائب، وهذا أقل من قول "إني تأخرت عن القطار وكسرت الكأس وأسقطتٌ الهاتف" والهدف تبرئة النفس. من يدمن لغة الخشب واثق دائما أنه على حق.  لغة الخشب مضادة لدهشة التفلسف، وهي لغة منفصلة عن الواقع.
في صغري قلت لجدي: ضربني الجدار فسألتني: هل ذهبت إلى الجدار أم جاء هو إليك؟  
كلما كثر الكلام كثرت لغة الخشب. تبتعد لغة الخشب عن أرقام الاقتصاد والسوسيولوجيا لتركز على بادئ الرأي الملتبس وتتجاهل الوقائع..
والمصيبة أن الكلام الفارغ ضروري ومفيد في المشهد المغربي، فهو عام وفضفاض ويحقق هدفين: الأول هو الحرص على "الطيبوبة" لأن من يقول رأيه بصراحة يعتبر وقحاً، والثاني هو تجنب إعلان موقف قد يجر خلافاً وعداوات. فالناقد السينمائي الذي يكتب عن الأفلام بكثرة ودون ترضيات سيكلفه الأمر عدة عداوات وقد يحرم الولائم وعضوية اللجان.

البحث والتقصي وبذل الجهد يجلب النزاع. المغاربة يتجنبون ذلك ويعيشون بسلام تحت سقف لغة الخشب الظليلة. بخلاف ذلك يعتبر الوضوح مؤذياً وقد قال أفلاطون إن الحقيقة جاءت عارية فرفضها الناس.  يبدو أن لغة الخشب هي حجاب للحقائق الموجعة بغرض تجنب تسميتها.
 

محمد بنعزيز
كاتب وسينمائي من المغرب

محتوى نقل من موقع  مقادير إنتاج لغة الخشب في المغرب | محمد بنعزيز, السفير العربي