الإعلان

 

مجتمع لبنان صراع بين النمطيّة والتغيير
صراع بين النمطيّة والتغيير
نضال أيوب - بيروت   

 

بين جيل سابق عاش وهم النصر وخرج لاحقا مكللا بهزيمة جعلته راضيا بوضعه مكتفيا، كارها للتغيير، ميالا للإستقرار، رافضا الخوض في غمار المجهول، مقتنعا بمقولة "شيطان نعرفه خير من شيطان نجهله"، وجيل شاب رافض، متمرد يسعى نحو التغيير، نرى فصلا من المواجهة. يبدأ كل منهم برمي اتهاماته على الآخر. فالآباء يعدّون أنفسهم أصحاب الخبرة بعد ما عايشوه ويتهمون الأبناء بالسطحيّة والإندفاع والتهور. في حين أن الشباب يرون في الأخير جيلا نمطيا خاضعا غير قادر على التعايش مع المتغيرات.

صراع بين النمطيّة والتغيير |

اليوم، وفقا للمرحلة الإنتقاليّة التي تمر بها المجتمعات، وبعد رفض الشباب للقيود وانتقالهم السريع من طور الخضوع إلى التمرد لنيلهم الحريّة، زادت الفجوة في الآونة الأخيرة، ولم تعد المشكلة مجرد اختلافات في الآراء وتبادل الإتهامات بل تعدّت ذلك لتصبح صراعا يحاول فيه كل منهما تهميش الآخر. فتخلق الهوة وتتسع بين الأجيال.

صراع بين النمطيّة والتغيير |

أثناء الثورة التي بدأها الشباب اللبناني لإسقاط النظام الطائفي الذي ورثه آباؤهم، امتشقت سهى الخارجة من منزل متديّن "لاءها" ونزلت لتشارك في المظاهرات. الحجاب الذي فرضته بيئتها عليها لم يمنعها من المطالبة بدولة مدنيّة لا تحكمها الطوائف. وبعد متابعة سهى للثورات في البلدان العربيّة، أرادت أن يكون لها ثورة خاصة بها تنتفض فيها على ممارساتها التي لا تتوافق مع قناعاتها. ووسط معارضة أهلها ورفضهم التام، خلعت سهى حجابا لبسته منذ الصغر لتخطو أول خطواتها نحو الحريّة. ورغم الخلاف الدائم بين سهى وأهلها، فإنها تجد أن الحب المتبادل بينها وبين أهلها هو المشكلة ولولا ذلك لكان الحل الأسهل "أدير ظهري، وأرحل" تقول سهى.

في حين انتفضت سهى على محيطها وتركتهم لثرثرتهم وسخطهم أمام ما قامت به، كانت علاقة رشا مع أهلها تمرّ بمراحل متعدّدة. من منع إلى تفاوض. من استهتار إلى إهتمام. شخصيّة رشا القويّة وأفكارها الصارخة فرضت على الأب سماعها. الأب الذي حاول منع رشا من المشاركة في حملة اسقاط النظام الطائفي تأثر لاحقا أمام إصرار وأفكار ابنته ورفاقها ليصبح هو أحد المشاركين في المظاهرات. إلا أن حماسه خبا مع بدء إنطفاء شرارة الحملة ليعود من جديد إلى رفضه وسخريته. يرى الأب أن هؤلاء الشباب وبسبب عدم خبرتهم في التعامل مع الرأي الآخر، سرقوا حلم كثير من الناس. فاعتقاد جيل الشباب بأنه يستطيع تغيير العالم بمفرده ودون حاجة لخبرة الجيل السابق هو من أهم المشاكل.

"الجميع يحلم بالديمقراطيّة والحريّة" تقول رشا مؤكدة أن ما يحمله جيل الشباب من أفكار وشعارات لا تختلف عمّا يحلم به الآباء ولكن الفرق هو أن الخوف الموجود عند الأخير يمنعهم من اسقاطها على الواقع. فيتولد التناقض بين قناعاتهم وممارساتهم وينخرطون في جماعة سخيفة ويصبح همهم الوحيد التماهي معها.

الخوف نفسه هو نقطة الإختلاف بين نبيل وأهله. هم يؤيدون من بعيد كل إرادة للتغيير ولكن في الوقت نفسه يسعون جاهدين لإقناعه بعدم المشاركة في الاعتصامات خصوصا بعد تعرضه للضرب مرتين خلالها. نزول الشعوب العربيّة إلى الشارع خفف منسوب الخوف عند نبيل وجعله أكثر إصرارا للمشاركة في اعتصامات الدعم لها ليساهم في التغيير الحاصل ولو  بجزء صغير ورغم الإبتزاز العاطفي الذي يمارسه أهله لردعه، إلا انه يشارك حينا ويمتنع حينا آخر.

الإمتناع هذا هو ما سمّته رشا بمنطق التسويّة. " هو ليس مساومة، فالمرء يحتاج أحيانا لنوع من التسوية" تؤكد رشا. فالأهل في البداية يحاولون ضمّنا لصفهم وتدجين أفكارنا ووضعنا في قالب يتناسب مع مقاسهم. ولكن لاحقا، يرضخون لعدم تمكنهم من وضعنا بقفصهم ويتقبلون بمرارة كوننا نمتلك أفكارا مختلفة. إلا أنهم يحاولون التأثير من وقت لآخر فالتذمر الذي أبداه والد رشا لمشاركتها في الإعتصامات اليوميّة الداعمة لمصر بات أمرا واقعيا لا يمكن منعه. إلا أن انتسابه لأحد الأحزاب الداعمة للنظام السوري جعله يرجوها أن لا تظهر أي دعم علني للشعب السوري لأن هذا من شأنه أن يسبب له مشاكل؛ "يمكنك فعل أي شيء بعيدا عن هذا الموضوع". هذه التسوية التي قامت بها رشا مجبرة؛ "تعنيني معاناة الشعب السوري ويؤلمني أني لا أستطيع المشاركة".

صراع بين النمطيّة والتغيير |

ترجح سهى أن أبناء "الجيل القديم" يرفضون التغيير بسبب أفكارهم الموروثة التي تحتّم عليهم المشي في خط مستقيم دون أي تعرّج، بالإضافة لاعتقادهم أن من يحاول التغيير هو شخص ضال لا يجد الراحة في حياته. فيما يرى كل من رشا ونبيل أن الخلافات بينهما وبين الآباء مرتبطة بالهزيمة التي عايشها الجيل السابق. فهم عاشوا أبهى فترات النضال أيام عبد الناصر ولم تلبث أحلامهم أن تناثرت ليتخبطوا فيما بعد بين احباطاتهم وخيباتهم. لذلك لم يعد هناك انبهار بأية محاولة للتغيير. فهم يعدّون أنفسهم أكثر وعيا لما عايشوه من تجارب لحقتها خيبات ولا يريدون لأولادهم أن يعيدوا التجربة. لذلك يحاولون ثنيهم "هذا السائد، لا تحاولوا أن تقوموا بالتغيير ".

هنا ينشأ فريقان، فريق أول يمثله الآباء الذين يبحثون على سلطة تحميهم وتؤمن لهم حياة مستقرة، يخافون من المجهول، ويقدسون الزعماء ويربون الأبناء على طاعتها. والفريق الثاني يمثله الشباب الذين لا يخافون من سلطة، يملكون رؤية جديدة للحياة، لا يجيدون الانتظار، يتخذون قرارات سريعة ويمضون نحو التغيير.

قدرتهم على التغيير والقيام بالثورات، تجعلهم فى صراع مع جيل الآباء الذين اعتادوا حياتهم الروتينيّة. تبدأ المواجهة بين الكبار الذين يعيشون على أمجاد ماضيهم وخيباته وبين الشبان الذين يمضون نحو مستقبل يرسمون هم ملامحه. لعل أحلامهما وأهدافهما واحدة إلا أن الرؤية لطريقة التنفيذ تختلف. فيظل الصراع قائما بين هذين الجيلين، جيل يعتبر نفسه "صانع التاريخ" وجيل شاب ينحني له العالم كونه "صانع المستقبل".

 


نضال أيوب - بيروت