الإعلان

 

مجتمع مصر صراع الهوية المصرية
صراع الهوية المصرية
رأفت موسى ذكري   
صراع الهوية المصرية | من نحن ؟
هل هناك فرق بين إنشاء علاقة تقوم علي "نحن – هم" وبين أنشاء علاقة تقوم علي "أنا – أنت" ؟
للاجابة علي السؤال الاول نحتاج أن نرجع إلي تاريخ ماقبل الأسرات، إلي خمسة ألاف عام قبل ميلاد المسيح، وربما أكثر، لا لنتمسك بتراث ثقافي لمجرد أنه الافضل في زمانه؛ ولكن لنتتبع من خلاله مسيرة العقل والضمير في مصر منذ الازمنة القديمة وحتي الان.
الحديث عن الهوية المصرية حديث بحتاج إلي إيضاح . فأية هوية نقصد ؟ هل نقصد الهوية التي تكلم عنها المؤرخ الامريكي الشهير "جيمس هنري برستيد" في كتابه "فجر الضمير" عن حكايات الفلاح الفصيح، والذي تآجل العدل في قضيته لمجرد أن الملك اراد ان يستمتع بكلماته المبهره ! أم الهوية التي تكلم عنها هيرودت والذي عرف مصر من خلال رؤيته اليونانية الخاصة ليعبر عن عبقرية المكان فحسب معلناً قولته الكلاسيكية الشهيرة - "مصر هبة النيل "- والتي يرددها الاشخاص دون وعي .

أي هوية نقصد، مصر ماقبل هيرودت والتي لم " تَتَهَيْلَنْ " أي التي لم تتأثر كلياً بالثقافة اليونانية الاغريقية ؛ أم مصر التي بعده وكانت مدنها الكبري حتي في اعماق صعيدها "جنوبها" قد اعتمدت ليس فقط أسماء يونانية لها، ولكنها اعتمدت أيضاً نسخة يونانية للالهة المصرية القديمة. ربما تكون الهوية المقصودة تلك التي تكلم عنها "فيلون" المؤرخ اليهودي الذي كان في أوائل القرن الثاني الميلادي وعاش في الاسكندرية؛ تلك المدينة التي استوعبت ثقافات القدماء من ابناء النيل ومقدمة إياها في صورة جديدة يكاد من يراها. يراها يونانية خالصة بالرغم من محاولات التقارب لتجذيرها كشعاع فكري يرسل ضوءه ونور علمه علي كل إقليم مصر والتي حاول الاباطرة جعلها كتابع لهم لانها "مخزن الغذاء" . واذا تتبعنا مسيرة التغير في مصر نجد ثقافات وهويات مختلفة حتي فيما بعد دخول الاسلام إلى أراضيها، فتعاقب عليها حكام مسلمون بثقافات مختلفة بين متأثر بالتقاليد الفارسية كالفاطمين، او العناصر البابلية أو الفينيقية في أثناء وجود الخلافة في بغداد أو دمشق .

صراع الهوية المصرية | أمر محير، من نحن ؟ هل نحن من تحدث عنهم "الجبرتي" في صورة لا نُحسد عليها من التخلف حتي انبهرنا ببعض سحر الفرنسيس والذي لم يكن إلا مجموعة من التجارب الكيمائية البسيطة .
إن محاولة الاجابة عن ماهية الهوية المصرية تحتاج إلى خلاط ثقافات يخلط آلاف السنين لينتج عصيرا ثقافيا شبه متجانس حتي لا يسبب عسر فكر في الامعاء العقلية والحياتية.
هذا البحث في متاهة الهوية يقودنا إلي اجابة السؤال الاهم والذي طرح في البداية .
فأن تقوم علاقة علي مفاهيم نحن – وهم ، هو أمر يقود إلي الانقسام قبل أن يبدأ . لأن علاقة نحن وهم تحتاج من كل مجموعة أن تبحث عن وجودها كحركة في إطار التاريخ القديم منفصلة عن حركة ترابطها في إطار الجغرافية الآنية . لنوضح الأمر .

في الدول التي نشأت حديثاً كالولايات المتحدة الامريكية أو أستراليا، على سبيل المثال لا الحصر، وُجدت جماعات مثلت السكان الأصليين لهذا المكان . هذه الجماعات الاصلية احتفظت بمميزات وسمات خاصة تختلف عن الجماعات الاولي التي استوطنت هذه البلاد اعتبرتها سر وجودها وسر حياتها، كما تعامل الجدد مع هذه المميزات علي إنها طرق لرفض وجودهم كمالكين جدد للارض , فتحولت هذه المميزات التي في اساسها مكون ثقافي وحضاري الي مرادف وجودي تسعي كل جماعة لاستخدامه الي رفض الجماعة الاخري .
أما العلاقة التي تنشأ علي أساس " أنا – انت " هي علاقة تنشأ في اطار واقعي لا يبحث في اعماق التاريخ والجغرافيا عن الاختلاف؛ بل يبحث في إطار الواقع عن قبول للاخر لتأسيس تاريخ جديد يتبعه ديموجرافيا جديدة.

وحينما يزيد الكلام عن الهوية الاصلية للشعب المصري، أجد نفسي محاطاً بمجموعة من الهواجس تكاد تتجسد أمامي في صورة مرعبة . فهناك للأسف من يتكلم عن الهوية القبطية أو الهوية المصرية ويكاد يكون هدفه البحث عن جماعة أصيلة من الشعب المصري ضد جماعة أخري استوطنت الارض في اطار تاريخي منذ القرن السابع . وهناك من يتكلم عن الهوية العربية – أي السعي لجمع شمل الناطقين باللغة العربية في منظومة فكرية يكاد يكون الهدف منها الغاء أي تمايز أو تباين لمنطقة بعينها في محاولة لرفض أي أمر ثقافي خارج الاطار العربي. والمحزن في هذه المكلمة الفكرية أن تتجه الأنظار نحو الهوية العربية علي أنها مرادف للاسلام وبالتالي مرادف لكل ثقافات جغرافيا الاسلام في صحراء الجزيرة وفي آسيا.كما تتجه الانظار نحو الهوية القبطية كأنها مرادف للمسيحية ،فيصبح الاختلاف حول الهوية والتي هي نتاج بشري هو صراع حول مطلق كنتاج إلهي.

للأسف بدلا من محاولة تاسيس علاقة " أنا – أنت " القائمة علي أساس توحيد الانطلاق نحو ديموجرافيا جديدة تحرك التاريخ في منظومة جديدة، نجد تجذيرا لعلاقة " نحن – هم " والتي تبحث في اطار الاختلاف التاريخي والمؤسس علي تاريخ يحتاج كثيرا من المراجعة والقراءة الجديدة في أبعاده الزمكانية، أي ابعاده الجغرافية والزمانية الخاصة به .
أرجو ممن يقرأ كلماتي أن يسعي لتأسيس علاقة ( انا – انت ) مع كل من يعرفه،كفانًا تاريخاً . لننظر إلي المستقبل ليكون التاريخ منذ الفلاح الفصيح حتي الآن مجرد دراسة وإعجاب للبحث عن المشترك . لا يكون التاريخ فيما بعد أيدلوجية في حد ذاته تسعي لنفي الاخر علي اعتبار ان الاخر الذي لا يري كما نري هو المعوق للنهوض في المستقبل.

 

رأفت موسى ذكري
(21 مارس 2008)