الإعلان

 

مجتمع لبنان يوم المونديال الأخير ... كم كان جميلاً
يوم المونديال الأخير ... كم كان جميلاً
يوسف بزي   
يوم المونديال الأخير ... كم كان جميلاً  | في التاسع من تموز 2006 ، انتهى «المونديال» . قرابة الشهر عشناه مع العالم . توحّدنا فيه إثارة ومرحاً وتشجيعاً وتحزّباً كروياً . رفعنا الأعلام الالمانية والبرازيلية والارجنتينية والايطالية والفرنسية... قفزنا على الطاولات فرحاً بهدف ، أو صرخنا احتجاجاً على تحكيم سيئ ، وتأوهنا لإصابة لاعب وخبطنا كفاًَ بكف على ركلة ضائعة .
رفعنا الأنخاب للفوز ، أو نرفزنا سخطاً على هزيمة ، هاربين من «تزريك» مشجعي الفريق الآخر. شهر من متعة أن نكون جزءاً من ايقاع العالم، متفرجين على أعظم مسرح بشري حيث الكرة الأرضية وسكانها يعيشون في لعبة واحدة لا غاية لها سوى صقل الجسد البشري واظهار ذاك التناغم الفذ بين العقل والقلب والجسد. لعبة تحتفي بالحياة وتلوّنها. ونحن هنا في بيروت، كما في كل أصقاع العالم، كنا ندبر أعمالنا ومواعيدنا وننظم أوقاتنا وفق زمن المباريات، فنقول لأنفسنا «علينا أن ننجز كذا وكذا قبل المباراة»، أو نتفق على موعد «ما بعد المباراة». وفي أحوالنا وسياستنا آنذاك كنا أيضاً مفعمين بروح كرة القدم، ولو بجرعة كبيرة من الألم. كنا نشعر أننا في مباراة لنا حظوظ قوية للفوز بها. كنا نسجل الأهداف وسط تصفيق وتشجيع عالميين، فيما الخصم لا قدرة له سوى على «المشاغبة» والخشونة والإيذاء ونيل البطاقات الصفر والحمر. كنا، هكذا رغم التفجيرات الليلية المشبعة بالكراهية والجبن، رغم الاغتيالات المفعمة بالحقد والدناءة... نشعر اننا ممسكون بزمام الأمور واننا نقبض على مصيرنا ونباشر حقاً مستقلبنا. في التاسع من تموز انتهت سهرتنا متحسرين، مندهشين على مشهد زين الدين زيدان وفعلته التي بدت عنيفة صادمة. ورحنا نبذل الكثير من التفكير والكلام، تفسيراً أو تبريراً أو إدانة. وبدوْنا على هذا المنوال منخرطين مع العالم في مساءلة أخلاقية تنشد الرهافة والليونة وتنبذ العنف. وكان العنف المستنكر أممياً ليس الا نطحة بالرأس على صدر لاعب آخر. لكنها «نطحة» متلفزة تحت أنظار أكثر من مليار إنسان. وكان هذا كافياً ليجعل من الاعتداء الجسدي الطفيف «فضيحة» لا يجوز غض النظر عنها، الى درجة تفوّق خبرها وصورتها على خبر انجاز ايطاليا لبطولة العالم. واذ كنا فجأة نشارك العالم انفعاله، خيل إلينا أننا ارتفعنا عن سوية واقعنا، واقع بلدنا وجواره، حيث العنف، الذي يستحق صفته هذه، لا يقل عن قتل أو مجزرة، وما دونهما هو من العاديات. قلت «خيل إلينا» لأننا سُحِبنا، من دون سائر البلدان، بغتة، بعد ثلاث ليال على حادثة زيدان، الى حادثة «حزب الله» المقتحم الحدود والخط الأزرق قاتلاً ثمانية جنود اسرائيليين وخاطفاً جندييين الى الأسر، مستأنفاً حربه التي يريدها الى يوم القيامة. وحدسنا من الخبر النازل علينا كالصاعقة أننا مقبلون على العنف الحقيقي مجدداً، العنف الذي يستحق صفته وفق معايير الشرق الأوسط واخلاقياته. وظهر قائد حزب الله على التلفزيون ليحتل بعد المونديال الصورة والمشهد مقترحاً علينا ملعباً آخر للعب دموي لا حَكَم فيه ولا قوانين، واضعاً أنصاره وأهل الجنوب ومعهم سائر المواطنين اللبيوم المونديال الأخير ... كم كان جميلاً  | نانيين في منتصف هذا الملعب ككرة تتقاذفها ارجل النار وأقدام الفولاذ، معلناً «وعده الصادق» الذي لم نطلبه ولم نطالب به يوماً. بلمح البصر، خرجنا من ايقاع العالم ليس بإرداتنا، بل بمشيئة رجل واحد لا هو رئىس للجمهورية ولا هو رئىس للحكومة، بل قائد ميليشيا نصف ولائه لأهله وأنصاره والنصف الثاني لولي الفقيه الإيراني وحليفه البعثي. وبمشيئته افتتح حرباً لن نقول فيها ابتذالاً عاطفياً من نوع البكاء المتأخر على ضحاياها وعلى خسائرها وعلى الكارثة التي حلت بالبلد. إنما نقول بنبرة السؤال اللجوج، إن كانت اسرائىل لم تُردها، فيكون حزب الله قد تجنى علينا بها. وإن كانت إسرائيل تحلم بها وتسعى إليها، فيكون حزب الله قد تجنى علينا على نحو مضاعف الى حد الخيانة. من أجل ثمانية جنود قتلى واسيرين كانت اسرائىل، كالعادة، مستعدة لتحطم بلداً بكامله. ومن أجل ثلاثة أسرى لبنانيين كان حزب الله مستعداً للمجازفة بشعب بأكمله. ونحن كنا هذا البلد وهذا الشعب. أكثر من شهر قضيناه في تلك الحرب. لم تنهزم اسرائىل وإن اخفقت، ولم ينتصر حزب الله وإن نجح. كلاهما انتصر وانهرم، أخفق ونجح. هذا نمط جديد من الحروب حيث المنتصر لا يتحمل خسائره، وحيث المنهزم يحصي أرباحه. لا أعرف حلاً لهذه المعضلة «الاستراتيجية»، لكنني ما زلت أتذكر الممثل رفيق علي أحمد وهو يؤدي دوره في مسرحية «الجرس» كراعٍ جنوبي يصادف في خراج قريته فدائياً يستعد لإطلاق صاروخ باتجاه اسرائىل. حينها يرجو الراعي الفدائي بأن يرمي صاروخه صوب القرية قائلاً له: انه صاروخ واحد ربما يصيب وربما لا. لكن إن سقط في إسرائىل فإنها سترد بعشرات الصواريخ وكلها ستصيب القرية. هذا الراعي وجد على طريقته حلاً لتلك المعضلة من غير ان يصير حليفاً أو عميلاً لإسرائيل، بقي نصيراً لـ«القضية» ـــ اذا جاز التعبير ـــ ولم يذهب الى الخيانة. المعادلة التي طرحها ابن القرية الجنوبية، هي التي مهدت لشعارات اهل الجنوب «لا للعودة الى ما قبل 2891»(تاريخ الغزو الإسرائيلي وخروج فدائيي منظمة التحرير الفلسطينية)، اي لا لأن يكون الجنوب «ساحة» حروب عبثية، وحروب آخرين، ولا لأن يكون سكانه هم ضحايا فعليين وضحايا محتملين دون سائر الخلق ورغماً عن إرادتهم. لا اعرف قوة النسيان الغاشمة تلك التي جعلت اهل الجنوب مرة جديدة يقبلون بأن يصيروا ضحايا وأرضهم خراباً.. فداءً لحزب ولرجل واحد. لا اعرف كيف أن هذا الراعي نفسه بات هو الذي ينصب صاروخا عشوائياً يعرف ان من سيتلقاه سيكون جوابه تدمير القرية على رؤوس اصحابها. لا أعرف ولا أجد جواباً إزاء الرجل الجنوبي الذي جلس يروي لي بفخر وزهو بطولات شبان حزب الله ثم ينخرط في بكاء حار ومرير على ما حل به وببيته وعائلته مرتعشاً من تذكره لحظات الرعب والخوف، متحسراً على ما خسره وخجلاً من المهانة التي لحقت به وهو الهارب من القصف مشرداً ضائعاً، ثم منتبهاً من غشيته مستأنفاً زهوه ببطولات لا نعرف إن كانت توسع من مشهد الموت او تصنع حياة. انقضت سنة على حادثة زين الدين زيدان الذي سرعان ما غفرنا له نطحته. آه، ما أجمل المونديال