الإعلان

 

مجتمع لبنان صناعة الأزياء فنّنا الجديد
صناعة الأزياء فنّنا الجديد
يوسف بزي   

صناعة الأزياء فنّنا الجديد | الموضة، الأزياء، الأناقة... يبدو أنها باتت، في السنوات الأخيرة، في صلب الاهتمامات العلنية، وصارت ناظمة ليوميات ومواسم ومناسبات، وجزءاً مؤثراً في الحياة الاجتماعية وسلوكيات التشاوف والمظاهر، وحتى إنها أخذت حصة بيّنة من المنظومة الاقتصادية - السياحية. بل باتت عاملاً حاسماً في رسم صورة هذه المدينة أو تلك.
بالتأكيد، نحن نعيش فورة الأزياء، عربًا. لم يعد يقتصر الأمر على صفحات عدة في مجلات فنية، نسائية. لم يعد يقتصر الأمر على >بوتيكات< تستورد أزياء الموضة لسيدات متطلِّبات أو لثريات عربيات يعشقن التسوق. ولم يعد الأمر يقتصر على بضعة خياطين مهرة. ثمة ظاهرة كبيرة تفرض نفسها راهناً، هي "عالم الموضة" العربي. بسبب حرب الخليج الأولى، مطلع التسعينات، كانت خسائر بيوت الأزياء العالمية تقدر بمئات الملايين من الدولارات. هذه الواقعة لفتت الانتباه، لأول مرة، إلى حجم السوق العربي للأزياء الراقية (هوت كوتور) خصوصاً. وهذا ما دفع الجميع إلى المنافسة على هذا السوق المزدهر حيث الزبائن يتمتعون بسخاء نادر. في موازاة ذلك كان الخليج العربي، طوال العقدين الأخيرين، يشهد صعود مجتمع النساء، وتنامي حضورهن العلني، وازدياد نشاطهن وقوتهن التعليمية والعملية، هنّ اللواتي بتن جزءاً من نمو سكاني متسارع تتفوق فيه الفئة العمرية الشابة، التي عادة ما تجنح نحو كل ما هو جديد وموضة ودارج في عالم الاستهلاك والفنون وصناعات الترفيه والرفاهية. في لبنان، ومنذ مطلع التسعينات أيضاً، بدأت نجاحات عدد محدود من مصممي "الهوت كوتور" في إغراء أعداد متزايدة من الشبان للانخراط في هذا الميدان. كذلك مع عودة عدد لا بأس به من شبان المهجر إلى بيروت حاملين خبراتهم من دور أزياء عالمية ومعاهد وكليات فنية غربية. اتسع ميدان هذه الصناعة، التي آزرها مناخ "عودة الإعمار والبناء" وسعي اللبنانيين لاسترداد دور بيروت كصلة وصل بين العالم العربي والعالم الغربي، في ميادين الفنون والثقافة والخدمات والسياحة والتسوق. على هذا المنوال، عرفت بيروت إصدار مجلات متخصصة بالأزياء والتجميل، وأصبحت المحطات التلفزيونية الفضائية، اللبنانية، بقدر ما تروّج لمغني >الفيديو كليب< وموضاتهم وأزيائهم (الستايل واللوك) وبرامج الاستعراض (التي تحمل أيضاً رسالة الموضة واللوك)، كانت تروّج لعروض الأزياء المحلية. ثم إن صورة المذيعات نفسها، كانت موديلاً لموضة مقترحة على النساء العربيات. عدا تخصيص برامج أخرى لفنون الماكياج وعمليات التجميل والعناية باصناعة الأزياء فنّنا الجديد | لجسد وإنقاص الوزن، وانتقاء تسريحات الشعر... وكل ذلك متوازياً مع خطاب تلفزيوني وصورة تلفزيونية يحضّان على التسوّق ومجاراة خطوط الموضة والأخذ بأحوال الأناقة المتبدلة، أكان ذلك في النظارات الشمسية أو في الأحذية أو في الألوان الدارجة، أو في خطوط الموضة المعتمدة لإقامة الأعراس والحفلات، أو في لباس البحر (المايوه)، أو الفساتين، أو ثياب اليونيسكس، والملابس الجاهزة الخ... كان اللحاق بـ"صورة التلفزيون" وأنماط الموضة التي تفرضها الفضائيات اللبنانية، هو المفتاح السحري لأبواب سوق الأزياء وصناعتها. هكذا، على نحو فجائي تقريباً، ظهرت وكالات العارضات، التي تتولى تأمين العارضات الشابات للطلب المتزايد من إقامة العروض. وكالات تتولى تدريب الشابات على "الكات ووك" وتراقب نظامهن الغذائي، وتوزع الأدوار عليهن، كرموز لأسلوب موضة، أو كمثالات لأناقة، وذوق. إلى جانب وكالات العارضات، كانت صالونات تصفيف الشعر تتطور إلى صالونات متعددة الوظائف: مستحضرات تجميل خاصة، عمليات التجميل المعقدة (الحقن والوشم)، الماكياج الذي بات علماً وفناً وتخصصاً. وفي المقابل انتهى عهد "تدريس الخياطة والتطريز" البدائيين لصالح نشوء معاهد "تصميم الأزياء" التي تعطي شهادة تعليمية معتَمَدة دولياً، وهي باتت تخرّج عشرات المصميين سنويًا. وبالتساوق مع هذا كله، كانت تتم شراكات استثمارية بين تجار لبنانيين (أغلبهم من السيدات) وبيوت أزياء عالمية، في مجال افتتاح متاجر وصالونات أزياء، وإقامة عروض أزياء موسمية، إضافة الى نشوء وكالات تتولى ترويج تصميمات لبنانية في أسواق عربية وعالمية. اليوم، يعد مصممو الأزياء اللبنانيون، في مجال "الهوت كوتور" بالعشرات، وقد حصّلوا مصداقيتهم الفنية عبر تأكيد حضورهم في مدن الأزياء، مع مثابرتهم على اسابيع الموضة في كل من باريس وميلانو، وتحصيلهم لسمعة جيدة، حتى على "السجادة الحمراء" لهوليوود،حيث تستعرض فنانات السينما الأميركية فساتينهن مع حفلات الأوسكار والعروض الأولى للأفلام. بمعنى آخر، استجمعت بيروت شروط تحصيلها على لقب "مدينة أزياء" وتمركزت فيها صناعة مزدهرة ومربحة جداً، ترفدها مواهب المصممين، وتتجمع حولها صناعات ثانوية شديدة الأهمية (التلفزيون، العارضات، تجارة الأقمشة وصناعتها، معامل الخياطة والتطريز، الحياكة اليدوية، الاكسسوارات التزيينية، ومهن تصفيف الشعر والتجميل، المعاهد التعليمية، المحالّ التجارية، استشارات فنية وتصوير) ومهن تجهيز العروض من إضاءة وإخراج وموسيقى وإدارة مسرح، ومكاتب تسويق وصحافة ... الخ.

وهذا يعني قيام ثقافة كاملة ووظائف وأدوار ومهن ومتطلبات فنية وتقنية وخبرات عملية واستثمارات ودورة إنتاج ينخرط فيها جزء مهم وتخصّصي من القوى العاملة في لبنان. إنه قطاع اقتصادي قائم بذاته. والأهم أنه يلعب دوراً حاسماً في رسم صورة العاصمة اللبنانية، ما يؤثر على قطاعات كبرى أخرى: اعلام، سياحة، تجارة وثقافة. مع استتباب ثقافة "الكات ووك"، واندراجها في يوميات بيروت ما بين "الداون تاون" والفنادق وقاعات المعارض، ومع سيطرة >الهوت كوتور< اللبنانية على السوق العربية، وانتشار "الفاشن" تلفزيونياً، كان تعوّد الناس في العالم العربي وإقبالهم على قناة (Fashion T.V) دافعاً لأن تخصص هذه المحطة قناة جديدة هي (Fashion T.V. Arabia) خاصة بالعالم العربي، وتعتمد بشكل أساسي على بيروت وعالمها وليلها ونشاطاتها في عالم الأزياء والموضة ونجومها. والآن حقق برنامج (Fashion Project) الذي تبثه قناة "المستقبل (Future)، نجاحاً ملحوظاً أكد ظاهرة الانجذاب العربي الاستثنائي نحو عالم الأزياء والموضة. هذا البرنامج الذي يعتمد أسلوب المسابقة بين منافسين شباب على لقب >مصمم العالم العربي للعام 2006 ويعتمد نظام التصفية التدريجية من حلقة إلى أخرى، أظهر بالدرجة الأولى مبادئ العمل في هذا الميدان: الابتكار الفني، المهارة اليدوية الفردية، ثقافة عامة وإلمام نسبي بتاريخ الفن وأنساقه ومدارسه، مجاراة المزاج العالمي في السينما وفي الملبس وفي الأفكار والسلوك، والنزعات الشبابية والتقليعات التعبيرية في عالم البوب... إضافة الى تحصيل علمي في مجال تاريخ الأزياء والتصميم وتقنياته. وباختصار، نحن إزاء ما يسمى بـ"الديزاين" (التصميم والابتكار الفني). فكلما ظهر على متسابق في هذا البرنامج ميل نحو التحفظ أو الروح التقليدية، كان مصيره الانسحاب من البرنامج. والملاحظ، بوصفه برنامجاً تخالطه طريقة "التلفزيون الواقعي"، اننا كنا نتابع يوميات هؤلاء المصممين الشباب، ما أتاح لنا التعرّف على هؤلاء الذين ينتمون الى عالم خاص، نادراً ما نستطيع معاشرته أو إدراك أسراره وتبيانه. فعلى العكس من تصوّرنا المسبق، يبدو هؤلاء جزءاً تاماً من عالم الفن، أي أنهم يتعايشون مع همّ "الإبداع" الذي هو بالنسبة لهم، عمل ابتكاري فني، يعبّرون من خلاله عن ذواتهم وعن تصوراتهم وعن موقفهم الجمالي ويحاولون رسم خط تعبيري خاص بهم، أي يحاولون باستمرار التأكيد على "أصالة" نتاجهم الفني.صناعة الأزياء فنّنا الجديد | يبدو ذلك خصوصاً في الحلقة التي عرضت قبل اسبوعين، حيث كان على المتسابقين أن يصمموا زياً من وحي شخصية مشهورة، تاريخية أو فنية، حقيقية أو أسطوري. المتسابق العُماني اختار شخصية "فريدا كالو" (الرسامة المكسيكية)، فيما اختار المتسابق السعودي شخصية الدمية "باربي"، والمتسابقة اللبنانية شخصية الممثلة جيسيكا باركر، والمتسابق اللبناني شخصية الممثلة في حقبة الثلاثينات والأربعينات مارلين ديتريش، والمتسابق اللبناني الآخر شخصية الغيشا من الفيلم الجديد الذي يحمل العنوان نفسه. هذه الانتقاءات تدل على صلة أكيدة بأيقونات الثقافة الشعبية (العالمية)، لكن مع درجة أعلى نسبياً (فريدا كالو، مارلين ديتريش). والنتيجة التي أتت بها الأزياء المنفَّذة جعلتنا لا ننظر إلى >الخياطة< و>التقنية< و>الأناقة<، بل إلى قوة التعبير، إلى الكثافة الرمزية التي يحملها الزي وإلى هذه القدرة على التمثيل والمسرحة في خيارات التصميم وتنفيذه. على كل حال، فإن المثالات التي يهبنا إياها عالم الأزياء، ومن خلال هذا البرنامج تحديداً، هي أن هناك شريحة واسعة من الشباب العربي، وعلى الرغم من كل السائد سياسياً وفكرياً ودينياً، ما زالت جانحة نحو الحداثة ونحو المعاصرة، وهي تأخذ بالفن خياراً وطريقة عيش وأسلوب حياة. بل ومن خلال هذا العالم، المتلفَز، تم تمرير رسالة جد عميقة: حق الاختلاف في المجتمع. وأشير هنا تحديداً الى تعويد المجتمع العربي على قبول الحضور اللائق والخاص لعالم "المثليين". حضور فني عبّر عن عالمهم الأنيق. عالم يبرعون فيه. فمن خلال معاشرة هؤلاء الشبان (تلفزيونياً) لم نعد نستغرب أن نجد رجلاً هوايته اقتناء دمى "باربي" (أحد المتسابقين يجد باربي مثاله وعالم أحلامه الزهرية ولديه أكثر من 730 دمية باربي). لم نعد نستغرب أيضاً أن نجد متسابقاً يبكي بحرقة خسارة زميله ومنافسه، تماماً كبكاء العاشق على فراق حبيبه، تماماً كما لم يعد يستهجن المتفرجون في العالم العربي هذا الاختلاط والتلامس ما بين المصممين والعارضات، من دون أن يعني ذلك ما يتخطى مجالات العمل ومتطلبات التعاون المهني. أهذا هو "النيولوك" للعالم العربي إزاء صورته السائدة حجاباً ولحى ووجوه متجهمة؟ على الأقل، هذا ما تقترحه بيروت، ثقافة وعيشاً، ولا رهان إلا على الشباب والجمال.

يوسف بزي