الإعلان

 

مجتمع قسم عام تساؤلات مصرية
تساؤلات مصرية
رأفت موسى ذكري   
ثلاث قضايا اشتركت في زمن واحد ومطلب واحد وطريقة واحدة ، قضايا تحتاج لقراءة خاصة لنعرف منها واقع النظام في مصر.

تساؤلات مصرية | القضية الأولى: البهائيون

عرفت العقيدة البهائية طريقها إلى مصر في القرن التاسع عشر، وسمح لهم في هذا الوقت بإقامة شعائرهم، فأقاموا محافلهم ومُنخت لهم في الأربعينيات من القرن العشرين قطعة أرض لتكون مقابر لمواتاهم . تم التعامل مع البهائية كأقلية دينية موجودة في مصر المحروسة، وسمح لهم في بعض الأحيان بكتابة "بهائي" في خانة الديانة الموجودة بالهوية المصرية، تلك الخانة التي تتمتع بها مصر للتميز بين مواطنيها علي أساس الديانة .

صدر قرار مصري بإبطال التعامل بالبطاقات الورقية القديمة وإحلالها بأخرى اليكترونية. وكان على البهائي أن يختار أن يكتب في خانة ديانتة من أربع اختيارات (مسلم – مسيحي – يهودي – أخري) فاختار البهائيون أن يكتبوا ( أخري ) . ولكن صدر قرار بعد ذلك بإلغاء خانة (أخري)، وهنا تحتم علي البهائي أن يختار إحدى الديانات الثلاث التي يعترف بها الإسلام أنها سماوية . وعلينا أن نلاحظ هنا في هذه القضية أن وزارة الداخلية اعترفت بأن هناك ثلاث ديانات سماوية. سنحتاج الرجوع إلى هذا الأمر بعد حين. وبناء على رفض البهائيين هذا الأمر لم يستطيعوا استخراج عقود زواج، شهادات ميلاد، بطاقات هوية، تجنيد وشهادات وفاة . وعلينا أن نلاحظ الأمور المترتبة على هذه الاوراق الرسمية.

هنا قام البهائيون برفع دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية لإصدار حكم قضائي يرغم وزارة الداخلية بكتابة بهائي في خانة الديانة، وصدر الحكم لصالح البهائيين. إلا أن وزارة الداخلية رفضت حكم المحكمة وقامت بالطعن في الحكم واستندت في ذلك لأحكام الشريعة الاسلامية: إذ أن البهائيين هم مرتدون ويجب أن يتم فيهم حكم المرتد وهو القتل . حكمت المحكمة لصالح الوزارة، قام البهائيون برفع دعوة أخرى حكمت لهم المحكمة فيها بحكم غريب، إذ جاء في حيثيات الحكم ما معناه: أن المحكمة ، حفاظا على سلامة المجتمع من هولاء البهائيين ذوي الفكر الفاسد ، رأت أن وزارة الداخلية تكتب لهم في خانة الديانة ( ـ ) أو ( بدون ) . ومع هذا فرح البهائيون بالحكم واعتبره المتشددون هزيمة للاسلام .

القضية الثانية : العائدون للمسيحية

مجموعة من المسيحين، منهم من أسلم وتم استخراج بطاقة لهم مكتوب في خانة الديانة "مسلم"، وبعد ذلك قرروا أن يعودوا للمسيحية . ومنهم من اكتشف أنه مسلم حينما ذهب لاستخراج البطاقة الشخصية بسبب أن أحد والديه قد أسلم ، فتم أسلمته بالتبعية وذلك لأن الاسلام هو الدين الأفضل – هذا بالرغم من الأمر عند البهائيين أن يختاروا أحد الاديان السماوية والتي من ضمنها المسيحية !- وتكتمل نفس القصة السابقة بنفس الترتيب وكأنه سيناريو واحد .

يقوم المتضرر برفع دعوة قضية يتم قبولها أولا، فتقوم وزارة الدخلية بالطعن، فيقوم المتضرر برفع الدعوة مرة أخرى، فقامت المحكمة بإصدار حكم غريب أيضا :يسمح بتغير خانة الديانة إلى مسيحي مع كتابة عبارة تشير إلى دينه السابق أي مسلم سابقاً . دعوة صريحة لا للفرز فقط ولكن للقتل أيضا في ظل مجتمع يعيش حالة رفض للآخر من جهة الفكر والسلوك .

تساؤلات مصرية | القضية الثالثة : محمد حجازي

شاب مصري مسلم قرر أن يتحول إلى المسيحية هو وزوجته، قام برفع دعوى يطالب بكتابة "مسيحي" بدلاً من مسلم في خانة الديانة على اعتبار أن هذا أمر يتم بسهولة في حالة أن يتحول أحد من المسيحية إلى الإسلام فيتم هذا الأمر في أقل من خمس دقائق ولا يحتاج إلى مجهود: قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن وهو مهدد بالقتل هو وزوجته وطفلتهما الرضيعة لأنهم مرتدون. ورفضت المحكمة الدعوى ولا نعرف ما الذي سيحدث في الأيام القادمة، ولكن ما قيل في ساحة المحكمة من قبل محامين وزارة الداخلية أمر لا يمكن قبوله من إهانة بالغة إلى كل الديانات. قيل أن الدين الوحيد هو الإسلام ولن يسمح لأي أحد بالكلام عن التحول إلى المسيحية ومن يفعل سيتم ضربه بالحذاء . أمور أخرى كثيرة لا يسع الوقت للكلام عنها .

هذا فقط عرض لثلاث قضايا كان النظام المصري متمثل في وزارة الداخلية أحد أطرافها. حان الآن موعد الأسئلة، ربما لانملك إجابة ولكننا نمتلك قدرة علي التحليل .

1. من يمثل وزارة الداخلية من محامين ؟ هل هم من الإخوان المسلمين أم أنهم يحملون أفكار الإخوان ؟ فإذا كانوا من الاخوان نحن أمام كارثة أمنية تكمن في تعاون خفي بين النظام متمثل في جهته الامنية الأولى والجماعة التي تدعي أنها محظورة . وإذا كانوا فقط يحملون أفكارهم المتشددة وهم من خارج الجماعة ؛ فإننا أمام كارثة ليست أمنية فقط ولكن كارثة مجتمعية وثقافية يعيش فيها المجتمع المصري بأهم فئة قانونية وحقوقية فيه .
2. هل القضاء المصري يصدر أحكامه طبقاً لمواد القانون المدني أم أنه محكوم بمواد الشريعة الإسلامية ؟ فإذا كانت أحكامه صادرة عن مواد القانون المدني فنكون أمام كارثة قانونية تتمثل في الخلل الشديد بين القانون ومبادئ الدستور ومعاهدات حقوق الانسان والتي تعتبر جزءا ملهما للمشرع لصدور القوانين الوضعية طبقا للقرارات الدولية . وإذا كانت أحكام القضاء مستندة إلى الشريعة الاسلامية، فنحن أمام كارثة قضائية ! فقط أنا أتساءل ولا أحمل أي نقد للقضاء .
3. هل النظام المصري نظام يقود دولة مدنية حديثة، أم نظام لدولة دينية يسيطر عليها رجال الدين ؟ فإذا كانت الدولة تقول بأنها مدنية وأساس العيش فيها المواطنة والمساواة بين كل المواطنين طبقا للمادة الأولى من الدستور المصري، فأين هي الأدلة على هذا؟ وهل هناك أدلة للذين يدّعون أن الدولة تميل لكونها دولة دينية أكثر منها مدنية ؟
4. هل هناك ازدواجية خطابية يتمتع بها النظام المصري؟
5. هل يحاول النظام المصري مسك العصا من المنتصف لأن طرفي العصا اشتعلا بالنار ؟ ألا يعلم النظام أنه في يوم - ليس ببعيد - ستنتقل النيران من الاطراف إلي المنتصف فتحترق العصا وتلتهب يد النظام ولن يعود قادراً فيما بعد علي مسك العصا أو حتي لمسها ؟

 

رأفت موسى ذكري
(21 فبراير 2008)