الإعلان

 

مجتمع سوريا مسيحيو سوريا بين النظام والإسلاميين
مسيحيو سوريا بين النظام والإسلاميين
عمر يوسف سليمان   


مسيحيو سوريا بين النظام والإسلاميين |
من أمام جامع (خالد بن الوليد) في حمص، حيث انطلقت أول مظاهرة ضد النظام في 18/03/2011،‮ ‬كان‮ ‬الشاب‮ ‬ماهر‮ ‬نقرور‮ ‬أول‮ ‬من‮ ‬صرخ‮ ‬بكلمة‮ (‬الله‮ ‬أكبر‮)‬،‮ ‬بعد‮ ‬أن‮ ‬أحاطت‮ ‬قوات‮ ‬الأمن‮ ‬بالمسجد‮ ‬وبدأت‮ ‬الهجوم‮ ‬على‮ ‬المتظاهرين،‮ ‬لم‮ ‬يتداول‮ ‬أبناء‮ ‬المدينة‮ ‬حينها‮ ‬خبراً‮ ‬مفاده‮ ‬أن‮ ‬هذا‮ ‬الشاب‮ ‬كان‮ ‬مسيحياً،‮ ‬لكن‮ ‬ما‮ ‬أثار‮ ‬استياء‮ ‬واسعاً‮ ‬بينهم‮ ‬هو‮ ‬اغتيال‮ ‬ماهر‮ ‬برصاصة‮ ‬قناصة‮ ‬بعد‮ ‬شهرين‮ ‬أثناء‮ ‬خروجه‮ ‬من‮ ‬منزله‮ ‬في‮ ‬حي‮ (‬الإنشاءات‮)‬،‮ ‬فقد‮ ‬تحولت‮ ‬جنازته‮ ‬إلى‮ ‬مظاهرة‮ ‬كبيرة.

ثمة تساؤل يُطرح عند البحث عن التواجد المسيحي‏‭ ‬في‮ ‬الحراك‮ ‬السوري،‮ ‬ما‮ ‬موقفهم؟‮ ‬وهل‮ ‬تفاعلوا‮ ‬بما‮ ‬يكفي؟،‮ ‬والحال‮ ‬أننا‮ ‬إن‮ ‬أردنا‮ ‬الجواب‮ ‬بلغة‮ ‬المواطنة‮ ‬فليس‮ ‬من‮ ‬المنطق‮ ‬وضع‮ ‬المسيحيين‮ ‬في‮ ‬مكوِّن‮ ‬سياسي‮ ‬واحد،‮ ‬وإلا‮ ‬سننتقل‮ ‬إلى‮ ‬مفهوم‮ ‬المحاصصة‮ ‬الطائفية،‮ ‬غير‮ ‬أن‮ ‬انتشار‮ ‬السلاح‮ ‬ووحشية‮ ‬النظام‮ ‬وعدم‮ ‬تبني‮ ‬المجلس‮ ‬الوطني-الذي‮ ‬كان‮ ‬مسيطَراً‮ ‬عليه‮ ‬من‮ ‬الأخوان‮ ‬المسلمين-‮ ‬لخطابٍ‮ ‬علمانيٍ‮ ‬واضح‮ ‬ومطبَّقٍ‮ ‬عملياً؛‮ ‬كلها‮ ‬كانت‮ ‬أسباباً‮ ‬لانكفاء‮ ‬المسيحيين‮ ‬وعدم‮ ‬استمرارهم‮ ‬بنفس‮ ‬الوتيرة‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬عليه‮ ‬خلال‮ ‬الأشهر‮ ‬الأولى‮ ‬من‮ ‬الحراك،‮ ‬إضافة‮ ‬إلى‮ ‬أنهم‮ ‬لا‮ ‬يملكون‮ ‬تاريخاً‮ ‬دموياً‮ ‬خاصاً‮ ‬مع‮ ‬النظام‮ ‬الذي‮ ‬كثيراً‮ ‬ما‮ ‬عمل‮ ‬على‮ ‬استمالتهم‮ ‬واسترضائهم‮ ‬فسمح‮ ‬لهم‮ ‬بإقامة‮ ‬شعائرهم‮ ‬الدينية‮ ‬وبالعيش‮ ‬وفق‮ ‬أنماطهم‮ ‬الاجتماعية.

بعد أن أعلن الإسلاميون عن دعواتهم الجهادية بشكل واضح، وعلى رأسهم (جبهة النصرة) الذي تلاه زمنياً تنظيم (داعش)، تم وأد الحضور المسيحي في الحراك السوري، يكفي ذكر أن الأب (باولو دالوليو) المناوئ للنظام لم يُعتقل من قبل الأجهزة الأمنية بل من قبل (داعش) في 29/07/2014‮ ‬  ولا‮ ‬زال‮ ‬مجهول‮ ‬المصير‮ ‬حتى‮  ‬اللحظة

مسيحيو سوريا بين النظام والإسلاميين |

أما الراهب اليسوعي الهولندي (فرنسيس فاندرلخت) الذي قضى سنوات من عمره في (دير الآباء اليسوعيين) في حمص، فقد آثر البقاء خلال مرحلة الحصار التي عزلت المدينة القديمة عن العالم، إلى أن تم قتله في حي (بستان الديوان) في شهر نيسان/أبريل الماضي، وما زال الجاني مجهولاً،


مسيحيو سوريا بين النظام والإسلاميين |

إضافة إلى خطف 12 راهبة في معلولا من قبل (جبهة النصرة)، لتتم مقايضتهن بمعتقلين لدى النظام، وفي عملية الخطف هذه دليل على كم الابتزاز الذي يتعرض له مسيحيو سوريا بسبب وضعهم الدولي ومرجعيتهم الكنسية المتصلة بالفاتيكان.

لم تقتصر أضرار المسيحيين السوريين على الجانب البشري بل تعدتها إلى الكنائس والأديرة، ففي معلولا أيضاً، والتي تحتفظ بآثار تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد تعرضت كنيسة يوحنا المعمدان التي يحتويها دير القديسة تقلا للحرق الكامل، كما تعرضت كنيسة القديس لاونديوس والقديسة بربارة والقديسين سركيس وباخوس إلى سرقة المحتويات وتساقط بعض الجدران نتيجة سقوط قذائف الهاون حسبما ذكر موقع (المديرية العامة للآثار والمتاحف)، أما في حمص فقد أصيبت عشر كنائس أشهرها كنيسة (أم الزِّنار) بقذائف هاون هدمت جزءاً من بنائها ومحتوياتها، وفي حلب تضررت سبع كنائس من بينها مطرانية حلب للسريان الكاثوليك، بالإضافة إلى كنائس متفرقة في دمشق ودير الزور واللاذقية وإدلب والرقة، تُعدُّ هذه الأعمال جزءاً من التدمير الممنهج للآثار والذاكرة السورية التي شملت حتى الآن ثلاثة ملايين مبنىً بينها ثمانمائة ألفاً مدمراً بشكل كامل حسب (الشبكة السورية لحقوق الإنسان)، هذه الأعمال يتورط بارتكابها كل من النظام والحركات الإسلامية المسلحة، وبإمكاننا أن نضعها ضمن التغيرات الجغرافية التي تشهد الأرض السورية.

ما سبق يجعلنا نتساءل عن مستقبل المسيحيين في سوريا التي تفكك نسيجها الاجتماعي وتحولت إلى بؤر للصراع، علماً أنهم لم يتعرضوا عملية تهجير جماعي كما حدث في مدينة (الموصل) العراقية، فالمسيحيون الذين شاركوا في الحراك بنفس السوية التي شاركت فيا الأكثرية-وفق النسبة والتناسب- أصابهم حتى الآن من القتل والتشريد والتخريب ممتلكات ما أصاب أغلب السوريين أيضاً.

مسيحيو سوريا بين النظام والإسلاميين |


معلولا
عمر يوسف سليمان