الإعلان

 

مجتمع مصر الاتحاد المتوسطي: هل يعيد لمصر هويتها الأورومتوسطية؟
الاتحاد المتوسطي: هل يعيد لمصر هويتها الأورومتوسطية؟
محمد حلمي عبد الوهاب   
على الرغم من الزخم الإعلامي الذي صاحب قرار الانضمام للاتحاد من أجل المتوسط لم تول القاعدة الجماهيرية اهتماما يذكر بهذا السياق، شأنها في ذلك شأن تعاملها وكافة القضايا السياسية. وهو أمر متوقع تماما في ظل تفشي حالة الفقر والبطالة والكساد وارتفاع الأسعار في المجتمع المصري. غير أن النقطة الرئيسية التي لا جدال فيها هي أن أغلبية المصريين يرفضون بتاتا انضمام مصر إلى أية تحالفات أو كيانات تكون إسرائيل شريكا فيها. ولا يزال أغلبية المصريين يشعرون بالسخط العارم على نظام مبارك منذ توقيع اتفاقية الكويز ثم تصدير الغاز الطبيعي إلى الكيان الصهيوني.  

وحين استطلعت رأي عينة من الجماهير لم تخرج الإجابات كلها عن:

    * يعني إيه اتحاد متوسطي؟!.
    * مش عارف حاجة ومش عايز أعرف!!.
    * كل اللي عارفه إن الريس رايح فرنسا يمكن عشان يتعالج أو عشان يتفسح!!
    * طبعا الاتحاد المتوسطي هوه اللي بينظم المونديال (كأس الأمم الأوربية).
    * اتحاد ترعاه فرنسا لإدخال إسرائيل إلى قلب العام العربي من بوابته الخلفية.

شيماء راغب، طالبة في السنة النهائية بكلية الإعلام انتظمت إجابتها ضمن الفئة الأولى. وحين رأت دهشتي البالغة جراء عدم معرفتها بالأمر قالت: «هذا طبيعي فنحن في عصر السرعة والأمور التي تستلفت الانتباه قليلة جدا، فضلا عن أنني غير مهتمة أساسا بالأمور السياسية». وليس هذا حالها فحسب بل هو حال جيل كامل أصبح منبت الصلة عن الماضي والحاضر والمستقبل معا!!

أما محمد علي، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره وحصل أخيرا على درجة الماجستير في الآداب، فتنتظم إجابته ضمن الفئة الثانية. ولما ألححت عليه في السؤال أجاب: سمعت عنه لكني على قناعة تامة بأن كل ما يقوم به النظام الحالي إنما يصب مباشرة في مصلحته الخاصة، أو لصالح الفئات العليا فقط، فلماذا أشغل بالي بتحركاته وتوجهاته؟! وما المنفعة الخاصة التي ستعود علي، هل ستتيح لي وظيفة فيما أنا عاطل عن العمل؟!.

على خلاف ما سبق جاءت إجابة عمي سعيد، الموظف البسيط في إحدى البلديات، لتنتظم بدورها ضمن الفئة الثالثة. فرغم ملامح البؤس البادية على وجهه وملابسه ظلت ابتسامته الصافية ملازمة لملامحه، وربما لخص بإجابته المكثفة حال العديد من المصريين البسطاء ممن لم تتسنّ لهم الفرصة حتى لمشاهدة شخص رئيسهم الذي يحكمهم منذ أكثر من ربع قرن!!

أما سيد عبد الوهاب، وهو موظف على المعاش، فقد بادر بالقول: «نعم أعرف هذا الاتحاد جيدا فهو الذي ينظم المونديال (كأس الأمم الأوربية) وأنه يتابع كل المتشات على الدش الأوربي!!» فيما انتظمت أقوال مصطفى السيد، وهو صحافي يساري شاب، ضمن الفئة الرابعة. وقد قرأ عن الاتحاد وانضمام مصر إليه من باب اشتغاله بقضية الصراع العربي-الإسرائيلي، وكان بديهيا أن يبادر باتهام الأنظمة العربية بالعمالة والتطبيع مع إسرائيل.

تعكس الآراء السابقة بعضا من النماذج الحاضرة بقوة في الشرائح الكبرى من الشعب المصري، كما تكشف عن الوعي الغائب أو المغيب عن سبق إصرار وترصد عبر أجهزة التضليل الإعلامي الحكومية حتى لدى أكثر الفئات تثقيفا وعلما! أيضا تهبنا النماذج السابقة صورة جيدة عن الانفصام القائم ما بين النظام السياسي، والشرائح المطحونة والتي باتت تدور في دوامة لا تنتهي للحصول على رغيف خبز تسد به رمق الأطفال الجياع، بعد أن تعذر الحصول على الخبز المدعم في أحياء المحروسة!

موقف المعارضة المصرية

في كل الأحوال، هناك وجهتي نظر متعارضتين:

الأولى: تدافع عن قرار الانضمام للاتحاد، وهي تصدر بالطبع عن الحزب الحاكم وأبواقه في الصحافة والإعلام، وتؤكد أهمية الانضمام للاتحاد بما يفتح آفاقا جديدة لمجالات التعاون المختلف في قضايا الطاقة والبيئة وتنظيم الهجرة، وحل المشاكل السياسية.

الثانية: تصف القرار بالصفقة وتتهم الإدارة المصرية بالتطبيع المباشر مع إسرائيل. مؤكدة أن من الممكن فهم هذا التوجه في ضوء تراجع الدور الإقليمي لمصر لصالح دول أخرى، كقطر والسعودية وتركيا. حيث عكس الفشل المصري على المستوى الإقليمي عقم الرهان الميكيافيلي على كل من أمريكا وإسرائيل. خاصة، بعد مؤتمر دافوس والذي وجه فيه بوش خطابا شديد اللهجة لمبارك شخصيا.

ولأن الأخير يدرك جيدا حجم الانتكاسات المتوالية على الصعيدين الداخلي والخارجي، سرعان ما بدأ يتحرك باتجاه فرنسا/ساركوزي، مع التعويل على ليبيا كبديل أو موازن لعلاقته المتداعية مع السعودية. ومن دون أن يلتفت إلى أن هذه الرهانات محدودة للغاية من جهة، كما أنها لن تحقق أدنى درجة من التوازن المطلوب داخليا وخارجيا من جهة ثانية، فلا ساركوزي بمثابة ديغول، ولا ليبيا بنفس ثقل السعودية.

هذا وتتنوع الأهداف الذي يسوقها كل فريق من وراء إنشاء الاتحاد والانضمام إليه في آن. ففيما يؤكد الفريق الأول أن المشروع سيضيف بالضرورة إلى مكانة مصر، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي. يؤكد الفريق الثاني أن ثمة أهدافا معلنة، وأخرى خفية، للمشروع، إلا أنها جميعا تصب في مصلحة إسرائيل ومن بينها:
    
    * تعميم الليبرالية الاقتصادية. وهو ما تكشفه التقارير الأوربية الرسمية التي ترسم لخلق منطقة للتبادل التجاري الحر مع مطلع العام 2010، على غرار النمط الذي تتبعه أمريكا مع جيرانها.

    * مكافحة الإرهاب. وقد حدد ساركوزي من قبل الهدف الأوّل للسياسة الخارجية الفرنسية الجديدة على أنه: "حماية الفرنسيين قبل كل شيء، ثم الأصدقاء والحلفاء" من التهديدات الجديدة التي يطلقها "انتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، والدول الفاشلة états défaillants، وتهديد مصادر استيراد موادنا الإستراتيجيّة، والكوارث البيئية والإنسانية والأوبئة". 

    * ضمان الطاقة والسوق للسلع التكنولوجية الغربية.

    * تنظيم عملية الهجرة عبر قنوات تصب في احتياجات الغرب للأيدي العاملة المرتفعة الكفاءة. حيث يوجد بأوربا أكثر من 20 مليون عاطل، ومن الممكن استيعاب هذه البطالة من خلال تشجيع أو تسهيل حركة الأيدي العاملة، وتحرير حركة السلع ورأس المال والأفراد. مع غلق الحدود لمنع الهجرة "المتوحشة".

    * حماية أمن إسرائيل، وذلك بالتطبيع معها عبر ملتقى يجمعها مع العرب تحت مسمى عام. خاصة، وأن العلاقات الأوربية-الإسرائيلية شهدت في الأعوام الأخيرة تعميقا متزايدا على النحو الذي أقره مجلس وزراء خارجية الإتحاد الأوربي في منتصف يونيو الماضي.

إطلالة تاريخية

ثقافيا، تمتد الجذور التاريخية لربط مصر بحضارة حوض المتوسط إلى عهد محمد علي الكبير، المؤسس الأول لنهضة مصر الحديثة، وقد أرسل في سبيل ذلك العديد من البعثات العلمية لأوربا، كما أنشأ أول برلمان مصري منتخب في منتصف القرن التاسع عشر. ثم ما لبث أن جاء من بعده الخديو إسماعيل، فأسس دارا للأوبرا المصرية، وأنشأ بعض الأحياء الراقية على نفس النسق المعماري الأوربي.

واكب ذلك طفرة على المستوى التعليمي شيدها زكي مبارك، أحد أعظم وزراء معارف الأمة المصرية. وقد مضى طه حسين على الدرب ذاته حين تولى الوزارة نفسها. كما تربى جيل كامل من الكتاب والمثقفين على هذه الدعوة، كأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وقاسم أمين، وغيرهم.

ووفقا للسرد التاريخي، فإن حضارة حوض المتوسط ليست إلا امتدادا تاريخيا وطبيعيا للحضارة المصرية القديمة والتي لم تندثر مطلقا، وإنما تكررت وبُعثت عشرات المرات بدءا بالكرنك، وهليوبوليس، ومرورا بسيرابيوم الإسكندرية، وفلورنسا ميديتشي، وليس انتهاءً بإنجازات عصر النهضة الأوروبية.

وبحسب هذا الطرح، فإن عودة الوعي الحضاري للأمة المصرية، وفق أسس فلسفة حضارتها الفرعونية، والتي ارتحلت للغرب فلسفيا وروحانيا من خلال الإسكندرية، يعيدها من جديد إلى موقعها الحضاري الجغرافي حسبما وضعها فيه الخديو إسماعيل على خارطة العالم الأوربي، والذي تنتمي إليه تاريخيا.

المحطة الثالثة في مسيرة التمسك بالهوية الأورمتوسطية لمصر تمت في عهد السادات. حيث أدت الأوضاع الاقتصادية السيئة التي عانى من تبعاتها المصريون، والموقف اللامكترث من قبل معظم الأنظمة العربية آنذاك، إلى نجاحه في قيادة حملة إعلامية مكثفة، تُرجع سوء الأوضاع المصرية إلى دفاعها عن العرب المشغولين بتجميع ثرواتهم، وأن خلاص مصر من جميع مشاكلها سيتحقق بمجرد الانفصال عن الوطن العربي، وتحقيق الصلح مع إسرائيل، وإعادة بعث الحلم الخديوي القديم بجعلها جزءا من أوربا.

مسارات المشروع وتحولاته:

أدخل ساركوزي فكرة الاتحاد من أجل المتوسط ضمن أجندة حملته الانتخابية في شباط 2007. وعقب فوزه في الانتخابات وصعوده إلى قصر الإليزيه تم إدراج الفكرة ضمن مخططات وأجندة رئاسته وضمن أعمال الاتحاد الأوربي أيضا. وكان من أبرز الجوانب التي أكد عليها ساركوزي تتمثل في القول بإمكانية حل وإنهاء الصراع العربي–الإسرائيلي وتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.

وكان مشروعه وقتذاك يقضي بإشراك الدول المشاطئة للبحر المتوسط من الجانب الأوروبي فقط، لكن سرعان ما تم إسقاط العديد من الأفكار السركوزية الأولى من المسودة التي أعدتها المفوضية الأوروبية وضم المشروع الدول الـ 44 المشاطئة للمتوسط والادرياتيكي (دول الاتحاد الأوروبي الـ27، والأعضاء والمراقبون الـ 13 في "عملية برشلونة"). وجراء ذلك، اكتفي المشروع بتحريك عملية برشلونة المتعثرة ليصبح اسمه "آلية برشلونة: الاتحاد من أجل المتوسط ".

حسابات الربح والخسارة

كانت مصر علي رأس الدول العربية التي رحبت في تحفظ بالمشروع، وتحدثت عن ضرورة بقاء مسار التعاون الأورومتوسطي، بحيث لا يَجُبُ الاتحاد عملية برشلونة. لكن على الرغم من المداد الذي سال "تمجيداً" لمسار برشلونة، إلا أن حصاده كان هزيلاً إلى حد أن دول جنوب المتوسط شعرت أنها مخطوفة لحساب دول الشمال، والتي استباحت أسواقها، وعدلت في بنود اتفاقية الشراكة دون الرجوع إليها فاستبدلت واختزلت عبارات التنمية والتحديث والديمقراطية بمفاهيم: الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب!.

فقد أصاب الهبوط الحاد من سقف التعاون الاقتصادي "بين الفضاءين العربي والأوروبي"، والذي تلح عليه عملية برشلونة، إلي سقف التعاون الأمني عملية برشلونة في مقتل، وهي الهشة أصلا!!. حيث لم تحصل دول الجنوب بعد نحو سبعة عشر عاما من انطلاقها (1991)، إلا على 1% من إجمالي ما تقدمه دول الاتحاد الأوروبي من استثمارات. فيما استأثرت إسرائيل وحدها بنحو 45% من إجمالي الاستثمارات الأوروبية الخارجية. بل إن إجمالي ما حصلت عليه دول جنوب المتوسط يوازي ما حصلت عليه دولة واحدة من شرق أوروبا وهي بولندا!!.

على الجانب السياسي، فبدلا من أن يدفع الجانب الأوروبي إسرائيل لتندفع باتجاه حل القضية الفلسطينية، تم استحداث مسار "5 + 5" بين دول المغرب العربي الخمس في الجنوب، ونظيرتها في الشمال هروبا من منطقة الشرق الأوسط ومشاكلها.

وحتى عندما لم يثمر هذا المسار الجزئي هو الآخر عن شيء، فعَّل ساركوزي مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط"، والذي يكرس الفصل بين ما يحدث في عملية السلام "صعودا وهبوطا" وبين مسار التعاون الأورومتوسطي. فضلا عن أن ثمة تخوفات من أن يؤدي انضمام مصر تحت لواء الاتحاد، دون إضافة أية بنود أو القيام بتعديلات، إلى أن يكون حالها أشبه بحال الأيتام علي مائدة اللئام، أو أن يؤدي ذلك لإذابة هويتها العربية-الإسلامية!!.

فهل كانت الورقة المصرية تعبر عن "أجندة حقيقية"، أم أنها "بالونة اختبار" ساركوزيّة؟!. في الواقع، كان ساركوزي محقا في الإعهاد للنظام المصري بمهام التنسيق وإقناع الدول العربية الأخرى على الانضمام للاتحاد نظير الحصول على مقعد الرئاسة المشترك. حيث قامت وزارة الخارجية المصرية بإعداد ورقة تعريف بالمشروع وعممتها على الأطراف العربية الأخرى وبعد طول تردد وافقت كل الدول باستثناء الجزائر وليبيا وسوريا.  

ثم انضمت الجزائر للاتحاد فيما أعلنت ليبيا رفضها القاطع للانضمام. أما سوريا، والتي وجدت في الانضمام فرصة للخروج من عزلتها الدولية، فقد أبدت ثلاثة تحفظات تتعلق برفض استخدام عبارة "الشراكة في المتوسط"، وتأسيس المشروع خارج إطار عملية برشلونة، وحصر انعقاد الاجتماعات في أوربا فقط.  

المنظمات الحقوقية

وفي رأي بعض رموز المنظمات الحقوقية، فإن النظم العربية مستعدة للذهاب إلى أقصى مدى في التنازلات مقابل بعض المناصب الرئاسية في الاتحاد، كما هو حال مصر، أو لاستقبال مقره في عاصمتها، كما هو حال دول المغرب العربي. وأن انضمامها يعتبر محاولة لشراء الصمت الدولي حيال سياستها غير الديمقراطية.

وتعرب هذه المنظمات عن دهشتها إزاء المعاير المزدوجة للدول الأوربية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. ففي الوقت الذي تدين فيه الهيئات الدولية الممارسات المعادية لحقوق الإنسان في كافة الدول العربية، تضع الحكومات هذه المسألة جانبا أو في سلة المهملات!!. في الوقت الذي يتفاقم فيه الصراع الاجتماعي في المجتمعات العربية نتيجة الفقر، وغلاء المعيشة، وكتم أصوات الصحافة، والأحزاب المعارضة، وتعرض الكثير للسجن والتعذيب، وعدم احترام حقوق الأقليات...إلخ.

الغريب في الأمر أن الاتحاد سيضم أكثر ثلاثة دول عربية تمتلك ملفات سوداء في مجال حقوق الإنسان وهي: سوريا وتونس ومصر. وفيما عالجت الأخيرة مهام التنسيق بين الدول وفازت بمنصب الرئاسة المشترك، فمن المحتمل أن تفوز تونس باستضافة مقر الاتحاد. وفي الوقت الذي ترددت فيه الأنباء حول مذبحة سجن صيدنايا وجه ساركوزي الدعوة لبشار الأسد لحضور أعمال القمة!!. وهو أمر كان متوقعا خاصة بعد أن وعد ساركوزي أثناء جولته الأخيرة في مصر وتونس وليبيا قادة هذه الدول بأنهم "لن يلقوا مضايقات بعد الآن حول مسألتي حقوق الانسان والديموقراطية، في حين أن العلاقات الخارجية للاتحاد الاوروبي تقوم على هاتين المسألتين". فهل سيتم تناسي حقوق الإنسان من أجل المتوسط؟! مجرد تساؤل.

 

محمد حلمي عبد الوهاب
مدير تحرير مجلة رواق عربي
(12 يوليو 2008)