الإعلان

 

مجتمع لبنان سنة واحدة قبل 13 نيسان 1975
سنة واحدة قبل 13 نيسان 1975
يوسف بزي   

سنة واحدة قبل 13  نيسان 1975 | قبل نيسان 1975 بسنة واحدة، لم يكن الكاتب إلا طفلا بريئا في الثامنة من عمره يلعب مع جيرانه ويتمتع بالحياة. ولكن بعد مرور سنة فقط أصبح ذلك الطفل شاهدا على حرب خسر فيها كل شيء.


كنت في الثامنة. أخاف من حنّا الذي نجا من الموت بعد أن دهسه الكميون وصار مجنوناً... يجلس في الشارع أمام بيته يمسك قشة كبريت ويروح يقلد بها المدخنين، ناظراً إلى الطبقة الثالثة من بنايتنا حيث تسكن عائشة ابنة أبو خالد الكردي بائع «المسابح».

كنت ألعب مع حسين الذي كنا نناديه «أبو أصبع» بسبب وجود ابهامين في كفه اليمنى، ومع جان ذي الأخوات الست، ومنهن «جميلة» الأجمل في الحي، وابن عامل صب المعادن في معمل بمنطقة الدكوانة. وألعب مع ميشال الأشقر الكثير النمش الذي كانت أمه تخاف عليه وعلى نظافة ثيابه وتتصرف مع قريناتها من نساء الحي بتهذيب ينم عن نفور وتعال، وهي الشديدة الاناقة والترتيب وزوجها ليس إلا شوفير تاكسي على طريق الدورة ـــ سد البوشرية.

كنت ألعب أيضاً «بيت بيوت» مع الأختين فاطمة وزينب اللتين تركهما والدهما مع أمهما، التي تكرهها كل نسوة الحي لصيتها السيء. وكنت ألعب مع خضر ابن العتال ومع أحمد ابن العائلة الإيرانية التي لا تتكلم مع أحد.

وهناك في أعلى «النبعة» بين البورة الموحلة وموقف البوسطات ومدخل سينما عازار، نقضي أوقاتنا نسرق القناني (الزجاجات) الفارغة من حديقة مطعم الحمص والفول لنبيعها ثمناً لدخول السينما أو محل الفليبرز، أو نتسلق إلى خلف شاحنات الخضر وهي تتمهل عند منعطف النزلة إلى السوق، ونروح نرمي للأولاد الراكضين خلفنا ما تصل اليه ايدينا.

هناك في أعلى الشارع كنا نجلب الاطر المطاطية لندحرجها ونهرب فيما هي تكرج بسرعة جنونية خابطة المارة، أو مدمرة بسطات الخضر، أو مقتحمة أبواب المحلات...

وكنا عصابة نشعل المعارك مع عصابة أولاد الأرمن الذين يحملون دوماً السكاكين ومع عصابة أولاد برج حمود الذين يريدون الاستيلاء على البورة أو يقطعون علينا الطريق اذا كنا ذاهبين الى تحت، إلى «مدرسة نهج البلاغة»، وغالباً ما نقطع عليهم نحن الطريق وهم يحاولون الصعود إلى حقول الحميضة في سن الفيل.

كنت في الثامنة أدفع عشرة قروش لأقف على شباك العائلة الدرزية صاحبة سيارة البلايموث، لأتفرج على تلفزيونهم. أو ادفع ربع ليرة فأدخل وأجلس على الحصيرة داخل منزلهم شرط أن أغسل قدمي قبل مجيئي.

أبي كان سائق شاحنات نقل خارجي، بعد أن كان شوفير تاكسي عند موقف بيبلوس بالقرب من المرفأ. أخذني مرة إلى سينما بيبلوس لاشاهد بروس لي. ومرة إلى الريفولي لأشاهد فيلم سعاد حسني «خلي بالك من زوزو». وأذكر من المشوار الأول جلوسي معه في مقهى أشرب السفن آب. ومن المشوار الثاني أذكر شراءه لي بنطلوناً رسمياً أسود من محل «ساعرتي» الفخم. وأذكر أيضاً انه وعدني بمشوار ثالث إلى وسط المدينة لأشاهد مسرحية لشوشو.

كنت في الثامنة، ولدّي آثار كثيرة لندوب في الرأس من معارك رمي الحصى والأحجار، ولندوب في الركبتين والكوعين من تعثرات وعراكات صبيانية يومية. كنت في عصابة من الأولاد الدروز والارثوذكس والسنة والأكراد والشيعة والموارنة... يطاردنا سركيس «أبو غمة» (وهذا لقبه لأنه يبيع الكروش والفوارغ والمقادم) بسكينه الضخمة، ويلاحقنا الكندرجي (من يصلح الأحذية البالية) أبو محمود بالشفرة الطويلة لأننا كنا نقف قبالة محله ونروح نغني: «كذّب كذّب ابو محمود، طلعله شوارب سود».

هكذا كنا أولاد شوارع النبعة، تفتش علينا أمهاتنا، ونحن غافلون عن قلقهن، طالما اننا نجلس في عتمة سينما عازار نشاهد لساعات مغامرات طرزان ومقاطع من نتف أفلام كونغ فو لا تنتهي في عرض متواصل، حتى يفطنّ فيدخلن إلى السينما ويصرخن بأسمائنا... ويمسكن بنا من آذاننا شداً وجراً حتى نصل إلى بيوتنا مشبعين بصفعاتهن، مخلّعي الآذان، مرضوضي الأجناب من الضرب بالمشايات والأحزمة.

سنة واحدة قبل 31 نيسان 1975. كنا خلالها نحتفل بالشعانين والفصح ورمضان والأضحى والميلاد ورأس السنة ولا ندرك سوى أنه يوم عيد، اذ يضعنا أبي في سيارته ونذهب لـ «نتفرج» على بيروت: الحمرا، الروشة، شارع الفنادق، الزيتونة... ثم الى محل البوظة (ربما القزيلي) على طريق جونيه.... وكنا فقراء جداً، فقراء حتى العظم. كانت الجارة أحياناً «تستعير» بصلة من عندنا، وكانت أمي «تستعير» ايضاً «كباية» عدس من جارتها و.... هكذا.

لا أعرف وقتها ما حدث. صاروا يقولون «الحوادث»، وقرأت هذه الكلمة مرة في الجريدة. وصرت أظن أن مرضاً ما، أو عطباً ما أصاب الطرق والسيارات فباتت تكثر معها «الحوادث» طالما أنني ظننت ان هذه الكلمة تعني حصراً تصادم بين سيارات. وتأكدت من ذلك عندما صاروا يتحدثون عن قتلى في حادثة «بوسطة عين الرمانة».

لم يكن مضى شهر أو شهران حتى فهمت أن الذي يحدث يسمى «حرب أهلية». وتأكدت ان السيارات لا دخل لها بعد أن سقطت أول دفعة قذائف على النبعة، ورأيت أبي يدخل إلى البيت وبيده السيمينوف وكذلك أبو مهدي وأبو حسين. وفي اليوم التالي اختفت عائلة أبو مارون الدامورية من الحي... ورأيت علماً أحمر على بيت حسين أبو أصبعين، والزوبعة الحمراء على كتف أبو مهدي الهرملي، الذي صعد من بيته ذات ليلة إلى الطابق الأخير حيث يسكن أبو ميشال وأخذه الى جهة مجهولة وعاد في صباح اليوم التالي وحده، فبدأت أم ميشال بالصراخ، فأقفل أبو جان منزله وذهب مع عائلته ولم يعد، ثم وضبت العائلة الدرزية أغراضها مع تلفزيونها الكبير في سيارة البلايموث وغادروا إلى الجبل. ثم جاء خبر مقتل أبو خضر العتال ذبحاً بالقرب من المرفأ. وعاد أبو محمود إلى الجنوب وتوارت العائلة الايرانية وسقطت قذيفة على بيت الأرملة أم الياس التي كانت ما تزال تكوي الجوارب والألبسة الداخلية لزوجها الميت منذ سنوات، فماتت تحت السقف المنهار.

بعد أسبوع من حادثة أبو ميشال وجدوا جثته على خط السكة، تحت في آخر برج حمود. قالوا إن ابو مهدي انتقم لمقتل ابن أخيه على طريق الشياح. اقفلت السينما ومطعم الفول واختفت البوسطات وما عادت شاحنات الخضر تأتي ورأيت متاريس من أكياس رمل وجثة تجرها سيارة فيها مسلحون وسمعت عن قناص يجلس في أعلى نخله على تلة ضهر الجمل... هناك حيث معمل الشوكولا الذي كنا نحلم بسرقته.

وفرحت ان المدرسة لن تفتح. فرحت كثيراً واشتريت كاسة مهلبية وجلست عند مدخل البناية أصنع بارودة خشبية، استخدم فيها غطاء علبة الحلاوة لتشبه بارودتي الرشاش الذي يمتشقه رجال المافيا في الأفلام، وأضع فلقة واحدة من ملقط غسيل وسط الرباط المطاط المفتول جداً حتى اذا أفلتها تصير الفلقة تطرطق على حافة الخشبة كأنها صوت رصاص. وأتخيل نفسي «ارشّ» رجال الكتائب وأجمع ما بقي من أولاد ونصير نغني...« لا كتائب لا أحرار ولا كتلة وطنية... الشعب بيهتف للثوار، للحركة الوطنية».

في ذاك اليوم بالتحديد جاء الرجال الى أمي وقالوا إن الكتائب قتلوا أبي، هناك في شارع الغزال في سن الفيل، كان في المتراس وأطلقوا قذيفة أصابت عمود الكهرباء بالقرب منه فدخلت شظية صغيرة بحجم حبة حمص في رقبته وقطعت شريانه الرئيسي... وصل الى المستوصَف ميتاً من النزف.

فهمت بعد سنوات لماذا كان الشبان يمثلون بأيديهم تلك الحركة: حركة نافورة الدم المتصاعدة من رقبة أبي.

كنت في سن الثامنة .... وخسرت كل شيء

يوسف بزي
(16 أبريل 2008)