الإعلان

 

مجتمع لبنان سلوى، المربية التي لم تندم
سلوى، المربية التي لم تندم
يوسف بزي   
سلوى، المربية التي لم تندم | قبل الحرب اللبنانية، كانت البيوت البرجوازية والأرستقراطية اللبنانية، تعتمد على الخادمات اللبنانيات (الأكثر كلفة) وتعتمد كثيراً على الخادمات السوريات والمصريات، وأيضاً الكرديات والفلسطينيات، بل أن بعض العائلات الأرستقراطية كانت تستقدم مدبرات ومربيات من فرنسا وإنكلترا لتربية الأولاد وإدارة شؤون المنازل الثرية والمترفة .
كان ذلك جزءاً من صورة طبقات اجتماعية راسخة في تقاليدها وأعرافها، فالسائق والبستاني والمربية والخادمة والمدبرة و«شيف» المطبخ، كانوا ضرورة للوجاهة والترف والرقي الاجتماعي، وبالتالي كان هؤلاء العاملون في تلك البيوت لهم اعتبارهم المعنوي وكرامتهم المصانة واحترامهم الواضح وعلى قدر جيد في معرفة الحقوق والواجبات والالتزامات. عن ذلك العالم المنقضي تقريباً، عن ذلك الزمن الذي عرفه لبنان أروي قصة المربية والخادمة «سلوى»: عندما اندلعت الحرب، لم يبقَ في المبنى إلا سلوى وأختها في الطابق الخامس والخادمة المصرية «سيدة» والسفرجي السوداني عثمان. فآل شمعون وثابت وتاجر وأبيلا وحلبي... خرجوا من البلاد أو ذهبوا الى مكان آخر في لبنان. لم يبقَ سوى مدبرة البيت الكبير سلوى، التي كان في حوزتها مفاتيح شقق البناية كلها، مؤتمنة على ثروات كبيرة وتحف. واجهت سلوى بحنكتها ميليشيات كثيرة حاولت الاستيلاء على المبنى. ثم أنها أقامت علاقة خاصة بقيادة أحد الأحزاب وفق اتفاق ينص على التالي: عدم مصادرة أي شقة، وعدم الاستيلاء علي محتوياتها، مقابل تخصيص هذه الشقق الفخمة لاستقبال الوفود الأجنبية أو إقامة حفلات عشاء للشخصيات السياسية، على أن تتولى سلوى بنفسها الترتيبات كلها. كان عمرها سبع سنوات عندما سلمها أهلها لـ«السمسار»، هو الذي قال إنه سيأخذها لتعمل في بيوت دمشقية، فوجدت نفسها في الأردن عند آل الطبّاع. تقول سلوى إن ذلك كان من حسن حظها. كان رجل البيت باشا وأولاده الذين هم من عمرها وسنها يأخذون مثلها مصروف جيب يومي قدره عشرة قروش فلسطينية. أما طبيعة «عملها» فكان عدا اللعب مع الأولاد، هو أن تأخذ «صينية» القهوة وتقدمها للضيوف. ففي مجتمع إسلامي محافظ لا تخرج النساء الى حيث الضيوف من الرجال. يسكبون القهوة لتأخذ هي الفناجين. الخادمتان المصرية والسودانية المغطى وجه كل منهما هما اللتان تقومان بكل العمل المنزلي. سلوى الفتاة الصغيرة كانت تلعب في الباحة مع أولاد آل الطباع الذين كان يشاركهم في اللعب الأمير حسين الذي سيصبح ملكاً على الأردن.

تقول سلوى: «كان الملك الصغير يحب اللعب بالدراجة. وأظل طوال الوقت أدخل الى المنزل، وأخرج حاملة السندويشات إليهم». بقيت سلوى ثلاث سنوات في الأردن، وتقول إن الأمر كان أشبه بالتبني. فلا فرق بينها وبين أولاد البيت لا في الجلوس على الطعام ولا في الملبس، ولا حتى في مصروف الجيب اليومي. كانت تنام مع صغير الأولاد والخالة في غرفة واحدة. وأهل البيت اضطروا الى إعادتها لأهلها بسبب إلحاحها اليومي على العودة. تقول «لقد تحملوني كثيراً»، ثم انهم بحماية اثنين من العسكريين أرجعوها الى قريتها. وتضيف: كان عمري عشر سنوات وفي الطريق عرض عليها أحد العسكريين فكرة الزواج منه. بعد عدة أشهر، وكانت أختها قد سبقتها للعمل في لبنان، عند آل كرم في الحدث، أرسلها أهلها الى منزل لبناني أيضاً من آل مطر. عملت عندهم ثماني سنوات. لم يكونوا أغنياء. وكانت سلوى، حسب قولها، قد صارت «بارعة في تربية الأولاد»، هي التي لا تطيق الشغل المنزلي. لقد قبلوها كما هي ولم يلوموها ولا مرة عندما كانت ترفض القيام بأي عمل منزلي، ذلك أنها تهتم بالصغار فقط. سيدة المنزل هي التي تطبخ وتجلي وتنظف: «لم أكن أستطيع الوصول الى المجلى» تقول سلمى تدليلاً على صغر سنها. في منزل آل مطر كانت تنام مع الأولاد وجدتهم أيضاً. «لم أنم في حياتي كلها في غرفة المطبخ أو غرفة الخدم». في ذلك الوقت، أواخر الأربعينات، كانت سلوى >تنزل» الى بيروت من بلدة الحدث، الى السينما لتشاهد أفلام فريد الأطرش: «ما من يوم مخصص للعطلة. كان مدخولي الشهري 30 ليرة. لكن كنت أخرج متى شئت لقضاء حاجاتي أو لزيارة قريباتي العاملات في بيوت أخرى، أو للتنزه». ثماني سنوات من العمل ثم اختلفت مع صاحب البيت. لم يرضَ بإعطائها زيادة راتب. فخرجت غاضبة لاجئة الى منزل قريبه ادمون كرم الذي قال لها: >أنت مثل بنتيّ الاثنتين». أقامت عنده بلا عمل. ذهبت الى مقهى بالقرب من البيت وعملت هناك لفترة بسيطة قبل أن تتجه الى بيروت لتعمل في بيت آل الإنجا في شارع عبد الوهاب الانكليزي: «في عام الثورة 1958 ذهبنا للتصييف في برمانا. وهناك أتذكر عسكري مارينز أميركي صعد الى البيت ليأكل الكبة. كان لبناني الأصل». تركت سلوى آل الإنجا بعد سنة «الانفصال» كما تقول (وتقصد انهيار جمهورية الوحدة بين سوريا ومصر) تذكر أنها نزلت عند إعلان نهاية الوحدة بين البلدين الى الشارع حاملة الكاز والرماد واشعلتها فرحاً. في تلك الفترة كانت تزور قريتها متى شاءت. أو تذهب سراً لرؤية أولاد آل مطر الذين ربتهم. انتهت سلوى عند فيلا عازار في فردان، عملت في المطبخ. فقط تطبخ، وتقول: سيدة المنزل «ست ولا كل الستات» الخدم كثر، وعندما يتعاركون كان رجل البيت يقول: «اسمعوا ليس في المنزل شغيلة. نحن عائلة واحدة».

كانت هي واحدة من العاملات إضافة الى السفرجي والبستاني والسائق. وفي ذلك الحين، بدأت الصبية سلوى بالذهاب الى مقهى الأوتوماتيك ومرة شاركت في مسابقة تلفزيونية وربحت 70 ليرة: أخذت المبلغ ونزلت مع صديقاتي الى الكباريه أكلنا وشربنا ولم ندرِ أن المحل مشبوه. كانت تسلية أهل البيت القمار المنزلي. وعندما يربح آل عازار يوزعون أرباحهم على خدم البيت: «عندما بدأت أفهم أن هذه الأموال حرام صرت أوزعها على المعوزين». وبعدما تعاركت مع السفرجي، خرجت الى منزل آخر في شارع مي زيادة (القنطاري ـــ كليمنصو) وهناك تعلمت القراءة والكتابة بعد 22 ساعة درس عند جمعية «الشابات المسيحيات» في سوق الجوخ، شارع فخري بك. عندما تغضب تقول لأهل البيت «أنا غداً سأخرج... لا أريد العمل». سلوى العصبية، المزاجية، المتعالية، انتقلت الى منزل آل أبيلا: «كنت أترك العمل عندهم وأعود متى شئت... هم وآل مفرّج أكثر عائلتين تعلقت بهما. عندهما أشعر أني عند أهلي، لقد أعطيتهم كل عمري، لقد ربيت الأولاد الى أن تزوجوا وأنجبوا... أشعر أني جدتهم وهم أحفادي». آل أبيلا أعطوا سلوى مفتاح الخزنة. كانوا يتشاورون معها في شؤون العائلة وشجونها وكانت تتدخل في كل كبيرة وصغيرة. في الحرب، باتت سلوى وأختها لوحدهما في الشقة الواسعة، مسؤولتين عن البناية كلها، هما اللتان كبرتا (إنهما الآن في العقد السابع من عمرهما) وتقيمان في شقة آل مفرج. العائلات موزعة بين لندن وباريس ودبي. وهما وحدهما بين غرف البيت المتداعي، وسط الأثاث العتيق الموشك على الهلاك. وحدهما مع الأدوية والصور الموزعة في أرجاء الشقة التي باتت رطبة معتمة. سلوى الآن تهتم بزريعة الشرفة والأخت التعبة والهرمة تقضي وقتها في غرفتها الممتلئة بملصقات الفنانين والفنانات، لا شيء يجري هنا. سلوى تقول إنها أعطت جهدها ومالها لأخوتها وأولادهم حتى تخرجوا من الجامعات بل إنها تكفلت بمصاريف كل أعراس أولاد العائلة وبيوتهم. منذ منتصف الأربعينات وحتى اليوم، لم تتوقف سلوى عن العمل في بيوت لبنانية عريقة هي التي تقول إنها لو أدخرت أموالها لنفسها لكانت على معرفة وطيدة بأثرى أثرياء لبنان: «لقد بنيت بيوتاً في قريتي لأبناء عائلتي وربيت أولاد أخوتي وأولاد تلك العائلات التي عملت في بيوتها. هذا هو دوري في الحياة». ولم تتزوج سلوى، على الرغم من أنها أقامت علاقات حب قليلة. وهي تزعم أن ذلك لا يسبب لها أي حسرة أو ندم: «انني مرتاحة من الرجال... أعتني بالزريعة وبأختي المريضة».

يوسف بزي