الإعلان

 

مجتمع سوريا من "سلمية، سلمية" إلى "الله محيي الجيش الحر"
من "سلمية، سلمية" إلى "الله محيي الجيش الحر"
حسان عباس   

رفعت الانتفاضة السورية منذ انطلاقتها شعارا عاماً عرف باسم: لاءات الثورة الثلاثة (لا للطائفية، لا للعسكرة، لا للتدخل الأجنبي). وقد حرصت القوى السياسية والشعبية المشاركة في الانتفاضة على الالتزام بهذا الشعار، غير أن المراقب لتطور الأحداث لا يمكنه إلا أن يلاحظ خفوت حدة الرفض الذي تعنيه هذه اللاءات وتحول بعضها إلى ما يصل حد نقيضه. ويبرز ذلك بشكل خاص مع اللا ذات الصلة بعسكرة الانتفاضة.

سادت في الأشهر الأولى صفة السلمية الكاملة على الانتفاضة، فكانت المظاهرات تسير وراء شعار "سلميّة، سلمية" فخورة برفضها لأي شكل من أشكال التسلّح، وهذا ما منحها تفوقا أخلاقيا في وجه العنف الذي لم يتردد النظام عن استخدامه منذ اليوم الأول للمواجهات، يوم إطلاق قواته النار على جموع المتظاهرين المنتفضين لكرامتهم في مدينة "درعا". لم يكن الميزان بين الطرفين ميزان قوّة عسكرية بل ميزان قوى غير متجانسة: قوة الحق متشبثة بمناقبيتها وقوة الظلم متباهية بعتادها الكامل.

من "سلمية، سلمية" إلى "الله محيي الجيش الحر" |

عنف النظام وسلمية الانتفاضة

كان العنف خيار النظام الأول والأخير. عنف متصاعد ليس في وتيرة استخدامه فحسب بل أيضا في حجمه. في البداية كان عدد القتلى يقفز من شهر إلى آخر، وكان السلاح المستخدم سلاحا فرديا، لكن بعد الأشهر الأولى صارت أعداد القتلى تحصى أسبوعيا ثم يوميا ثم بالساعة. وكذلك بعد الأشهر الأولى لم يعد السلاح الفردي هو المسموع في فضاءات المواجهة بل دخلت المدفعية فالأسلحة الثقيلة فالدبابات، وثمة من يؤكّد مساهمة الطائرات العمودية أيضا. عنف يتناسل من ذاته ويكبر كوحش أسطوري أو كمخلوق سينمائي في أفلام الخيال والرعب.

في المقابل، التزمت الانتفاضة بسلميّتها. وكانت ذريعتها في ذلك عدة قضايا:

1- المقاومة السلمية، غير المسلحة، هي مصدر قوة الحق التي تمنح التفوّق الأخلاقي للانتفاضة

2- المواجهة المسلحة ستدفع النظام نحو استخدام المزيد من القوة مما سيؤدي إلى المزيد من القتلى المدنيين

3- ميزان القوة العسكرية في صالح النظام وجيشه الضخم، ومواجهته بالسلاح ستعطيه فرصة الانتصار

4- تسليح الانتفاضة سيخلق مشكلة نزع السلاح من يد أصحابه بعد نهاية الأزمة

5- المسلّحون سيكتسبون سلطة لن يرضوا بسهولة التخلي عنها بعد نهاية الأزمة.

لقد عرفت الانتفاضة إذن أن اللجوء إلى السلاح، وإن شفى شيئا من غليل الضحايا، سيشكل في النهاية تفوّقا، لا سبيل لمواجهته، للقتلة. ولكن النظام كان يعرف هذا أيضا، وكان يبتهج لظهور مؤشرات تحول المواجهة إلى مواجهة عسكرية بل كان يشجعها.

من "سلمية، سلمية" إلى "الله محيي الجيش الحر" |

التسلّح دفاعاً عن النفس

أولى مظاهر التسلح كانت "طبيعية" ومتوقّعة إلى حدّ ما. فغريزة البقاء هي صفة الكينونة لكل الكائنات في الطبيعة، والإنسان شرعن الحق في الحياة وفي الحفاظ عليها، لذلك لم يكن غريبا أن يلجأ الكثير من المواطنين إلى حمل سلاح يعتقدون أنه سيساعدهم على حماية حياتهم وحياة أطفالهم وعائلاتهم حين تهجم قوات النظام على بيوتهم وتنتهك حرمتها. مثّلت عمليات مداهمة البيوت بحثا عن المعارضين الشكل الأكثر ممارسة من قبل قوات النظام، وقد رافقت هذه العمليات أعمال عنف عديدة من ضرب أهل البيت، إلى تخريب الأثاث، إلى نهب كل ما غلا سعره وخف وزنه، إلى القتل. فكان اللجوء إلى السلاح الخيار الوحيد أمام الناس المهددين بلقاء مصير من هذا النوع دفاعا عن بيوتهم وأهلهم وأنفسهم.

انشقاقات الجيش وتشكل الجيش السوري الحر(A.S.L.)

من "سلمية، سلمية" إلى "الله محيي الجيش الحر" |

رياض الأسعد، قائد الجيش السوري الحر

بدأت الانشقاقات في الجيش منذ الأسابيع الأولى للمواجهات، لكنها لم تكن تظهر للعلن لأن كثيرا من الجنود الذين رفضوا الانصياع لأوامر قادتهم بضرب المدنيين العُزّل تمّ حبسهم أو تمّت تصفيتهم ميدانيا، ولأن عدد المنشقين كان قليلا جدا ولا يثير انتباه وسائل الإعلام.  لكن مع مرور الوقت، وتزايد العنف، وازدياد الضغط النفسي والجسدي على الجيش، ازدادت أعداد المنشقين وبدأ ضباط من رُتَب متوسطة إعلان انشقاقهم فرديا أو مع مجموعاتهم، وطبعا مع أسلحتهم الفردية. فبدأ السلاح ينتقل من صف الجيش النظامي إلى صف الانتفاضة السلمية. لكنه لم يكن سلاحا مشاركا في الانتفاضة بعدُ لأن المسؤولية التي ألقيت على عاتق هذا الجيش كانت حماية المتظاهرين من هجوم قوات النظام. أي أن السلاح انتقل إلى إطار الانتفاضة، إلى هوامشها، وليس إلى متنها، أو قلبها. ومع ازدياد الانشقاقات واتساع الرقعة التي تحصل فيها، تشكلت مجموعات مبعثرة على امتداد سورية، فقام الضباط أصحاب الرتب العليا بمحاولة ضبط عمل هذه المجموعات في تشكيل موّحد وهكذا أُعلن، يوم 29 تموز 2011، عن تشكيل ما يسمى بالجيش السوري الحر.

من "سلمية، سلمية" إلى "الله محيي الجيش الحر" |

لم يكن لدى عناصر هذا الجيش لحظة انشقاقهم غير سلاحهم الفردي وما يستطيعون حمله من ذخيرة، ولذلك لم يكن بمقدورهم القيام بعمليات عسكرية توازن العمليات التي يقوم بها الجيش النظامي. كما أن طبيعة جيشهم كجيش لا مكان له يحتمي فيه فرضت عليهم بأن يبقوا أشبه ما يكونوا بجيش عصابات (maquisards)، وظيفته الأولى حماية التظاهرات من هجوم قوات النظام. وقد كرّست الانتفاضة هذه الطبيعة حين أطلقت على أحد أيام الجمعة، وهو يوم الاحتجاج العام، اسم (جمعة: الجيش السوري الحر يحميني).  ولما كان هذا الجيش عاجزا عن إعداد ما يكفي من قوة لمواجهة هجوم الجيش النظامي لجأ إلى إستراتيجية الضربات الوقائية فصار يهاجم الآليات العسكرية التي تنقل الجنود، وهي في طريقها إلى ساحات المواجهة. غير أن ضعف إمكانياته جعل من هذه العمليات كضربة سيف في بركة ماء، ناهيك عما شكلته من إساءة للصورة السلمية التي جهدت الانتفاضة للحفاظ عليها.

المتطوعون

أثارت صورة جنود الجيش السوري الحر، بلباسهم المبرقع وسلاحهم المرفوع وجرأتهم على مواجهة الموت الذي يتهددهم، مخيلة الكثير من الشباب المتحمسين الذين يريدون التحوّل من صورة المتظاهر المنفعل إلى صورة المقاتل الفاعل. وأخذوا يعلنون عن رغبتهم في أن يتشبهوا بهم، فأقيمت معسكرات التدريب السرية، وجرت عمليات تهريب السلاح (بمساعدة مسؤولين فاسدين وجدوا في هذه العمليات مصدرا جديدا للثراء)، وبدأ توافد الشباب المتطوعين إلى المعسكرات ليتخرجوا منها مقاتلين رافدين للجيش السوري الحر.

الله محيي الجيش الحر

بقيت المظاهرات الاحتجاجية والاعتصامات سلمية في جوهرها، وفي أدائها المدني لكنها أصبحت محمية بإطار عسكري. ونشأت بين هذين المكونين (المدني والعسكري) علاقات تعايش، وتأثير متبادل. المكون المدني يحتضن الثوار المسلحين ويؤمن لهم كل متطلبات العيش (غذاء، سكن، رعاية...)، والمكون العسكري يحمي الأحياء المدنية ويدفع عنها خطر هجوم قوات النظام.

ونتيجة لذلك بدأت تغيب عن المظاهرات شعاراتها السلمية التي سادت في البداية لتظهر مكانها شعارات تمجد العمل العسكري وأشهرها ذاك الذي يتغنى بالجيش الجديد ويقول: "الله محيي الجيش الحر".

أصبح الجيش السوري الحر عنصرا له وزنه الحقيقي والمحسوس في سورية. فأخذت غالبية التشكيلات السياسية المعارضة تخطب وده وتعلن توافقها معه. وقد غيّر هذا الوضع كثيرا في معادلة الصراع، بحيث لم تعد قوة الحق الأخلاقية هي وحدها في مواجهة قوة النظام العسكرية. وهذا ما يجعلنا نرى أن النظام قد انتصر على هذا الصعيد مرتين: انتصر أولا بتشويه الصفة السلمية للانتفاضة، وانتصر ثانيا بجرّه للصراع إلى ملعبه، الحلبة العسكرية.


حسان عباس

المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (Ifpo)

دمشق- سورية