الإعلان

 

مجتمع مصر معركة من أجل البقاء
معركة من أجل البقاء
دينا درويش   


"باقون هنا...دائمون هنا...خالدون هنا، ولنا هدف واحد.. واحد... واحد.. أن نكون" هكذا يستلهم ماهر فهيم أبيات من نظم محمود درويش ليعبر بها عن النضال الذى أصبح يخوضه اليوم كثيرين من الأقباط كي يتمسكوا بحلم البقاء في الوطن. ربما قد تغير الوضع نوعا اليوم بالنسبة لهذا الصيدلاني الثلاثيني بعد إختفاء الإخوان من السلطة، و إن ظلت فكرةالهجرة مشروعا مؤجلا.

معركة من أجل البقاء |

كانت الدموع تتحجر في مقلتيه و هو يلملم أوراقه الرسمية صباح كل يوم كي يهرع ويصطف في ذيل طابور طويل أمام سفارة كندا في محاولة أن يجد مخرج لهمومه التي امتزجت بهموم الوطن عقب ثورة يناير (جانفييه) 2011.  يبدو الأمر اليوم بالنسبة له كابوسا يحاول أن يطرد أشباحه.
.تتداعي الاحداث الطائفية في ذاكرته كشريط من الصور المتقطعة التي تثير شجونه بقدر ما تثير شعوره بالقلق : أحداث التهجير القسرى للأقباط من دهشور، أو كثرة إحالة الأقباط للمحاكمة بتهمة إزدراء الإسلام، أو الإعتداء علي الكنائس، أحداث الخصوص، أو استهداف المحكمة الدستورية العليا.

" لم تكن فكرة الهجرة تمثل لي قط حلا للمشكلات، فدائما ما كنت أشعر ان هناك بصيصا من الأمل لكن مع تطويق الكاتدرائية، احد رموز الوجود المسيحي في الشرق، بدا هذا الحل يفرض نفسه بشدة علي مجريات الأحداث. أصبحت أخشي علي بناتي السير في الشارع دون غطاء رأس كي لا يتعرف البعض علي هويتهن الدينية ..تعرضت زوجتي في هذه الفترة لنوع من التعسف في العمل عندما تم رفض طلب نقلها لمعهد اخر قريب من البيت.. كان لدى وقتئذ شعورا متنامي ان ثمة مجموعات دينية تتكاثر علي الساحة لا تتآلف مع الحضور المسيحي، أو مفهوم المواطنة ذاته" 

إرتحل فهيم بالفعل للطرف الآخر من العالم، و لم يمكث بضعة شهور حتى عاد ادراجه عقب انتفاضة 30 يونيو(جوان). و رغم أن تكاليف الرحلة قد كبدته ما يربو عن 50 الف دولار لكن كان عشقه الشديد لحي شبرا اقوى من كل شيء. فمع مطلع 2014، اصبح قرار العودة حقيقة  لكنه لم يتخل تماما عن فكرة الهجرة. بل احتفظ بأوراق المشروع الخاصة في خزينة بيته التي قد  يحتاجها يوما، علي حد تعبيره.

فرصة جديدة للحياة ؟ ربما لكن ماهر هو واحد من كثيرين من أقباط مصر الذين أقدموا  بالفعل علي الهجرة. يشير تقرير لمنظمة الاتحاد المصري لحقوق الانسان أن هناك ارتفاعا ملحوظا في معدلات هجرة الأقباط من مصر منذ مارس 2011. فقد أشارت أرقام المنظمة أن قرابة مئة الف قبطي قد هاجروا من مصر نحو بلدان المهجر منذ أندلاع ثورة يناير. ورغم أن الرقم ما زال يثير لغطا في أوساط النشطاء المعنيين بالملف القبطي، لكنه بالطبع يعد مؤشرا علي تنامي الظاهرة . ففي حين يرى الناشط بيشوى تمرى، عضو المكتب السياسي بإتحاد شباب ماسبيرو أن الرقم غير دقيق و من الصعب التكهن به لأن كلا من الكنيسة و السفارة الأمريكية قد نفت صحته، يعتقد الناشط رامي كامل، مدير مؤسسة شباب ماسبيرو أن الرقم قد يكون اكتواريا وفقا لحجم طلبات الهجرة المقدمة لمكتب المحامي نجيب جبرائيل، رئيس منظمة الاتحاد المصرى لحقوق الأنسان. و إن كان كامل يرى أن طلبات الهجرة الرسمية لم تشهد انخفاضا بعد سقوط الاخوان . فوفقا للأرقام التي تطرحها مؤسسة شباب ماسبيرو، ما زال هناك عشرة آلاف طلب هجرة تقدم سنويا للسفارات الأجنبية من قبل الأقباط و هو ذات الرقم الذى كان موجودا من قبل. لكن تمرى يعتقد أنه من الصعب جدا حصر حركة الهجرة القبطية لان في كثير من بلاد المهجر التي يقصدها هؤلاء لا تحتوى جوازات السفر علي خانة للديانة. و هو ما يتفق مع تصريحات وزارة الداخلية حيث صرح مصدر  مسئول-رفض ذكر اسمه-عن عدم وجود حصردقيق لتلك الحركة لأن كثير من الأقباط قد يسلكون في الهجرة طرق غير شرعية. 

وإذا كان الرقم يثير لغطا في الأوساط القبطية فإن ملابسات الرحيل تثير أيضا نفس اللغط " هناك شعور عام لدى الأقباط أن أحوالهم ستكون أفضل بعد رحيل الأخوان و رغم عدم وجود تغيير ملموس في الواقع، لكن علي الأقل لا يوجد نفس الخطاب التحريضي المتصاعد الذى يستهدف الأقباط بالدرجة الأولي و الذى بلغ ذروته في الخطاب الأخير للرئيس المعزول. " و هو يمضي مستطردا أنه هو شخصيا يرفض الفكرة بصفة خاصة بعد الثورة لانه يعتقد ان ثمة حراك بدأ يشهده الملف القبطي. " أشعر أن لي اليوم دور أكثر أهمية و تواجدى في الوطن اصبح حاجة ملحة نظرا لأننا كشباب نسعي لتحريك المياه الراكدة. علي الأقل نجحنا بعد يناير في تكوين رأى علماني مواز للكنيسة كي يعلو صوتا اخر معبر عن الأقباط الذين لا ينبغي التعامل معهم بصفتهم طيف واحد، فضلا عن أننا نجحنا في كسر تابو ظل موجودا لفترة طويلة  يرتبط  بخوف و عزوف المسيحيين المشاركة في الحياة العامة."

تتفق جيهان، موظفة في احدى المؤسسات الحكومية مع تمرى في الرأى، فقد توقفت عن استخراج أوراق للهجرة. " عندما أقبلت علي ذلك، كان المشروع مجرد اجراء وقائي إذا ما ساءت الظروف لأنني لم أكن مستعدة أبدا للعيش في كنف دولة تطبق الشريعة علي الأقباط. لكنني حتى هذه اللحظة لم أتعرض لأية اساءة سواء في عصر الاخوان او بعد ذلك. الأمر الذى أعطاني طاقة إيجابية للاصرار علي البقاء" هكذا تمضي جيهان التي رفضت نداءات شقيقاتها المتعددة بالرحيل إلي كندا حيث تقيم إحداهن او إلي أمريكا حيث تعيش الأخري.
لكن الناشط كامل يعتقد أن مسببات الهجرة لم تتغير و بالتالي لم تنخفض ظاهرة الهجرة كثيرا. فما زالت الدولة تتعامل مع ملف الأقباط علي أنه موضوع تراض بينها و بين الكنيسة. و هو يبرهن علي ذلك بأنه عقب صعود الرئيس السيسي للحكم، ما زالت هناك احداث طائفية تشتم فيها رائحة التمييز.

معركة من أجل البقاء |

" في أحداث المطرية الأخيرة التي اشتعلت بين عدد من المقاولين مسلمين و أقباط استخدمت فيها الاسلحة النارية و راح ضحيتها شخص مسلم. وجدت وزارة الداخلية الحل في جلسة عرفية بين الطرفين و كان الحكم متعسف إذ أجبر الاقباط علي تقديم كفن، مليون جنيه لبناء مسجد فضلا علي عدد من الماشية و الإبل. ناهيك عن تباطؤ الدولة في ترميم بعض الكنائس التي أضيرت وقت حكم الإخوان و مسلسل الخطف الذى يعد احد مسببات الهجرة الرئيسية. فلدينا حالات كثيرة هاجرت بعد تجربة خطف " هكذا يمضي كامل الذى نظم وقفة إحتجاجية امام محافظة المنيا لوقف حالات خطف الاطباء.

لكن هناك دون شك خلاف بين الرغبة في الهجرة و القدرة علي الهجرة، كما يرى الباحث أسحاق ابراهيم،مسئول ملف الدين و حرية المعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. فكثير من المسيحيين قد يكون لديهم الرغبة لكن لا توجد لديهم القدرة علي الرحيل. " ليس كل الأقباط نجيب ساويرس كما يعتقد البعض" هكذا يمضي ابراهيم. و هو السبب الذى خلق في أوقات الثورة قبلات جديدة و غير تقليدية اقل سعرا. فكان هناك موجات هجرة لبلد مثل جورجيا حيث ان تكاليف الرحيل كانت اقل نسبيا مقارنة بالقبلات التقليدية للمهجر ( استراليا-كندا-الولايات المتحدة الأمريكية). ,فطبقا لجورج، طبيب أربعيني، ذهب هناك و عاد أدراجه بعد هدوء العاصفة علي حد تعبيره، أن الطريق لجورجيا كان يبدأ بواسطة  شركات بالقاهرة والإسكندرية والمنيا لتهجير الأقباط مقابل ألفين دولار ثم إجراء "إنترفيو" ثم التأشيرة مقابل 200 دولار لكل فرد.

لكن اسحاق يعتقد ان مشروع الهجرة يرتبط أيضا بمستوى التأهيل الذى حصل عليه راغبي الهجرة. فكثير ممن يقدمون علي المشروع من المهنيين سواء كانوا أطباء، مهندسين، محامين الخ لم يحصلوا علي تعليم يمكنهم من ان يمتهنوا وظائف علي نفس المستوى الذى يجدونه في الوطن.

الامر الذى يدفع أمير زكي، صحفي عشريني، اليوم أن يفكر في الهجرة عن طريق البحث عن فرصة للتعلم، "هامش الحريات يضيق في مصر و بالتالي فرص العمل في المؤسسات الإعلامية تتقلص. قد تكون الرغبة في الهجرة مرتبطة بشكل أكبر بالجيل الجديد لكن الموقف يزداد سوءا بالنسبة للأقليات دون أدني شك"

في محاضرة القاها الباحث سامح فوزى عن هجرة الأقباط بعد الثورة، يعتقد أن العامل الإقتصادى هو الدافع الرئيسي للهجرة مهما حاول البعض تغليف مسببات الطرد بمبررات أخرى. و هو يقول أن الحديث عن هجرة الأقباط أصبح ملف يفرض نفسه كلما تم فتح ملف أقباط المهجر بين القدح و المدح أو كلما طرح الحديث المرتبط بالقلق على التركيبة الحضارية المصرية نتيجة هجرة المسيحيين إلى دول الغرب، او كلما تعالت نبرات النداءات المناشدة بأهمية مساهمة المصريين في الخارج عامة، مسلمين ومسيحيين في تنمية وطنهم مصر، في إطار ما يمكن تسميته "الهجرة والتنمية.

لكن الأمر الذي يمكن ملاحظته أن مسار الهجرة القبطية منذ الستينيات اتجه إلى الغرب (الولايات المتحدة، كندا، استراليا) خاصة عندما اتجهت هذه الدول للتخفيف من القيود المفروضة على هجرة غير الأوروبيين إليها،  لأسباب تبدو متعددة: بعضها يتصل بالمناخ السياسي وقتئذ (سياسات التأميم والإصلاح الزراعي التي اتبعها النظام الناصري)، والتي أضرت بالرأسمالية القبطية مثلما أضرت بالرأسمالية المسلمة، لكنها شكلت دافعا لهجرة بعض المسيحيين، تلاها وجود فرص اقتصادية شكلت حافزا لمصريين- مسلمين ومسيحيين- للهجرة إلى الخارج، ناهيك عن صعود المد الديني منذ السبعينيات، مرورا بالثمانينيات والتسعينيات حتى العقد الأول من الألفية الجديدة، والذي سبب مخاوف لقطاع من الأقباط نتيجة أحداث العنف الطائفي، واستهداف الأقباط، والتضييق الاجتماعي عليهم في بعض المناطق، لكن يظل من غير المعروف الأوزان النسبية للأسباب التي تشكل دافعا لهجرة الأقباط على وجه الخصوص: الأوضاع السياسية، وتصاعد خطابات الكراهية الدينية، والبحث عن حياة أفضل.

"ومن الطبيعي أن يكون في البداية عدد المسيحيين المهاجرين إلى الغرب لافتا، نظرا لما نطلق عليه رأس المال الاجتماعي Social Capital- القبطي المهاجر لديه شبكة علاقات في المهجر يمكن ان تستوعبه في البداية (الكنيسة، الأسر المهاجرة، الجمعيات الأهلية في الخارج، الخ)، بعكس المهاجر المصري المسلم، ولكن يلاحظ أن هذه الخصيصة تراجعت بمرور الوقت نظرا لأن هناك رأس مال تشكل أيضا على الجانب الإسلامي يستوعب المهاجرين الجدد في البداية سواء في أطر دينية أو في سياق علاقات القرابة والانتماء الجغرافي إلى الحد الذي يجعل هناك مجتمعات تتشكل على أسس ريفية في بعض المدن الغربية"

و رغم كل هذا الجدل المثار ترفع الكنيسة بدورها شعار التحدى من أجل البقاء. فرغم الاتهامات الملقاة من قبل البعض علي الكنيسة بتسهيل تسفير الأقباط للخارج. وفقا لمنظمة "كيمي" القبطية بالنمسا بالتعاون مع عدد من الكنائس في مصر و احدي المؤسسات الحقوقية انه يوجد في مصر 23 جهة تقوم بمساندة الاقباط للهجرة و هى مؤسسات حقوقية و شركات متخصصة للهجرة. لكن بولس حليم المتحدث اللرسمي باسم الكنيسة الارثوذكسية  يقول أن هجرة المسيحيين من مصر، حقيقة ملموسة يراها الجميع وظهرت بوضوح خلال فترة حكم الإخوان لمصر، الا انه لم ينف وجود مساعي لاستقرار الأوضاع في الفترة الحالية كي يطمئن هؤلاء المهاجرين ويتشجعوا على العودة للوطن. يتناغم ذلك مع ما جاءت به وثيقة لمجلس كنائس الشرق الأوسط أكدت أن مسيحيى الشرق جزء لا يتجزأ من الوطن العربى وأن المسيحيين فى الدول العربية لن يتركوا كنائسهم وأملاكهم لمجرد الخوف والقلق مما يتعرضون له وما يشيع عن التخويف من جانب الإسلاميين.

معركة من أجل البقاء |

قد يكون الأفق قد ضاق بكثيرين في ظروف و ملابسات بذاتها، شجعتهم تواجد شبكة علاقات في المهجر علي الرحيل.  لكن البعض بدأ يرى المشهد بعين ثالثة " ما الهجرة الا اكذوبة كبيرة، فالطرف الاخر من العالم ليس مهد الاحلام " كما يعتقد شاربل، مترجم الذى شد رحاله نحو كندا عقب ثورة يناير. " ما زلت اعيش علي مدخراتي في مصر لان راتبي هناك من عمل بسيط لا يتجاوز 11 دولار  بينما انا احتاج لنفقات تصل إلي   900 دولار لاسدد ايجار المنزل المجهز ببعض الأجهزة الكهربائية وما يربو من 3000 دولار لشراء اثاث و   50 أخرى شهريا لسداد فاتورة التليفونات  أما السيارة التي تعد هنا نوع من الرفاهية بالنسبة للمهاجرين فقد يصل ثمنها لاربعة آلاف دولار  ناهيك عن تكاليف الهجرة نفسها التي وصلت إلي قرابة أكثر 3000 دولار.  أريد العودة لكنني لن اتمكن من ذلك قبل انقضاء خمسة أعوام لأن قوانين الحصول علي حقوق المواطنة أصبحت أكثر صرامة منذ أن بدأت حكومات بلدان المهجر تتفهم حيل هؤلاء النازحين" هكذا يصيح شاربل من مهجره.