الإعلان

 

مجتمع قسم عام قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية
قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية
باب الماد   
 
تشهد ايطاليا اليوم وسطياُ ما يعادل جريمة واحدة كل ثلاثة أيام تروح ضحيتها امرأة يقتلها رجل  يدّعي أنه يحبها. فيما يلي نسلط الضوء على واقع مأساوي لا يقتصر وجوده على المجتمعات المتوسطية فقط.
 
ظاهرة مستعصية

كانت سارة بيترانتونيو في الثانية والعشرين من عمرها، وكانت عائدة إلى بيتها في حي متطرف ضمن مدينة روما عندما تحولت حياتها فجأة إلى هباء. فصديقها السابق لم يحتج إلى أكثر من عدة دقائق لكي يخنقها، ويغمر جسدها بالبنزين ثم يشعل فيها النار. لم يخرج أحد من سائقي السيارات الذين مروا بقربها لمساعدتها. وهكذا وجدت الأم التي أقلقها تأخر ابنتها في العودة إلى البيت جسد سارة متفحماً.

قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية | باب الماد

رعب، أقصى درجات الجنون، الغضب المسعور... كل المفردات التي استُخدمت حاولت جاهدة أن تعبر بشكل صحيح عن تلك الظاهرة التي تتجذر بعمق في المجتمع الإيطالي، ونعني بها جرائم قتل النساء. ففي 2016، حصلت عشرات من الحوادث المشابهة التي رانت بظلها القاتم على أخبار  شبه الجزيرة الإيطالية بمختلف مناطقها وطبقاتها الاجتماعية وأجيالها لتؤكد في هذه السنة أيضاً تلك الدوامة من العنف التي تتراوح بين سوء المعاملة على المستوى البسيكولوجي والفيزيائي وممارسة العنف ضد النساء، وصولاً إلى قتلهن. الأرقام بحد ذاتها تقول الكثير: فحسب تقرير معهد EURES للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تم خلال عام  2016 تسجيل 55 حادثة قتل حصلت 43 منها ضمن النطاق العائلي و 27 بين الزوجين. هذا الواقع ينسجم تماماً مع ما تم في العقد المنصرم الذي تثير حصيلته شعوراً بالذهول: فقد تم قتل 1740 امرأة، 1251 منهنّ داخل العائلة و 846 على يد الزوج، و224 على يد الشريك السابق. هذه المعطيات تثير التساؤلات، إذ "لا يٌعقل إنهاء حياة كاملة بسبب عدم القدرة على التعامل مع الإحباط الناجم عن فقدان الشريك"، كما يقول فابيو بياتشينتي رئيس EURES  الذي سرعان ما أدان "التملك، تلك الثقافة الأدنى التي ما زالت تسبب وجود ضحايا من النساء اللواتي كانت خطيئتهن الوحيدة أنهن أردن اتخاذ القرار بأنفسهن فيما يتعلق بعلاقاتهن وحياتهن العاطفية".

مجتمع بطريركي عنيف
 
لم يعد من المقبول أبداً إدراج كل هذه المصائر المحطّمة في خانة الحوادث المتفرقة. وعلى الرغم من أن التشريع الإيطالي قد وضع حداً في 5 أغسطس/آب 1981 لمسألة جريمة الشرف؛ وعلى الرغم من سن قانونين ضد العنف الممارس على المرأة، فإن الذهنيات ما تزال تختبيء وراء حجة الفورة العاطفية لكي تتجنب إعادة النظر بشكل جذري وحقيقي بكل ما في المنظومة الأبوية (البطريركية) من عنف.
“في العائلة والمدرسة الابتدائية والكتب المدرسية والكتب التي قرأناها والكنيسة والتلفزيون والدعاية، كانت هناك دائماً صور ثابتة نمطية تركت بصمتها العميقة علينا، ولعبت دورها في خلق ذلك العنف المؤسس على الخضوع النسوي" حسب قول سيلفيا آكيستاباتشه من منظمة "شبكة النساء لأجل ثورة في مجال الجندر"، وهي منصة تحاول أن تعطي الكلام للنساء وأن تحارب على جميع الأصعدة العنف المؤسس على التمييز بين الجنسين.
إن سيلفيو بيرلوسكوني الذي انتهت سلطته من خمس سنوات تماماً يتحمل مع حلفائه السياسيين مسؤولية كبيرة في بث ثقافة كراهية المرأة هذه: تصوير جسد المرأة بشكل مهين على شاشات أقنية التلفزيون الخاصة؛ دفع النساء الدلوعات لاحتلال أعلى مراتب الدولة، الفضائح الوردية إلخ... وهكذا قبل أن تنتهي فترة حكم بيرلسكوني، قامت أكثر من مليون امرأة فقدن القدرة على الاحتمال بالنزول إلى الشوارع في المدن الإيطالية الرئيسية في 13 شباط/فبراير 2011 للتعبير عن غضبهن، وذلك تلبية لدعوة من لجنة " إن لم يحصل ذلك الآن فمتى؟".


قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية | باب الماد
في الساحة العامة، نساء مستلقيات على الأرض لتمثيل ضحايا الجرائم ضد المرأة في2014


الوقاية، كلمة مفتاحية
 
مع أن تلك الحركة لم تتوصل اليوم إلى تحقيق الديمومة على المستوى الوطني، فإنها قد انفجرت في كل مكان في أيطاليا، وشاركت في كوكبة من المبادرات التي قام بها المجتمع المدني الإيطالي ضد قتل النساء: “تنطلق حركتنا من الأسفل حيث نجد الفقر المدقع والنساء المهاجرات إلخ... هناك تراجع واضح في حقوق المرأة في بلادنا، كما هو الحال بالنسبة لقوانين الإجهاض الذي لا يقبل القيام به عدد كبير جداً من أطباء النساء بحجة سماع صوت الضمير. لكن الأمر االذي يهمنا أكثر من غيره هو التربية التي تميز بين الجنسين. إن الأولوية بالنسبة لنا هي التدخل ضمن المدارس حيث يمكن  خلق الظروف الملائمة للتوعية ولتغيير السلوك. كذلك فإننا نذهب أيضاً إلى الأحياء البعيدة التي لم تسمع بهذه المسألة إلا نادراً" كما تفسر لنا سيلفيا أكيستاباتشيه التي تنخرط شبكتها في العمل الناجع إلى جانب جمعية "إن لم يحصل ذلك الآن، فمتى؟" التي ترأسها أودين وتشارك فيها بشكل فعاّل أندريينا باروفيني.
قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية | باب المادباروفيني محامية متخصصة في قوانين العائلة، وقد أطلقت قبل أربع سنوات مبادرة جديدة من نوعها ومثمرة هي "صوت الذئب". تنطلق المبادرة من فكرة أن المعنيين بشكل رئيسي بجرائم قتل النساء هم الرجال، ولقد أرادت أندريينا باروفيني أن تبني معهم فسحة للكلام وصلت اليوم إلى دورتها الخامسة عشرة: “من المُلحّ - حسب قولها- أن نفهم من الداخل تلك الظاهرة المعنّدة لأنه إن كانت جرائم الدم قد تراجعت بمجملها في إيطاليا، وإن كان النضال ضد المافيات قد بدأ يحمل ثماره، فإن الأرقام المتعلقة بجرائم قتل النساء تظل ثابتة". وفي كل دورة تنعقد فيها، كانت جمعية "صوت الذئب" تقدم أمام جمهور مختلط متحدثين من الرجال هم في غالبيتهم ناشطون من المجتمع المدني ومختصون بالمشاكل الجنسية وأطباء وحقوقيون وكتاب... وجميعهم يناضلون ضد الإساءة إلى المرأة. “إن هذه التمارين التي ترمي إلى توعية الرأي العام هدفها هو تحسين السياسات المتبعة في المناطق كما تشرح أندرينا باروفيني. لدينا في بلدنا مناطق تسود فيها الأخلاق الحميدة، وبقية المناطق يجب أن تحذو حذوها". وفي الواقع، إن كان قانون 15 تشرين الثاني / أكتوبر 2013 ضد ممارسة العنف على المرأة قد اقترح إجراءات ملموسة، فإن مناطق إيطاليا لم تطبقها جميعها بالحماسة نفسها.
ففي منطقة بييمون، وفريول فينيتشيه، وجوليين، وتوسكانيا وكامبانيا، كان هناك تنسيق بين  الخدمات الاجتماعية وأقسام الإسعاف في المستشفيات، ومفوضيات ومراكز الشرطة، وقد أدى ذلك إلى مبادرات ملموسة مثل تطبيق ما يسمى القانون الوردي الذي يطبق في المستشفيات، ويسمح باستقبال النساء من ضحايا العنف بشكل لائق، كذلك تم تصميم دورات تدريبية لمختلف فئات العاملين في مواقع هذا العنف، وتنظيم علاج مخصص للرجال الذين يعاملون النساء بشكل سيء.
 
قوانين ضد العنف الممارس على المرأة
 
قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية | باب المادهناك إطار قانوني تم وضعه منذ عام 2013 - وهي السنة التي تم فيها تسجيل أعلى معدل من الضحايا في جرائم قتل المرأة-، فالقانون الصادر في 27 حزيران/يونيو 2013 والذي صادق على اتفاقية المجلس الأوروبي المتعلقة بالوقاية والنضال ضد العنف الممارس على المرأة، والعنف المنزلي الذي تم اعتماده في اسطنبول يوم الحادي عشر من أيار/مايو2011 قد وضع حيّز التنفيذ. وفي التوجه نفسه، تم في 15 أكتوبر 2013 اعتماد قانون جديد يشدد العقوبات المتخذة في حالة العنف ضد المرأة. فبمجرد تقديم شكوى، تصبح الملاحقة إلزامية، وكذلك توقيف المعتدين إذا ما تم القبض عليهم بجرم إيقاع الأذى الجسدي أو المعاملة السيئة. كذلك يتم طرد الأزواج العنيفين من البيت العائلي ويتم إعلام الضحايا بشكل دائم بحالة الملاحقة التي تمت ضد المعتدين (خاصة فيما لو تم الإفراج عنهم). كذلك هناك معونات مالية تم اقتراحها للضحايا، وإذن يسمح بالإقامة الإنسانية إن كانت الضحايا من الأجانب. مع ذلك فإن هذا الإطار الحقوقي لا يحل إلا بشكل جزئي جداً مشكلة العنف الذي يقع على المرأة، طالما أن تطبيقه يتم في الحالات التي يكون فيها العنف قد تم ووقع.

رجال منخرطون بالعمل ضد العنف الذكوري
 
أمام هذه المآسي، هناك رجال ملتزمون. فمنذ ما يقارب عشر سنوات، قامت جمعية (الرجل المتعدد) بإطلاق نقاش على المستوى الفردي والجماعي في المدن الرئيسية في إيطاليا مع رجال من جميع الأعمار والأوضاع من أجل التوصل إلى العمل على تحقيق "تغيير حضاري للعلاقات بين الجنسين". والهدف الأساسي فيه هو إيقاف العنف القائم على التمييز الجنسي على كافة المستويات: في العائلة، في العمل، في المدرسة، في التجمعات الدينية والأوساط السياسية والإعلامية. ونشاط الجمعية التي تعمل جنباُ إلى جنب مع الأوساط النسوية نشاط ديناميكي ومليء بالابتكار: لقاءات عامة، سجالات، إنتاج أفلام وثائقية حول موضوع الذكورة، تعاون مع المراكز العاملة ضد العنف، مداخلات في المدارس والجامعات ومنصات المسرح، وكذلك استشارات.
 
قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية | باب الماد
 
فيما يتعلق بالحملة الوقائية التي تم تمويلها من قبل الاتحاد الأوروبي ورئاسة المجلس الإيطالي، قامت جمعية الرجل المتعدد بالمشاركة في تصميم مسلسل يبث على الانترنت تدور وقائعه حول العنف إسمه "خمسة رجال" ويتألف من خمس حكايات تدوم كل منها عشر دقائق تقريباً وتروي حياة دافيد ونيكولا وماسيمو وريكاردو وباولو الذين يلعبون معاً في فريق كرة القدم نفسه. هؤلاء اللاعبون الخمسة يختلفون عن بعضهم كثيراً لكنهم يعقدون فيما بينهم علاقة من التضامن الوثيق الذي يتجاوز مجال الرياضة. والمساعدة التي يقدمونها مأجورة لكنها تسمح لكل منهم تجنّب أن يكون عنيفاً ضد المرأة التي يحبها. وهدف هذه السلسلة هو الخلاص من صورة منمطة تتمركز بشكل حصري على المرأة الضحية، وذلك من أجل فهم أفضل للآلية التي تولّد العنف الذكوري في إطار وضع طبيعي نسبياً. لقد كانت فكرة "خمسة رجال" أداة ممتازة لتحريض النقاش والتوعية. ولقد تم بثها في المدارس من قبل جمعية "نساء في شبكة" التي تعمل ضد العنف وتملك ٧٥ مركز استقبال للمرأة. تعتبر هذه الجمعية من أهم الشبكات في ايطاليا، ومجال عملها متعدد يتراوح بين الوقاية والتوعية في كافة مناطق البلاد.

قتل النساء: جرائم على الطريقة الايطالية | باب الماد

تناقضات
 
مع ذلك، فإنه لا بد من أن نلاحظ بأن مبادرات المجتمع المدني والقوانين الموجودة قد صارت غير فعالة  بسبب عدم الانسجام السياسي والبطء البيروقراطي الذي تعاني منه إيطاليا. وهذا الواقع الحزين هو الذي تواجهه اليوم شبكة "نساء في شبكة" التي تدعم أكثر من 15.000 امرأة كل سنة. وهكذا، فإن ثلاثة من المراكز السبعين التابعة لها والتي تعمل ضد العنف قد أغلقت أبوابها منذ بداية السنة، في حين تبدو  عشرات المراكز مهددة بالإغلاق. يبدو هذا الأمر غريباً حين نعلم  أن الدولة قد خصصت 18 مليوناً  لتشغيل هذه الجمعية في سنتي 2015 و 2016، لكنها لم تسددها بعد. مع ذلك فإن هذا لم يمنع تمويل "يوم الخصوبة" وهو يوم مخصص للتوعية تم إطلاقه في أيلول/سبتمبر الماضي من قبل وزير الصحة لكي يحث الإيطاليات على الإنجاب. هذه الحملة التي أدانتها الجمعيات النسوية وأحزاب اليسار قد أثارت غضب عدد كبير من النساء اللواتي تنازلن عن رغبتهن بالأمومة أو أجلنها بسبب تأثير الأزمة المالية وقلة الموارد عليهن. هناك شيء آخر غير منطقي: ففي حين تزايدت داخل المنظومة المدرسية الإيطالية من المرحلة الإعدادية وحتى الثانوية المبادرات التي تدرّب على مفهوم الجندر، والتي ترمي إلى تفكيك الصور النمطية التي تميز بين الجنسين وتحث على المساواة بينهما، فإن الفاتيكان ما زال يتابع  بكل حماس حملته ضد مفهوم الجندر.