الإعلان

 

مجتمع سوريا مشاهدات وقصص من داخل سجون النظام السوري
مشاهدات وقصص من داخل سجون النظام السوري
عمر الأسعد   

 

يُقلَّب الدكتور محمد (هويته) الجديدة، ثم ينظر إلى جاره في السرير المجاور، ويغرق في نوبةٍ من الضحك، فالهوية التي يحملها الآن الدكتور المعتقل في سجن عدرا تشتمل عبارةً تدل على (جريمته!) وهي "إضعاف الشعور القومي"، كذلك يتقاسم نفس الجرم مع فراس المستلقي في السرير العلوي، ويؤكد الدكتور أن:" هذا الفتى كما يقولون في اللهجة الدارجة درويش، فهو ليس مجنوناً أو متخلفاً عقلياً، لكنه لا يعي كل ما يحصل حوله بمنطقية، حتى مخارج الحروف لديه غير سليمة، وملامح وجهه لو تحدثنا طبياً تشي أنه غير طبيعي."


مشاهدات وقصص من داخل سجون النظام السوري | لا مشكلة إذا كان فراس إنساناً طبيعياً أم لم يكن، فهو في النهاية ليس إلا رقماً من جملة أرقام المعتقلين القابعين في السجون السورية، وحملات الاعتقال العشوائي التي قادتها قوات الأمن السوري، لم تميز بينه وبين غيره، وللأسف حتى بعض القضاة أيضاً لم يميزوا بينه وبين غيره، وعلى غرار حالته هناك كثير من الحالات داخل السجون اليوم، ولكل معتقلٍ فيهم قصة.
البلاد النازفة منذ أشهر، دفعت بكثير من أبنائها إلى المعتقلات، وأودعتهم لفتراتٍ في أقبية الأفرع الأمنية، هناك حيث ينسى (الموقوف على ذمة التحقيق!) حتى اسمه كما يؤكد كثيرون منهم، لأنه سيستبدل فوراً بإحدى الشتائم التي سترافقه طيلة فترة اعتقاله، ولا داعي لأن يعرّف نفسه باسم عندها.


مشاهدات وقصص من داخل سجون النظام السوري | من جهته يؤكد رضوان 18 عاماً أنه لم يشترك حتى في المظاهرات، نظراً لانشغاله بالدراسة لامتحان الشهادة الثانوية، لكن حملة اعتقالات جائرة أدت إلى اعتقاله، وألصقت به غرف التعذيب والتحقيق تهمة (إرهاب المدينة)، وهو يعتبر أن هذه التهمة وجهت له لا لشيء إنما فقط  بسبب قرابةٍ تجمعه مع أحد المعارضين السوريين في الخارج، ولذلك لا يعتبرها إلا: "تهمة انتقامية، ولا أساس لصحتها أو دليل."
أفرد جناح كامل لمعتقلي الأحداث الأخيرة في السجن المركزي بدمشق والمعروف بسجن عدرا نسبة إلى المنطقة الموجود فيها، لعزلهم عن باقي السجناء الموجودين هناك، ويراوح عدد المعتقلين في هذا الجناح بين 400 إلى 600 شخص، بحسب شدة حملات الاعتقال من أصل حوالي 6800 سجين لأسباب مختلفة جنائية واقتصادية وأخلاقية وغيرها...  
يختلف الجو العام في هذا الجناح عن باقي الأجنحة، لأن من فيه يؤكدون على أنهم:" أصحاب قضية"، لذا يرفضون أن يتطبعوا بأطباع بعض السجناء بالتحديد المجرمين منهم، فيحاولون التغلب على ظروف  الاعتقال القاسية، والتي يشكوا فيها السجناء من قذارة المكان، وتحميل (الغرف/ المهاجع) فوق طاقة استيعابها من السجناء، إضافةً إلى إهمال الرعاية الصحية أو الطبية، وانتشار أمراض السجون من التهابات الأجهزة التنفسية والانتانات الجلدية بشكل كبير بينهم، يضاف إلى هذا حرمانهم من الزيارات وحصرها في يومٍ واحد في الأسبوع، مترافقة في نفس المكان مع زيارات جناح الآداب العامة، ويضاف إلى هذا التضييق على حركة السجناء، وإخضاع بعضهم للمراقبة، وابتزازهم بفساد عناصر الشرطة الذين يطالبونهم بالرشوة دائماً حتى مقابل إعطائهم حقوقهم المنصوص عليها قانونياً.

مشاهدات وقصص من داخل سجون النظام السوري | ولا يجد السجناء ما يملؤون به وقتهم سوى الحديث عن الثورة القائمة في البلاد، لأن السجن يخلوا من أي وسيلة لتملأ فراغ الموجودين هناك، ما عدا مكتبة واحدة يمنع دخولها لسجناء هذا الجناح، لذا يضطرون إلى توصية مندوب مخصص لاستعارة الكتب منها.
ورغم كل هذه الظروف القاسية إلا أن السجناء في السجن المركزي يعتبرون أن حظهم أفضل من غيرهم، لأنهم وصلوا إلى هذا السجن أحياء وانتهوا من مرحلة التحقيق وعذابها في الأفرع الأمنية، ففي سوريا لا يجوز قانونياً إيقاف المواطن على ذمة التحقيق لدى الجهات الأمنية أكثر من ستين يوماً، خاصةً بعد أن رفعت حالة الطوارئ، ثم يحال الموقوف بعدها إلى القضاء، لكن الجهات الأمنية لا تلتزم بتطبيق القانون دائماً فكثير من المواطنين قضوا ثلاثة أو أربعة أشهر دون أن يحالوا إلى القضاء، هذه الفترة تحمل ألواناً من التعذيب النفسي والجسدي لا تفارق تفاصيلها أحاديث المعتقلين.
يؤكد معن:" بقيت مشبوحاً ثلاثة أيام"، والشبح هو وسيلة تعذيب، تعتمد على تعليق الأيدي بالقيود إلى الأعلى، ليترك الشخص واقفاً على رؤوس أصابعه، حيث يغدو ثقل الجسم كله متمركزاً في اليدين المعلقتين.
يضاف إلى (فن الشبح!)، فنونٌ أخرى من التعذيب، منها الكهرباء بالتحديد من خلال العصي الكهربائية التي بات يعرفها معظم السوريون هذه الأيام، كذلك يأتي ( الدولاب) في رأس قائمة العذاب الأليم الذي يمكن للمواطن السوري أن يتعرض له في أفرع الأمن، وبعد كل هذا لا يضير الجلاد أن يأخذ موقوفيه بجولةٍ على (بساط الريح) وهذا الأخير لوح خشبي يشد إليه الجسد بعد أن يمدد على الأرض، وهو قابل للطي عند منطقة الحوض، وبعد أن يطوى الشخص يبدأ الضرب على كافة أنحاء الجسم، بينما تتكفل عملية الطوي بكسر الظهر أحيانا، وتترافق أساليب التعذيب هذه، مع أفظع عبارات الشتم والسباب التي تطال الأعراض والحياء الإنساني بشكل عام، والتهديد الدائم بتلفيق التهم.
ويشعر المعتقلون بامتنان لثورتهم، التي أنهت أطول حالة طوارئ عرفها التاريخ قاربت نصف قرن من الزمن، فكانت التوأم الذي لم ينفصل عن حكم حزب البعث للبلاد منذ عام 1963، فقبل رفع حالة الطوارئ لم تكن مدة التوقيف محصورة بشهرين، بل كان بمقدور السلطات أن تعتقل المواطن إلى ما لانهاية مع تجديد قانوني لمدة ستة أشهر، لكن هذا لا يعني أن كل المعتقلين يخرجون بعد شهرين أو أكثر بقليل من المعتقلات الأمنية، لأن هناك كثيراً من حالات الاختفاء التي شهدتها أيام الثورة السورية وفيها قامت الجهات الأمنية باختطاف أشخاص ولم يعرف مصيرهم حتى الآن.
لا تتوقف معاناة المعتقل عند أفرع الأمن وغرف التحقيق فقط بل تتعداها إلى التهم التي يمكن أن توجه إليه، ورغم إلغاء محكمة أمن الدولة بقيت التهم التي كانت ترافق المعارضين السياسيين أمامها، موجودة لترافقهم هذه المرة أمام القضاء المدني أو العسكري، ومنها إضعاف الشعور القومي، والنيل من هيبة الدولة، وتعكير صفاء الدولة، ونشر الأنباء الكاذبة، وإثارة النعرات الطائفية، والانتماء إلى الجمعيات المحظورة، وغيرها من التهم التي قد يصل بعضها إلى العصيان المسلح وإرهاب المدينة ...
بينما يؤكد كثير من المعتقلين أن تهمهم لا أساس لها من الصحة، بل هي مجرد قرارات أمنية معلبة تستند إلى اعترافات أخذت تحت التعذيب أو إلى تقارير أمنية كيدية، فيكفي أن يحوي الهاتف الخليوي على مقطع فيديو واحد لمظاهرة أو حتى على أغنية (يا حيف) ليصبح صاحبه متهماً بنشر الأنباء الكاذبة وهذه الأنباء الكاذبة تتبعها عبارة "التي من شأنها أن توهن نفسية الأمة"، ما قد يعرض حامل هذه التهمة إلى مدة اعتقال قد تصل إلى ثلاث سنوات بحسب قانون العقوبات، كذلك يكفي أن يكتب أحد الشبان عبارة على صفحة إحدى التنسيقيات على موقع الفيس بوك ليغدو هذا دليلاً على انتمائه إلى "جمعية محظورة تسعى لتغيير كيان الدولة".

 

مشاهدات وقصص من داخل سجون النظام السوري |

ويشير القانون السوري إلى أنه لا يخضع المدنيون إلى محاكمات عسكرية إلا في حال كان أحد طرفي القضية عسكرياً، أو وقعت آثار الجرم على المؤسسات العسكرية وما يتبعها، لكن هذه القاعدة القانونية يتم تجاوزها في كثير من الأحيان وتتكفل الجهة الأمنية بتحويل الموقوف إلى أي محكمة تحددها، وهنا يؤكد محامون ونشطاء حقوقيون أن:" أمام المحاكم العسكرية اليوم ما يقارب 10 آلاف دعوة متعلقة بالأحداث الأخيرة، ونسعى لفصل كثير منها وتحويلها إلى القضاء المدني لعدم الاختصاص في القضاء العسكري."
ما سبق ذكره ليس إلا جزءاً من مشاهدات عاينها وتجربة عاشها كاتب هذه السطور، بين فترتي اعتقال قضاها في سجون النظام السوري، وربما ما خفي ولم أستطع الوقوف عليه ومعاينته كان أعظم.