الإعلان

 

مجتمع لبنان سيارات الـ"هامر" : دبّابات للشباب الاغنياء
سيارات الـ"هامر" : دبّابات للشباب الاغنياء
فراس زبيب   
سيارات الـ"هامر" : دبّابات للشباب الاغنياء | في المرة الوحيدة التي رأيت فيها سيارة "هامر" على الطرقات الباريسية، بدا لي المشهد سورياليًا.
كنت اتمشّى مع صديقة لي فرنسية ، حين مرّت سيارة الـ"هامر" على الأسفلت من أمامنا . نظرت "اميلي" الى السيارة ، ولحقتها بنظرها حتى ابتعدت ، ثم قالت لي بسخرية: "ما هذا الشيء؟".

أسمتها الـ"شيء" ، لشدة ما بدت سيارة الـ"هامر" مختلفة عما اعتادت رؤيته من سيارات في شوارع باريس . كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها "اميلي" سيارة من هذا النوع.

هناك، في باريس، نادرًا ما نرى سيارات ضخمة ، أو سيارات من الانواع الفخمة التي أكثر ما يميزها ارتفاع ثمنها . اميلي لم تكن الوحيدة ، من بين المارين في الشارع في ذلك اليوم ، التي ترى هذه السيارة للمرة الاولى . الوجوه كلها التفتت ، في لحظة مرور السيارة الضخمة ، كأن الناس كلهم عرفوا انها من الاشياء التي تمرّ امامهم مرة واحدة . حتى الذين كانوا جالسين خلف زجاج المقهى ، التفتوا ، وحتى النادل ، الذي خرج مع زميله الى الطريق مسرعا ، ليلحق بها بنظره الى مسافة ابعد.

الباريسيون يحبون السيارات الصغيرة . لا يشترون سيارات من الطراز الاميركي مثلا، وهم، حين يختارون سيارات المانية ، يختارون اصغرها حجمًا . السيارات ، في باريس ، كلها تشبه بعضها البعض ، ونادرًا ما تمر سيارة مختلفة عن الاخريات ، لتكسر المشهد المنسجم للسيارات الصغيرة في الشوسيارات الـ"هامر" : دبّابات للشباب الاغنياء | ارع.

الشاب اللبناني الذي صدف أن أوقف سيارته ، الـ"هامر"، قرب سياراتي في شارع بيروتي، قال لي حين سألته عن سبب اقتنائه لهذا النوع من السيارات: "لانها سيارة جيدة ، تصلح للمدينة وللجبال في آن واحدة".

هي حجة ، لا أدري لماذا ارادها ان تكون مقنعة لي ، ولا اعرف حتى سبب شعوره بانه ، في موقف كالذي وضعته فيه ، بحاجة الى هذه الحجة.
هو لم يقتن سيارته هذه للاسباب التي ذكرها، وهو، لا شك، له فيها مآرب أخرى.

كلانا كان يعرف، في اللحظة تلك التي كانت فيها الاشارة الضوئية حمراء، انه لم يشتر سيارته هذه لانه بحاجة الى طاقاتها كلها.
سيارته كانت نظيفة، ملمّعة، لا خدوش على هيكلها. وهو، بمجرد كونه يقودها في شوارع بيروت، لا يستعمل من طاقاتها الكثيرة الا القليل منها.

ال"هامر"، سيارة "جيدة" لمن يريد ان يخوض فيها حربا. فهي ابتكرت اصلا كمركبة عسكرية، وتم تصنيعها، للمرة الاولى، بمناسبة اندلاع حرب الخليج.
مركبة حربية تصلح للمعارك التي تجري في الصحاري. تصلح لتحمّل بالاسلحة، ولتقطع المسافات الطويلة، ولتتحمل الطرق الوعرة، وكثبان الرمل...
سيارة ال"هامر" اشبه بمركبة، او بدبابة رشيقة الحركة، وطيّعة.

يحب راكبو سيارات ال"هامر" في بيروت، نظرة الناس، في السيارات الاخرى، اليهم. يحبون كونهم ينظرون من مركباتهم الضخمة الى السيارات العادية، الصغيرة، من علوهم.
ال"هامر" بالنسبة لهم، سيارة للمدينة. ففي المدينة، يستطيعون عرضها، وعرض انفسهم داخلها. في المدينة وحدها تشبع نظرات الناس المندهشة، والمعجبة، والمتفاجئة، غرورهم.

وفيما طرقات القرى والجبال الوعرة هي ما صممت سياراتهم لتحمّلها، وحدها المدن تصلح للاستعراض، الذي هو غرض راكبي هذا النوع من السيارات الاساسي في لبنان.

الشاب الذي اوقف سيارته ال"هامر" الصفراء قرب سيارتي، التي بدت هزيلة لحظتها، كان فخورا بها. وهو بدا مستاء من سؤالي، لان وجد فيه تعجّبا اكثر من اعجاب. انطلق مسرعا، حين اشار له شرطي السير ان يفعل، كأنه يريد ان ارى رشاقة وقوة سيارته، رغم حجمها الضخم والثقيل. او كانه، اذ انطلق بسرعة، يخال بانه هكذا يريني قوته هو، وليس قوة محرك سيارته.

الرجل المسؤول عن احد المحلات التي يباع فيها هذا النوع من السيارات، فقد حماسته في الكلام حين عرف انني لم آت اليه لاشتري احداها. سألته ان كان يعتقد ان ال"هامر"، بالنسبة للبنانيين، سيارة للمدن. "لا..، قال لي، فالذي يعرف قدرات ال"هامر"، لا يمشي بها على الطرقات الإسفلتية". بدا، في كلامه عن سيارات ال"هامر"، يبيعها فقط بصفتها مركبات للجبال، وللطرقات الوعرة، والثلوج. الا انه رفض الاعتراف بأن من يشتريها منه له فيها غير مآرب، واستعمالات اخرى.
"من يشتري هذا النوع من السيارات؟" سألته، فقال بأن معظم زبائنه من الشباب، فهي "سيارة لهم، تشبههم بحيويتها، وبجرأتها".

ال"هامر" سيارة للشباب، بشكلها وبجرأتها، ولكن الشباب يصعب عليهم شراءها نظرا لغلاء ثمنها. وكوننا، في لبنان، نكاد لا نرى الا شبابا يقودون هذا النوع من السيارات، يدلنا على الفئة الاجتماعية التي ينتمي اليها هؤلاء الشبان. نعرف انها من السيارات التي يشتريها الوالد الثري، لابنه المدلل.
هي سيارة تخص فئة عمرية واحدة هي الشباب، وفئة اجتماعية واحدة ايضا: الاغنياء وحديثي النعمة.

وان كانت سيارة ال"هامر" تدل على ثراء مالكها، وسائقها، فهي ايضا تجذب الشباب لاسباب اخرى. هي سيارة مراهقة، تفتن الشباب حيث هم لا يزالون مراهقون. هم يحبون ضخامتها، ولا يكترثون لضيق شوارع بيروت، ولصعوبة قيادتها فيها. يحبون اختلافها عن السيارات الاخرى، الذي يرونه تميزا. وهم يحبون الشعور بالقوة الذي تولده فيهم سيارة ال"هامر".
وايضا، يجذبهم شكلها وتاريخها العسكري. فالشباب الذين لا يحبون السلاح، يحبون قوة السلاح. والذين يتهربون من الخدمة العسكرية، يشترون ثيابا عسكرية، واحذية ضخمة كالتي يلبسها رجال الشرطة والجيش. هناك شيء في جو العسكر والسلاح يجذب الشباب، حتى السلميين منهم. العاب الحروب اكثر الالعاب الالكترونية انتشارا ونجاحا عند الشباب، وموضة الثياب العصرية التي تخاط بقماش العسكر لاقت نجاحا هي ايضا عندهم.

ال"هامر"، بالنسبة لبعض الشباب، كانها سلاحهم الذي لا يؤذي. كانها لعبتهم العسكرية، او كانها القوة والرجولة التي لا يملكون. وكما يجذبهم هذا النوع من السيارات بثمنه المرتفع، يجذبهم بضخامة حجمه وبقوة محركه. وسائق ال"هامر" يشعر، حين يتوقف قرب سيارة عادية صغيرة، انه اقوى من الشاب الآخر الذي فيها.
لا يكتفي بشعوره بانه اكثر ثراء، اذ يملك سيارة "هامر" فيما الآخر سيارة رينو مثلا. فكأن هناك قوة جسدية فعلية يستمدّها من سيارته ايضا، شيء من العنفوان، ومن التحدي.

هذا ما جعل الشاب ذو سيارة ال"هامر" الصفراء ينطلق بسرعة قبل سيارتي، كانه يضعني في حجمي، الذي هو حجم سيارتي الصغيرة التي انطلقت ببطء بعد ابتعاده.

مازن، الشاب اللبناني الجامعي، كان يذهب كل مساء مع اصدقائه ليتنزهوا في شوارع بيروت بسيارته الرياضية، التي اشتراها له والده بمناسبة عيده التاسع عشر، والتي كانت، بالنسبة له ولاصدقائه، اجمل سيارة يملكونها. كان يترك أصدقاؤه سياراتهم، الجديدة والغالية الثمن ايضا، ويركبون معه في سيارته التي يعتقدون انها افضل للتباهي من سياراتهم.
مازن هذا، فقد الافضلية هو وسيارته، حين اشترى والد نبيل له سيارة "هامر". صار مازن يركن سيارته الرياضية الحمراء قرب سيارات اصدقائه، ويصعد على البنك الخلفي في سيارة نبيل، حين يذهبون للتنزه في شوارع العاصمة.

ال"هامر"، هي سيارة اليوم. فهناك السيارات العادية، كلها مجتمعة، وهناك ال"هامر". هي الاستثناء على القاعدة، وهي الاختلاف عن الشائع. هي التي لا يستطيع هذا النوع من الشباب، كمازن واصدقائه، ان يفضل سيارة اخرى عليها. ولانها الاكثر تأثيرا بوقعها على الناس في الشوارع، هي الاكثر تأثيرا عليهم حين يكونون داخلها.

يجتمع الشباب المراهقون في احد مواقف وسط المدينة، حيث يوقفون سياراتهم ويركبون مع نبيل في سيارته ال"هامر" السوداء الجديدة.
هكذا، كل يوم، يتنزهون في الطرقات فخورين بكونهم محط انظار الشباب في السيارة الاخرى. يتنزهون بسيارة ال"هامر"، والنزهة تكون، بالنسبة لهم، هي ال"هامر" نفسها، وليست الطرقات.
يقصدون الاحياء المكتظة، حيث الانظار كثيرة، وحيث الغرور، غرورهم بسيارتهم، يبدو مبررا.

هناك، في بيروت، احياء تتواجد فيها سيارات ال"هامر" اكثر من غيرها من الاحياء. غالبا ما نرى هذا النوع من السيارات على كورنيش الروشة مثلا، او في شوارع وسط المدينة، او في شارع مونو، او الجميزة، او غيرها ن الاحياء والشوارع حيث المحلات كثيرة، وحيث الناس يجتمعون.

سيارة ال"هامر" التي كانت تسير امامي على كورنيش الروشة، لم تكن في طريقها الى مكان آخر. فالسيارات تتنزّه على اسفلت الكورنيش، كما المشاة على رصيفه. تقصده السيارات احيانا لتبقى فيه، فتسير عليه ذهابا، ثم ايابا.
السيارة ال"هامر" التي كانت امامي التفّت في آخر الطريق، في منطقة عين المريسة، وعادت، في الاتجاه المعاكس، تكمل نزهتها على الكورنيش.

اصحاب سيارات ال"هامر" يحبون ايضا ان توقفهم عجقة السيارات في الشوارع الضيقة التي تعج بالناس وبالساهرين، مثل شارع "مونو"، او الجميزة، او شارع "بليس" قرب الجامعة الاميركية في منطقة الحمرا. في هذه الشوارع التي غالبا ما يتوقف فيها السير ليلا، تكثر النظرات مع كثرة الناس. مازن ونبيل وأصدقاؤهم يقصدون هذه الشوارع في الاوقات التي تمتلئ بالناس وبالسيارات. هناك، لا تزعجهم زحمة السير، ولا يملون من الوقوف هكذا، دون حراك. يضعون موسيقى ويرفعون صوتها، ويجلسون في مركبتهم التي يفتحون نصف زجاجها، ليتسنى لهم ان يروا الشارع، وان يُروا منه.
هم لا يفتحون زجاج السيارة كله، كما ليفتعلوا الغموض. فهم يعرفون ان الناس سوف ينظرون الى سيارتهم اولا، وانهم بعدها سوف يحاولون النظر الى من فيها. يتركون نصف الزجاج مغلقا، فيكشفون عن انفسهم، دون ان يعترفوا بعرض انفسهم داخل مركباتهم.

امام المقاهي والمطاعم والملاهي الليلية ال"شيك"، التي يقصدها الاغنياء وحديثي النعمة، غالبا ما نرى سيارتي "هامر"، او ثلاث، مصفوفات الواحدة قرب الاخرى. فالمسؤولون عن ركن السيارات في هذه الامكنة يتلقون اوامر من اصحابها بركن السيارات الفخمة امام مدخل المحل.
السيارات العادية يدخلونها الى الموقف خلف المحل او على مقربة منه، بينما السيارات المميزة، والغالية، يبقونها على المدخل كانهم، بذلك، يجعلونها جزءا من ديكور المحل، واداة لجذب الناس من الخارج الى الداخل. ومركبات ال"هامر"، اكثر ما يفضله اصحاب هذه المحلات.
ثلاث سيارات "هامر" مصفوفة الواحدة قرب الاخرى، انه مشهد لا نراه في أي بلد آخر.

لا نرى على الطرقات الوعرة، وفي الجبال، كمية سيارات ال"هامر" التي نراها في شوارع بيروت الضيقة. انها، بالنسبة للبنانيين، سيارات للاستعراض، اكثر منها سيارات للجبال. هو شكلها الذي يجعل اللبنانيين يهوون هذا النوع من المركبات. ضخامتها، وارتفاعها عن السيارات الاخرى وعن الارض، هما ما يدفع الناس ثمنه، وليس قدرتها على تحمل الطرقات الوعرة، وعلى السير حيث لا طرقات، كما قال مدير المحل حيث تباع.

وما يدفع ثمنه اصحاب هذا النوع من السيارات ايضا، هو نظرات الناس المعجبة اليهم حين يكونون فيها. فاللبنانيون لطالما احبّوا السيارات التي تسمح لهم بان يبهروا من لا يملك مثلها. يحبون غيرة بعض الشباب منهم، او من سياراتهم، وهم، حين تنظر الفتيات احيانا الى سياراتهم، يخالجهم الشعور ذاك نفسه، كأن الفتيات تنظرن اليهم.
ثم ان بعض الشباب في لبنان اعتادوا، حين يرون فتاة جميلة مع رجل يقود سيارة جميلة، ان يقولوا: "هكذا سيارات تأتي بهكذا فتيات".

اذكر، منذ بضعة سنوات، حين كان شارع "ايل بانينو"، كما سماه الشباب نسبة الى المطعم الذي يقع في وسطه، يعج بالسيارات الفخمة كل يوم. كان مالكو هذه السيارات يأتون لعرض سياراتهم، ولعرض انفسهم داخلها، وكان، ايضا، هناك من يأتي ليتفرج على السيارات هذه، وعلى سائقيها.

موديل ال"هامر" الجديد، الذي اصدرته مؤخرا شركة "جنرال موتورز" المصنعة لهذه السيارات، مختلف عن الموديلات التي سبقت. فهو اصغر حجما من سيارات ال"هامر" التي بتنا نعرفها، وهو اقرب الى ال"جيب" العادي منه الى الموديلات السابقة.
وفي حين الشركة المصنعة لهذه السيارة ارتأت ان تجعل حجمها الجديد اقل ضخامة، ربما، حسب ما تعتقد الشركة، لتجعله يناسب المدن ايضا، اللبنانيون هم، يفضلون الموديل القديم، ويحبذون لو ان الجديد كان اضخم منه.

انها ظاهرة لبنانية، ان ينتشر هذا النوع من السيارات هكذا انتشار. في شوارع بيروت بتنا نرى رجال ذوو ربطات عنق يذهبون الى اعمالهم بسيارة "هامر"، او فتاة لم تتخرج من مدرستها بعد، اهداها والدها سيارة "هامر" زرقاء، مع "شوفير" ياخذها، مع صديقاتها، حيث تشاء.

فراس زبيب