الإعلان

 

مجتمع سوريا التغيير من الداخل في سوريا غير ممكن إلا بدعم دولي
التغيير من الداخل في سوريا غير ممكن إلا بدعم دولي
يوسف بزي   
التغيير من الداخل في سوريا غير ممكن إلا بدعم دولي | مأمون الحمصي هو أحد أشهر المعارضين في دمشق ، وأحد رجالات «ربيع دمشق» الذين تم اضطهادهم علناً من قبل اجهزة المخابرات السورية. في هذا الحوار مع باب المتوسط نكتشف كيف ان الديكتاتورية «تنجح» في تحويل سياسي مسالم و«اصلاحي» إلى «معارض» جذري لا يجد بداً من تغيير نظام الحكم برمته .

في مكان ما التقيت بالنائب السوري السابق مأمون الحمصي ، احد أشهر المعارضين في دمشق، وأحد رجالات «ربيع دمشق» الذين تعرضوا للقمع والسجن والنفي، وتم اضطهادهم علناً من قبل اجهزة المخابرات السورية. وفي هذا الحوار نكتشف كيف ان الديكتاتورية ونظام الحزب الواحد وتسلط الأجهزة الأمنية على الحياة العامة «تنجح» في تحويل سياسي مسالم و«اصلاحي» ومستعد للتعاطي مع الأمر الواقع بمرونة، وسلاسة، ولا يطمح لغير ان يكون حاملاً لمطالب المواطنين وشكواهم وتحسين العلاقة بين السلطة والشعب.. الى «معارض» جذري لا يجد بداً من تغيير نظام الحكم برمته. عن مسيرته السياسية وتحولاتها كان لنا معه هذا الحوار:

متى قررت الدخول في العمل السياسي، العلني، في سوريا؟

بالطبع، أنا من عائلة دمشقية لها تاريخها السياسي والاجتماعي، ولها بصمتها الوطنية في زمن حركة الاستقلال وفي عهد «الكتلة الوطنية»، وأيام الرئيس شكري القوتلي وفارس الخوري ورفاقهما من رجالات الاستقلال، تلك الفترة (ما بين الثلاثينات ومطلع الخمسينات) التي عرفت فيها سوريا الديموقراطية البرلمانية. لقد تشربت السياسة منذ طفولتي ونشأت مع حكايات وتواريخ رجال عائلتي وعلاقتهم بالناس وبالشأن العام، وهم الذين مثلا باعوا مزارعهم وأراضيهم في ريف دمشق لدعم الثورة وحركة الاستقلال. وبهذا المعنى ترعرعت في بيت عائلة سياسية لها حضور اجتماعي مؤثر قبل مجيء «البعث» عام 1963، الذي أتى بالتأميم والقمع و«الحرس القومي» والتعذيب والعهد الأسود والأحكام العرفية و«حالة الطوارئ». ومذاك ابتعدت العائلة عن كل شأن سياسي كما سائر الوطنيين، الذين اما سجنوا او ابعدوا أو جرى تأميم ممتلكاتهم. فنحن نشهد منذ عام 1963 عهد الحقد ضد كل الوطنيين والسياسيين ورجال الأعمال والوجهاء والتجار والمثقفين. على كل حال، عام 1985 قررت الدخول في انتخابات الادارة المحلية في مدينة دمشق، رغم معارضة الأهل والأقارب والأصدقاء، الذين قالوا لي ان هذا العهد ليس عهد الناس، وبالمقابل، كانت لي وجهة نظر، يحفزها عنفوان الشباب، انه يجب ان نتواجد وان نعمل لـ«الاصلاح» قدر المستطاع، على اساس ان اثبات الوجود افضل من عدم الوجود، وهكذا خضت الانتخابات مستقلاً ونجحت، وكنت اصغر الاعضاء سناً في مجلس محافظة مدينة دمشق، ونلت أعلى نسبة أصوات في كل دمشق. في ذلك العام ابتدأت رحلة العمل السياسي.

ما هي الظروف التي أحاطت بترشحك لعضوية «مجلس الشعب»، ومن ثم فوزك بمقعد نيابي عن دمشق العاصمة؟

عام 1990 كان هناك أزمة حكم وضغط دولي على نظام حافظ الأسد، وكان «مجلس الشعب» معيَّناً بأكمله من قبل حزب البعث، فتخفيفاً للتأزم والضغوط قرر الأسد ان يرفع عدد المستقلين الى 83 نائباً من اصل 250. وتحت شعار «الاصلاح» تحمست لخوض الانتخابات، وفزت فيها، وكنت ايضا الأكثر نيلاً للأصوات في دمشق وأصغر الأعضاء سناً في مجلس الشعب في دورته التشريعية الخامسة.

كيف تصف عمل المجلس وعلاقته بنظام الحكم؟

عندما بات هناك عدد معقول من النواب المستقلين، وترك «النظام» للناس حرية نسبية لاختيار ممثليهم، صار هذا النظام يريد استثمار هذه الصورة واستثمار نشاطنا البرلماني على انه دليل على رعايته للحرية، فكانت مثلا تأتي الوفود التغيير من الداخل في سوريا غير ممكن إلا بدعم دولي | الأوروبية والأجنبية لحضور جلسات «مجلس الشعب» والاستماع الى مداخلاتنا. لكن بالمقابل كان هناك قرار باقفال المجلس في وجه الاعلام، فلا يتسرب منه الى الوسائل الاعلامية الا ما يناسب النظام. ومن غير شك شهدت تلك الفترة جرأة في الطرح وآمالا بالاصلاح، لكن كل ذلك جبه بالمنع والرفض، خصوصاً ان المجلس كان يرأسه رجل سيئ اعتاد خرق الدستور والنظام الداخلي وآلية عمل اللجان وآلية التصويت.

كيف، ومتى بدأت تشعر بأنك «معارض» لا للاداء الحكومي، انما للنظام ككل؟

لبثت نائباً لثلاث دورات، اي لعشر سنوات فقط، فالدورة الثالثة امضيت نصفها في المجلس ونصفها في السجن (وضعت سنتين بالحبس بعد ان حكم علي بخمس سنوات، وكان مقعدي ومقعد رياض سيف، نحن نائبيّ دمشق، شاغرين لمدة سنتين).

أريد ان أعرف ما هي التحولات والأحداث والوقائع التي جعلت من مأمون الحمصي، النائب المستقل الاصلاحي، معارضاً للنظام وسجينآً سياسياً، وهو الآن المنفي طوعاً أو قسراً؟

خلال عشر سنوات قدمت كنائب 300 مداخلة موثقة. ونحن كنواب مستقلين طرحنا موضوعات حول الفساد، وضرورة مراجعة التشريعات المكتوبة التي هي عقاب للشعب وليست لخدمته. من خلال عملنا كسبنا ثقة الناس، وكنا صادقين بطروحاتنا ولم نتردد في اعلانها، وكنا نجبه بحرب من قبل رئيس المجلس، عبد القادر قدورة، ونواب حزب البعث الحاكم وما يسمى «الجبهة الوطنية» لكي يقمعونا بشعاراتهم الفارغة والمزيفة. ورئيس المجلس هذا الذي استمر في منصبه 15 عاما، اقصوه فجأة، فظهر في لقاء صحافي وقال «لقد اخطأنا بحق الناس ولم نترك مساحة للآخرين». تصور، بعد 15 عاما يأتي مسؤول لا شعبية له ويقول «كنا مخطئين». هذا مثال على الأثمان الهائلة التي يدفعها السوريون جراء تسلط النظام. هناك حادثة شكلت مفصلا في نظرتي الى هذا النظام، ففي سنة 1990 وبعد عدة شهور على نيابتي جاءني اتصال من مواطنين يشتكون من ان هناك بواخر قمح في طرطوس فاسدة ولا تصلح للاستهلاك البشري ويريدون ادخالها. وكان هناك موظفون في المرفأ رفضوا السماح بادخالها. فذهبت الى طرطوس وشاهدت البواخر المحملة قمحاً بقيمة اربعة مليارات ليرة سورية في ذلك الوقت، وأحضرت عينة من هذا القمح، وكان في ذاك اليوم نفسه جلسة لمجلس الشعب بحضور الحكومة، فحضرت بعد ان خبأت العينة داخل جريدة وأدخلتها الى الجلسة. طلبت الكلام فقمعني رئيس المجلس بادعاء ان لا نقاش في الجلسة، وان مداخلتي ليست مدرجة ضمن بنود الجلسة، من دون ان يعرف ما الذي اريد قوله، لكنه كان دوماً متخوفاً من مداخلاتي، عندها اخرجت كيس النايلون الذي يحتوي على العينة ورفعته امام اعضاء المجلس والحكومة وقلت: «هذا القمح الفاسد موجود في طرطوس ويريدون ادخاله واطعامه للشعب السوري». ضج المجلس وتحول مسار الجلسة لمناقشة القضية، وطلبت تشكيل لجنة تحقيق برلمانية أكون انا أحد أعضائها. بعد الجلسة مباشرة، بدأت تصلني التهديدات، تلتها حملة من الشائعات والأقاويل والتصريحات مفادها ان القضية هي لعبة مشبوهة من تدبير التجار، بدوري ارسلت العينة الى بريطانيا لاجراء الفحوص عليها، على نفقتي الخاصة، وأتيت بتقارير رسمية تفيد أن هذا القمح لا يصلح حتى للحيوانات، وكذلك اخضعت العينة للتحليل في سوريا في مختبر خاص اكد انها غير صالحة للاستهلاك. مع ذلك، تم ادخال القمح وطحن وأكله الناس. هنا أدركت حجم الفساد، وأدركت ان «الاصلاح» امر صعب جدا، انما ظل يراود ذهني، بحسب المناخ السائد آنذاك، وهم من قبيل «ان الرئيس (حافظ الاسد) لا يعلم بمثل هذه الامور ولو علم لما قبل بها». ومع تجارب أخرى عشتها كنائب وجدت انا وزملائي المستقلون ان الفساد ليس له شكل واحد، بل هو متعدد كبحر جارف على مختلف الصعد وهو مغطى بصوت الخطابات الرنانة. بعد ذلك ومع نهاية الدور التشريعي الخامس عام 1994 جاءت الانتخابات وأسقطوا النواب المستقلين وتلاعبوا بالنتائج. عندها شعرنا انهم ضاقوا بنا ذرعاً. لم يستطيعوا اسقاطي واسقاط رياض سيف، وآخرين لا نريد ذكر اسمائهم، لأن أهل دمشق كانوا شديدي التعاطف معنا، كذلك كانت عين السفارات والمراقبين الدبلوماسين لصيقة بأداء النظام في العاصمة.

بهذا المعنى اصبحت انت وزملاؤك معارضين، لكن ما هي عناوين هذه المعارضة؟

طرحنا عدة قضايا وعناوين أهمها: محاربة الفساد، عدم تدخل الأجهزة الأمنية (المخابرات) بحياة الناس اليومية. اغلاق مراكز المخابرات داخل الاحياء وتحويلها الى مدارس. وقف الأوامر العرفية وحال الطوارئ، اصلاح القضاء وابطال المحاكم الاستثنائية وما يسمى «المحاكم الاقتصادية». من جهته رد النظام علينا بأساليب عدة: الضغط غير المباشر، عرقلة عملنا، الحاق الضرر بمصالحنا المالية.. ثم التهديدات وثم الاتهامات: أنتم عملاء، أنتم ضد الرئيس الأسد، ستذهبون الى السجن الخ.. بعدها بفترة لجأ النظام الى الترغيب والاغراءات مقابل سكوتنا، او توريطنا بصفقات مربحة ليحولوها الى ملفات فساد. هكذا بدأت لعبة الكر والفر، الترهيب والترغيب، وصمدنا ولم نتراجع. كان علينا الاستمرار والتحدي، وكنت ما زلت آمل بالاصلاح، عام 2001 اتى حافظ الأسد لتأدية اليمين الدستورية. بعد انتهاء القسم وقف في الصالون لاستقبال النواب حسب المراسم المعتادة، حين وصلت اليه لمصافحته قلت له امام كاميرات التلفزيون التي تبث مباشرة «يا سيادة الرئيس، اشتد الفقر واشتد الفساد واشتد التسلط». وتحاورت معه لعشر دقائق على الهواء مباشرة. كان رده ان ملفات الفساد لم تكتمل والمعلومات غير دقيقة. قلت له اود ان تكون جلسات المجلس علنية على شاشة التلفزيون كما في دول عربية أخرى، لتكون فرصة للمواطن كي يعرف ويشهد، وهذا يساعدنا في العمل البرلماني، وطبعا، بدون جواب واضح. بعد هذه الحادثة بدأت حرب السلطة ضدنا بكل الاشكال:التشهير والتهديد، استدعاني رئيس جهاز الأمن السياسي حينها عدنان بدر حسن واستجوبني لمدة ثلاث ساعات قائلاً: «أنت ستحاسب على كل ما تقوم به». بعدها تسلطت علي مصلحة الضرائب، قاموا بتعطيل أعمالي كتاجر، وضربوا كل مصالحي الاقتصادية. اتخذوا قراراً بتدميري أنا ورياض سيف خصوصاً. عام 2001 كانت هناك جلسة في مجلس الشعب للاستماع الى البيان الحكومي، طلبت تشكيل لجنة نيابية للتحقيق في المضايقات التي أتعرض لها أنا وزملائي من قبل اجهزة السلطة لانها تتعارض وتخرق المادة 66 من الدستور والتي تمنح الحصانة للنائب على اقواله ومداخلاته، بل وطلبت من الحكومة ان تثبت انني حصلت مثلا على كيس اسمنت واحد على نحو استثنائي وغير قانوني، او انني ارتكبت اي مخالفة في عملي، وقلت اذا ثبت ذلك فأنا لست جديراً بأن اكون نائباً. بالطبع، رفضوا تشكيل اللجنة واستمرت المضايقات الى الذروة، اذ بدأوا بتخويننا.

لماذا لم تقدم استقالتك مثلا؟

رغم اننا شعرنا انه من الصعب الاستمرار بالعمل النيابي الطبيعي في ظل هذا الجو من التخويف والرعب، فاننا اصررنا على البقاء بدافع التحدي، كما شعرنا بضرورة التضحية من اجل البلد. كانت سوريا امام مشهدين: مشهد الفساد العلني عند رجال السلطة واتباعهم، ومشهد الفقر المتزايد عند عموم الناس. وكنا كل يوم نتلقى شكاوى المواطنين ومعاناتهم ونتلقى ايضا ثقتهم بنا.

ما هي الملابسات التي أدت الى ادخالك السجن؟

عندما اصبح بشار الاسد رئيساً لسوريا عام 2001، رفعنا سقف مطالبنا لأننا وجدنا اسلوبا جديدا في العمل، فلم نعد نعتقد ان «الرئيس» يملك عصا سحرية، وان الاصلاح يتطلب وقتا، ومع بداية عهد بشار الاسد شعرنا ببدء مسلسل التسويف والمماطلة، ورأينا ان الأسوأ سمعة بين محافظي المحافظات السورية، احضره الاسد الابن ليعينه رئيساً للوزراء، وهو الذي توجد بحقه مئات التقارير عن الفساد والاختلاس. وما ان رأينا ان مصطفى ميرو بات رئيساً للحكومة حتى ادركنا ان الطامة الكبرى وقعت على الشعب السوري، واقتنعنا اكثر فأكثر انه لا يمكن لأي نوع من الاصلاح ان يسير ولا يمكن وضع حد للتدهور السياسي والاقتصادي، لقد بات الاقتصاد ملكاً لأفراد معينين من عائلة واحدة وعلى حساب جميع السوريين. في تلك الفترة اشتدت الحملة علينا وبتنا متهمين بالتهرب الضريبي، وانطلقت اجهزة المخابرات للتشهير والنيل من سمعتنا. في نفس الوقت كان هناك موضوع مهم جدا في اوساط السوريين هو «الهاتف الخلوي»، وكان الترتيب لهذا المشروع الضخم بأن يكون ملكاً للعائلة الحاكمة وليس ملكاً للشعب أو للدولة، مع العلم ان دولاً عدة اصلحت اقتصادها بسبب الهاتف الخلوي. طرحت اسئلة في البرلمان حول هذا المشروع فأيدني زميلي رياض سيف وتعمق هو في دراسته واستعان بمشورة خبراء وتقارير دولية وكشف للمجلس وللرأي العام كم من المليارات سوف تضيع على الخزينة السورية اذا استمر هذا المشروع لصالح العائلة الحاكمة. عند هذا الحد نفد صبر السلطة، وبدأوا بتلفيق التهم تمهيداً للانقضاض علينا. وهنا كان لي الموقف الاخير: بعد 15 عاما من العمل في الشأن العام لن اترك للسلطة ان تشوه تاريخي او تعتدي عليه، طبعت الكثير من مداخلاتي البرلمانية وأصدرت بياناً من عشر نقاط، هي التي ذكرتها آنفاً عن الفساد وعلاقة المخابرات بالناس... الخ. وأعلنت في ختام البيان الاضراب عن الطعام والاعتصام في مكتبي لمدة سبعة ايام من اجل لفت انتباه برلمانات العالم كي تدعمنا وفي مواجهة الخطر الذي نساق اليه من قبل النظام نحن نواب الشعب. بدأت الوفود من الاحياء والمناطق تأتيني، وكذلك الاعلاميون والمثقفون ونشطاء المجتمع المدني. وفي اليوم الثالث، صيف 2001، حضرت اكثر من 50 سيارة طوقت الشارع الذي اقطنه وهي تقل 30 ضابطا وعشرات المدججين بالسلاح من رجال المخابرات وأنا أعزل في مكتبي. وبهذه الطريقة تم سوقي بأمر عرفي الى محكمة الجنايات في دمشق، مبتدئين مسلسل خرق القوانين وخرق الدستور، ومبتدئاً انا بدوري الرحلة التي اعتبرها اعظم رسالة اديتها في حياتي من اجل ان يعرف العالم ان هذا النظام لا يحترم قانوناً ولا دستوراً ولا انساناً وان تحت حكمه يساق نواب الشعب الى الاعتقال بسبب آرائهم.

كيف تمت المحاكمة؟

تم تعيين طاقم من أسوأ القضاة وأكثرهم طواعية للمخابرات واستمرت المحكمة لخمس جلسات فقط، وتشكلت للدفاع عني لجان من المحامين المتطوعين المنخرطين في لجان المجتمع المدني وحقوق الانسان، واذكر منهم على وجه الخصوص هيثم المالح والسجين الآن أنور البني وخليل معتوق وآخرين. وكان يقف الى جانبي في الجلسات الاولية المحامي حبيب عيسى الذي سجن بدوره مع ما بات يعرف بـ «سجناء ربيع دمشق» بعد 26 يوما على بدء محاكمتي. [من هم «سجناء ربيع دمشق»؟ ـــ حينها، على ما اذكر، كان اولهم رياض الترك وكمال اللبواني والدكتور تللو والدكتور البني وعارف دليلة.

ما الذي جرى في المحكمة؟

أرادوا ان تكون المحكمة، ظاهرياً، قانونية وملونة شكلا كأنها محاكمة حقيقية، فوقعوا في ورطة امام صمودنا وثباتنا والتفاف المثقفين السوريين ولجان المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان حولنا، وأدركوا ان الامر يفلت من ايديهم وقد يستفحل، فسارعوا الى انهاء هذا المسلسل بشكل بربري. لقد منعنا من استحضار الشهود ومنعنا من الدفاع عن انفسنا. مع ذلك، كانت دمشق عظيمة. في كل جلسة كان الكثير من ابنائها يزحفون الى المحكمة ليرموا الارزّ والورود لحظة وصولنا الى باب المحكمة امام اعين الصحافة والممثلين الدبلوماسيين. انتهت المحكمة سريعا وكنت اول من حكم عليه: 9 سنوات ونصف سنة من الاحكام تم دمجها في حكم واحد هو السجن خمس سنوات. لحظة النطق بالحكم كان يقف بجانبي المحامي الكبير انور البني وكنا نصفق ونقول للقاضي السفاح جاسم محمد «قليل، قليل، الوطن أغلى من هيك»، مع تصفيق الأهالي ودموع الحزن على وجوه العائلة والأقارب والأصدقاء الذين اقتحموا القاعة رغماً عن رجال الأمن.

التغيير من الداخل في سوريا غير ممكن إلا بدعم دولي | في أي سجن وضعوك؟ كم قضيت فيه؟ ما هي ظروفه؟

قضيت الحكم في سجن عدرا، جناح 8، الغرفة الأولى. وكان معي داخل الغرفة وخارجها عدد من افراد الشرطة. ظروف السجن كانت سيئة في البداية، ومارسوا علينا ضغوطاً نفسية قاسية لكي ننهار، وكانوا يقترحون علينا ان نقدم اعتذاراً للرئيس بشار ولحزب البعث، قابلناهم بالرفض: نحن لسنا عبيد بشار الأسد، نحن نواب الشعب، هو الذي ادخلنا السجن وسيأتي يوم يعرف فيه كم أخطأ بحقنا. على كل حال، بعد فترة بات السجن أكثر راحة، فقد اضطر بشار الاسد قبيل زيارته الى لندن لان يستجيب جزئياً للضغوط الأوروبية ومنظمة العفو الدولية والبرلمان الدولي، فبدل اطلاق سراحنا، قبل فقط ان تتحسن ظروف الحبس. بالنسبة لرفاقنا فقد وضعوهم في سجن سياسي، في عدرا، بعيدين عن السجناء العاديين، وتحت اشراف المخابرات. أما بالنسبة لي ولزميلي رياض سيف فكنا في سجن جنائي، وهناك ازددنا معرفة بواقع الظلم والقسوة وفساد القضاء، من خلال معاشرة السجناء العاديين من الفقراء والضعفاء، الذين هم مستباحون من قبل رجال هذا النظام وأسلوب حكمه.

الان، ما الذي تتذكره من سجن عدرا؟

أول ما يخطر ببالي هو حرقة قلبي على سجنائه الذين هم ضحايا هذا النظام الفاسد، أتذكر اهالي وعائلات السجناء حين يأتون اوقات الزيارة وأراهم واقفين خلف الفاصل الشبكي مع اطفالهم. [ من المعروف انك كنت في السجن يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري واندلاع انتفاضة الاستقلال في لبنان. كيف تتذكر تلك الفترة؟ ـــ كنا أمام التلفزيون في السجن حين اذيع النبأ، كان وقعه كصاعقة كبيرة، منظر الانفجار ومشهد الناس وبكائهم. بكينا كثيراً على رفيق الحريري، والذي أبكانا انه كان شخصية مميزة بين رجالات السلطة في العالم العربي، وشعرنا بالمصيبة وشاركنا اللبنانيين صدمتهم. ومنذ اللحظة الأولى ادركت بأن الاحتمال الاكبر هو ان النظام السوري قتل الرئيس الحريري. وتنامى هذا الادراك عندي بعدما شاهدت المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع وهو يفرز من وجهه السموم والحقد وهو يقول «تأثرنا على ضحايا الانفجار» فيما المبعوث الأوروبي موراتينوس كان غارقا في الحزن ومصدوماً مبدياً كل المشاعر النبيلة ازاء الكارثة. ثم اتت مشاهد ساحات بيروت ما بين 14 شباط و14 آذار/2005 وهي احدثت عندنا، ونحن داخل السجن، ردود فعل مختلفة، منهم من اعتبر ان رياح التغيير آتية من بيروت ومنهم من اعتقد اننا مقبلون على طوفان ودمار نتيجة حماقة هذا النظام.

البيانات التي اصدرتها من السجن كانت شديدة الجرأة، فكيف كان رد فعل سجانيك؟

بعد المشهد الأليم لاغتيال الحريري شعرت ان نهايتنا قريبة وقد يقتلوننا في زنازيننا، فأعددت بياناً أناشد فيه المجتمع الدولي بأن يقف موقفاً حازماً من قتلة الرئيس الحريري والشيخ معشوق الخزنوي، الزعيم الكردي في مدينة القامشلي شمال سوريا. وربطت في البيان ما بين سلوك صدام حسين وسلوك بشار الاسد، وطالبت بعدة بنود اهمها تشكيل لجنة دولية للتحقيق حول قتلة الحريري والخزنوي وجورج حاوي (الذي كان قد اغتيل لحظة كتابة البيان)، كما طالبت بتحقيق في مجازر حماه وباقي المحافظات السورية، وطالبت بحجز أموال آل الأسد ومخلوف وشاليش. وان تكون هذه الأموال ودائع لدى الغرب للشعب السوري من أجل اعادتها بعد جلاء هذا النظام. وحين جاءت أسرتي لزيارتي، سربت البيان مع ملابس الغسيل، وقبلتهم وودعتهم وطلبت المعذرة والسماح لأنني ظننت ان هذا البيان قد يكون آخر ما أكتبه في حياتي. عند نشره وتعميمه جاءني خمسة ضباط كبار وطلبوا مني أن أكذب البيان وأنفيه، وسيتم الافراج عني في حال فعلت ذلك. رفضت طبعاً. وبعد ثلاثة ايام عادوا وقالوا: سنفرج عنك اذا وعدتنا على الأقل بتكذيب البيان من منزلك، قلت لهم انني انتظر المحاكمة وسأصعد الى حبل المشنقة وأنا أردد آيات من القرآن والنشيد الوطني، لأن هذا البيان هو خلاصة عملي السياسي. على أي حال، وبعد ساعات من صدور البيان بدأ مسلسل التعذيب في السجن أولاً، نقلوني الى غرفة رديئة وأتوا بمخنثين عراة ليناموا معي في الغرفة ويتحرشوا بي فيما انا أقرأ القرآن. ثم وضعوا مكبرات صوت ضخمة في غرفتي تبث على نحو متواصل من الصباح الباكر وحتى منتصف الليل اغاني تمجد ببشار الأسد. منعوا الزيارات عني، منعوا الأدوية حتى تدهورت صحتي بشكل خطير، وانقطعت صلتي بالعالم وبأسرتي. عشت ضغطاً نفسياً تحت وطأة شائعة بأنهم سيدسون السم في طعامي. قالوا لي ايضا ان اهلي وضعوا في سجن، ثم بثوا شائعة ان اهلي قد هلكوا جميعهم. ثم ادخلوا علي نزلاء جناح المجانين املا منهم بأن أتعرض للأذى. سبعة اشهر على هذا المنوال تدهورت صحتي فيها مراراً. في احدى المرات وصل ضغط دمي هبوطاً الى 4 درجات فقط، فذهب احد السجناء وأحضر لي قارورة الأوكسجين. وحين علم مدير السجن بهذا انزل عليه اقصى العقوبات لانه قام بانقاذ حياتي. وضعوا هذا السجين شهراً كاملاً في زنزانة منفردة تحت الأرض. مع بداية تعذيبي كان قد عين مدير جديد للسجن هو العميد سمير الشيخ، وهو سفاح كان يشغل منصبين في وقت واحد: رئيساً لفرعي مخابرات في دمشق وريف دمشق، وكانت تربطه علاقة مميزة بماهر الاسد من خلال مزاولتهما رياضة الفروسية وأمور اخرى، وهو الذي أشرف على تعذيبي طوال الأشهر السبعة.

أفرجت السلطات السورية عن النائب مأمون الحمصي والنائب رياض سيف، فاستقبلا في دمشق بتجمعات شعبية ووفود من المناطق والمدن والقرى، فشعرت هذه السلطات مرة جديدة بخطر هذين الرجلين، وبثت الخوف في نفوس الناس كي لا يذهبوا الى منزلي النائبين، وحاولت بشتى الأساليب عزل هذين المعارضين من المواطنين. ثم استحصل الحمصي على جواز سفر مع ما يسمى في سوريا «إذن بالسفر». عشية التوقيع على «اعلان دمشق ـــ بيروت» شعر الحمصي بالخطر، وما هي الا ساعات حتى تم اعتقال عدد من الموقعين، ومنهم ميشال كيلو، انور البني، محمود عيسى، خليل حسين، ونشطاء كثيرون، فسارع الحمصي للسفر الى الخارج عبر الحدود الأردنية. استقر في عمان لفترة، حيث اضطر لمغادرتها دفعاً لاحراج السلطات الأردنية، اذ ان الرئيس بشار الاسد اشترط لمشاركته في قمة شرم الشيخ ولقائه الملك الأردني بأن يتم اخراجه من الاردن، والا فان سوريا ستستضيف «المعارضة» الأردنية.

الان، كيف هي علاقتك مع اطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج؟

عندما خرجت من سوريا حاولت ان اكون على مسافة معينة من الجميع، فأنا احمل رسالة من الشعب السوري وأريد ايصالها الى برلمانات العالم، وأسعى لان يتدخل العالم لانقاذ الشعب السوري. لم انضم الى تكتل سياسي او تجمع محدد. وعلاقتي بالمعارضة في داخل سوريا تقوم على التعاون مع مختلف الوان وانتماءات هذه المعارضة. وأشعر باحترام ازاء اناس يضحون ويواجهون المحن. ومن هم في الداخل، على الأغلب، يميزون بين المنشقين عن النظام وبين الذين لم يقيموا اي صلة او تواطؤ مع السلطة.

كيف ترى مستقبل المعارضة ومستقبل سوريا؟

هناك اخطاء جسيمة ارتكبتها المعارضة بنبل او بعدم دراية، ومنها «المناشدة» بالتغيير السلمي الديموقراطي و«اقناع» النظام بمبدأ تداول السلطة. هذا من المستحيلات مع نظام حزب البعث، وبالمقابل النظام يسوق اعلامياً وسياسياً بأن البديل عنه هو احزاب وميليشيات اسلامية متطرفة، وهذا كذب وافتراء فالشعب السوري بمعظم شرائحه ملتزم ومحافظ اسلامياً ومسيحياً وهو معتدل التوجه، النظام يروج امام العالم ومن اجل «امن اسرائيل»: البدائل عنا هي تيارات اصولية مسلحة ستجلب الفوضى والخراب. أؤمن بأنه لا يمكن التغيير من داخل سوريا من دون دعم وتعاون المجتمع الدولي. وهذا من واجبات هذا المجتمع، الذي ترك هذا النظام وقتاً طويلا يستبيح الوطن، والشعب، يجب تطوير خطاب المعارضة من اجل محاسبة هذا النظام وسوقه امام العدالة. وخطر هذا النظام بات واضحا ليس على سوريا، بل على المنطقة وعلى العرب وعلى دول الجوار وعلى السلم الاقليمي. واذا اردنا ان نستقرئ نوايا هذا النظام وسلوكه وطروحاته فما علينا الا الاطلاع على مواقعه الالكترونية (الانترنت) لنجد كم من الاحقاد تبثها ضد الملوك والرؤساء العرب، فهو يتمنى اشعال كل الدول التي لا تنصاع لرغباته وابتزازه. ومن هذا الواقع الأليم اتمنى ان يكون هناك موقف عربي مشابه للموقف الذي اتخذ عربياً في وجه اطماع صدام حسين وتسلطه. [ ونحن نجري هذا الحوار، تتم محاكمة فايق المير بتهمة الاتصال بشخصيات من قوى 14آذار في بيروت وايضا لأنه قدم التعازي بجورج حاوي ما الذي تقوله؟ ـــ فايق المير قضى 12 عاما في السجون، وهو مناضل كبير من حزب قدم التضحيات من اجل عودة الحرية ومواجهة الديكتاتورية (الحزب الشيوعي). هذا الرجل قدم الكثير من التضحيات. وهذا الاعتقال يؤكد لؤم المتهم الاول بقتل رجالات ثورة الأرز.

يوسف بزي