الإعلان

 

مجتمع مصر حوار: في ذكرى شاهندة مقلد (1938-2016)
حوار: في ذكرى شاهندة مقلد (1938-2016)
ريم سعد, ياسمين أحمد   

 

في ٣٠ إبريل ١٩٦٦، اُغتيل صلاح حسين على يد أحد أعضاء عائلة إقطاعية في قرية كمشيش الواقعة بمحافظة المنوفية في قلب الدلتا.

حوار: في ذكرى شاهندة مقلد (1938-2016)  | شاهندة مقلد, ريم سعد, ياسمين أحمد, ابتكار, مدى مصر
Courtesy: Zeinab Mohamed, Twitter - شاهندة مقلد في احتجاجات عام 2012

كونه ابن القرية المتعلم، انخرط حسين في النشاط السياسي اليساري وفي النضال القومي ومقاومة الاستعمار في فترة ما قبل ١٩٥٢. بعد ذلك، وجه حسين نشاطه للتركيزعلى عائلة من الإقطاعيين كانت تحكم القرية بالحديد والنار لمدة طويلة، وفي خضم هذا النضال، قتل حسين.

خلف حسين أرملته شاهندة مقلد، والتي كان عمرها بالكاد ٢٧ عامًا عند مقتله. أصبحت مقلد قائدة على المستويين المحلي والوطني، تدافع عن حقوق الفلاحين وتتبنى قضايا أخرى على مستوى التحرك الشعبي. وهي مؤسسة نقابة الفلاحين المستقلة، وتحت قيادتها، أصبحت كمشيش مثالًا للنضال ضد الظلم ومصدر إلهام لقرى أخرى.

توفت مقلد في ٣ يونيو ٢٠١٦ بعد صراع مع مرض السرطان. وفي ذكراها، يعيد "مدى مصر" نشر أجزاء من لقاء مطول أجرته معها ياسمين معتز -المتخصصة في الأنثروبولوجي الإجتماعي، والتي حصلت مؤخراً على شهادة الدكتوراة من جامعة كامبريدج- وريم سعد -الأستاذ المساعد بقسم الأنثروبولوجي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وهو اللقاء الذي تم في عام 2009 وفي عام ٢٠١١ نُشرت نسخة أطول منه في the Review of African Political Economy.


إحنا الأول عايزين نشرح لحد ما يعرفش حاجة عن "كمشيش" إيه حكايتك؟ نبتدى من 30 أبريل سنة 66؟

إذا اعتبرنا أن 30 أبريل هى المدخل، ففى 30 أبريل سنة 66 الإقطاعيين اغتالوا الشهيد صلاح حسين أثناء مروره فى القرية مع زملاء ليه، عقب الاستشهاد بدأت تتفجر قضية "كمشيش" ككل، وقضية الإقطاع والتصدى ليه، وفى الوقت ده انطلقت كمشيش فى مظاهرات.

 مين صلاح حسين؟

هو جوزى الشهيد صلاح حسين، اتجوزنا سنة 1957، وهو كان القيادة المركزية لفلاحين كمشيش،  وهو اللى قاد الفلاحين فى معركتهم ضد الإقطاع، لما استشهد حولنا جنازته لمظاهرة تطالب بالقصاص العادل وتطالب بمحاكمة الإقطاعيين وكده، واللى حصل إن عبد الناصر تبناه.

 إيه اللى خلاهم يقتلوه؟

  اللى خلاهم يقتلوه إن كمشيش قرية زمامها الزراعى 2000 فدان (...)، وهى كانت قرية ملكيتها ضعيفة جداً، فى المرحلة الحديثة كان فيها فقراء فلاحين، لكن الأسر المتوسطة كانت تقريباً متساوية. ولكن بعد خيانة أحد أبناء القرية للثورة العرابية اتنقل نقلة تانية مختلفة وأصبح عنده ملكيات وإقطاعيات كبيرة جداً خارج كمشيش، فى كمشيش كان كل ما يمتلكه 50 فدان متقارباً مع بقية أهالى القرية، لكن هو ابتدى يزود ملكيته باغتصاب أراضى الفلاحين، الأول بالاستيلاء على أراضى عيلته -عيلة الفقى- بإجبارهم على بيعها، ثم بعد ذلك ابتدى يجور على أراضى باقى القرية بنفس الطريقة، بالاغتصاب وبإجبارهم على بيع الآراضى بشكل صورى، ابتدى يبقى فى القرية قهر إقطاعى لا مثيل له، يعنى فى القرى فى مصر ما كانش فيه البشاعة دى زى "إقطاع الفقى" لإنه كان إقطاع إجرامى، وكان عندهم سجن وكان فيه سرقة بهايم، وكان فيه سجل جنائى للأسرة الإقطاعية دى فى المباحث الجنائية اللى هى بترصد المجرمين دول، لإن فيه جرائم كتير بتحصل.

الشهيد صلاح حسين كان أحد أبناء هذه القرية، جده كان العمدة هناك، وكان في صراع على العمودية بين عيلته -عيلة مقلد- وعيلة الفقى، لكن مش ده اللى فجّر الصراع. صلاح انتمى فى مرحلة لجماعة الإخوان المسلمين وسافر لفلسطين، ولما رجع اكتشف إن مش همّا دول الناس اللى المفروض يبقى معاهم، والتحق بالعمل الفدائى بالقنال، وفى القنال اتعرَّف على وسيم خالد وحسين توفيق، المجموعة اللى اغتالت أمين عثمان، همّا حسّوا إن المفروض القضاء على الإقطاع والإقطاعيين والعملاء لتحرير فلسطين، وإن الطريق لتحرير فلسطين تحرير مصر الأول من الداخل، فأخد صلاح مسئولية القضاء على الإقطاع.

 ده كان قبل الثورة؟

شاهندة: آه قبل الثورة، كان تحديداً فى الفترة من 51 إلى 52 بدأ يبقى فيه خطة: إزاى نحارب الإقطاع فى القرية. جمع مجموعة من الطلاب اللى كانوا بيروحوا مدرسة شبين الكوم، واللى الإقطاع كان بيفرض عليهم وهما راجعين منها يلبسوا الطاقية، كل واحد فيه طاقية فى جيبه يلبسها وهو نازل القرية.

 ليه الطاقية دى؟

  نوع من الإذلال: أنا لبستك الطاقية يعنى ذليتك، مش انتو رحتوا اتعلمتوا.. لكن انتو هنا حاجة تانية. فـ صلاح ابتدى يقول لهم: انتو إزاى تقبلوا بكده، وتلبسوا طواقى، وابتدى يعمل اختبارات علشان يعرف مين فيهم ممكن ياخده معاه فى التشكيل اللى حيعمله لمحاربة الإقطاع، وكانت فكرتهم لمحاربة الإقطاعيين هي العمل المسّلح، وابتدى يدربهم على السلاح وابتدى يقولهم إن لما الإقطاعى يمر من قدامكم ما تقوموش تقفوا، فكان اللى يصمد يحطه معاه فى الاختبار بتاعه، الإقطاعى كان عامل لنفسه جامع يصلى فيه، يعنى الجامع كله فيه سجادة واحدة بيقف عليها الإقطاعى والفلاحين يقفوا وراه، ابتدى صلاح يقف جنبه على السجادة ما قدرش يعمله حاجة، العناصر اللى كانت تنجح فى الاختبارات الصغيرة دى بدأ صلاح يجندها معاه، وابتدت تتشكل مجموعة من 10 طلاب وتتمرن على السلاح وإلى آخره، فى الوقت ده قامت ثورة 52.

هما أدركوا إن خلاص بقى، ما دام الثورة قامت لرفع شعارات القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، والنظام الملكى -اللى هو عميل الاستعمار وعميل الإقطاع- وقع، فـ قالوا مفيش معركة مسلحة فيه معركة سياسية، فـ ابتدى صلاح يقف فى الأماكن اللى فيها تجمعات، وهى يا إما فى الجوامع أو المياتم أو الأفراح، وقرر هو وزملاؤه أبناء القرية يستفيدوا من صلاة الجمعة وصلاة العيد والمياتم، ووقف صلاح فى ميتم ومسك الميكروفون وقال: "لقد قامت ثورة يوليو.. ارفُضوا السخرة عيشوا أحرار فوق أرضكم طالبوا بأرضكم المغتصبة".

 هل كان قانون الإصلاح الزراعى طلع في الوقت ده؟

لأ، الكلام ده فى 4 سبتمبر 1952، ما كانش لسه قانون الإصلاح الزراعى طلع، قانون الإصلاح الزراعى طلع فى 9 سبتمبر. في الوقت ده ابتدى الفلاحين لما ييجوا ياخدوهم للسخرة ما يروحوش، وابتدى يبقى فيه مقاومة سلبية حس بيها الإقطاع، وكان "الفقى" عمدة القرية. وابتدت قيادة القرية تفكر إزاى ناخد حقنا، الفلاحين لازم يبتدوا بمعارك صغيرة.. لازم قيادتهم يبدأوا بمعارك صغيرة معاهم عشان يثقوا أولاً فى قيادتهم، وثانياً عشان يثقوا فى نفسهم، القيادة بدأت تفكر فى ‘ن الاقطاعى كان شاقق ترعته فى أراضى الفلاحين بالقوة عشان تروى أرضه فكل واحد قرر ياخد أرضه، وقالوا حيتجمعوا كلهم عشان يردموا الترعة كل واحد على راس غيطه يردم الترعة اللى معدية فى أرضه، هما طبعاً ما كانوش مسلحين ولكن اتسرب الخبر من واحدة اسمها ستيتة جادالله طلعت تزغرط علشان فرحانة إنها رايحة تردم الترعة طلع الإقطاعيين عليهم بالسلاح ضربوا عليهم نار أصيب 17 فلاح. ما موتوهمش لكن أصابوهم، فراحوا على رجليهم وردموا الترعة وبدأت الدنيا تقوم وبوليس وإلخ، واتنقلوا على قريه الشهدا وبدأ التحقيق مع الإقطاعيين.

وبدأ "الفقى" يقول إن صلاح هو المحرض. وكانوا قبضوا على اتنين تلاتة من القيادات، راح صلاح يخلصهم قبضوا عليه، و"الفقي" حبسه في الدوّار، وفى التحقيق النيابة كانت متواطئة مع الإقطاعيين؛ لأنهم كانوا لسه فى جبروتهم، و"الفقي" اتوقف عن العمودية يوم واحد بس.

وبعدين الفلاحين لمّا لقوا إن لما انضّرب عليهم نار الثورة ما نفعتهمش ولا الإقطاعي اتشال من العمودية،  فقرروا يطلّعوا السلاح، وهمّا(صلاح وزمايله)لأنهم كانوا فلاحين فعارفين نفسية الفلاحين إنهم لما ينهزموا لازم تحقق لهم انتصار تانى، فكان فيه سد فى القرية عمله الإقطاعى علشان يروى أرضه قبل أرض الفلاحين فقرروا يهدوه، والمرة دى طلعت المجموعة ومعاها سلاح، جه "الفقى" يروح لهم لقى معاهم سلاح، طلع يجرى. فـ هدّوا السد. وكان ده انتصار الفلاحين.

كانوا الأول يقولوا الطلبة راحوا الطلبة جم، بعد كده بقوا يقولوا الأحرا. وبقت القرية منقسمة لجبهتين: جبهة الأحرار للطلبة والفلاحين وجبهة للمختلسين، اللى هما عملاء الإقطاع اللي راحوا لـ "الفقي"، وابتدا "الفقى" يجيله جنون من اللى بيحصل، وما بقاش لاقى حد معاه من الفلاحين فبدأ يأجّر عرب من اللى عليهم أحكام بـ 25 سنة وإعدام وهربانين، وكان هو بيأويهم، وبدأ العرب دول ينزلوا القرية فى وسط النهار وهما شايلين سلاح ويقولوا: البلد دى ما فيهاش راجل ولو فيها راجل يطلعلنا، وكانوا بيقطعوا الطريق على الفلاحين، ما حدش يطلع وما حدش يدخل، فقرر الفلاحين إنهم يهجموا عليهم، وفي مرة سابوهم قعدوا يضربوا نار لحد ما حسوا إن الرصاص اللى فى السلاح خلص فهجموا عليهم، وهما كانوا أربعة مجرمين طلعت عليهم القرية كلها ستات ورجالة لحد ما اتقتلوا الأربعة المجرمين دول بالشوم والسكاكين وكانوا مرميين في الشارع، وده كان فى نهاية سنة 53. بعد اللى حصل ده، اتفرض حظر التجوال على القرية (...) ونزل الهجانة فى القرية زى فيلم "الأرض" ونزل الإقطاعيين القرية، بعد كده نزل "السادات" القرية.

السادات كان إيه دوره فى الوقت ده؟

  كان عضو مجلس قيادة الثورة فنزل لأن دى كانت جنب قريته، نزل عند "الفقى" وقال لقيادات القرية تعالوا -في الوقت ده كانت الحكومة بعدت "صلاح" وحددت إقامته في إسكندرية- ورفضت القيادات تروح بيت "الفقى" اللى كان لسه عمدة وقتها، وقالوا له: تعالى قابلنا فى الخيم اللى اتعملت جنب نقط التفتيش، ولما وافق قالوا له: بس نمرة واحد لازم ترفع حظر التجوال عشان نعرف نيجى، ونمرة اتنين إحنا ما بنرُحش عند "الفقى". وراحوا بالفعل يقابلوا السادات، دخلوا الخيمة لقوا "الفقى" وأنور السادات قاعدين جنب بعض، ولما دخل ممثلين القرية ما قالهمش اقعدوا، فراح عم عبدالله شريف سحب كرسى وقعد عليه وراح مولع سيجارة، راح السادات قال له: "انت عارف بتكلم مين؟"، عم عبد الله رد عليه: "آه.. الدار جنب الدار والغيط جنب الغيط"، السادات قال له: أنا حاعلق لكم المشانق.. أربعة يتقتلوا على قارعة الطريق ولا يوجد ولا شاهد واحد. وراح طالع واعتقل 25 فلاح، وافتكر كده إنه خلص من "القلة المنحرفة"، فنزل كمشيش وراح على بيت شيخ البلد، أول ما البلد عرفت راحت طلعت القرية في مظاهرة كبيرة وحرقوا البيت اللي جنبه، راح واحد من دايرة "الفقى" اللى هو بيديرلهم المؤامرات والقتل قال لـ "الفقي" قول للبيب تعالى مشى الناس دول"، طلع لبيب ومَشَّى الناس ولما دخل السادات قال له: "أنا أمرت باعتقالك"، قال له "تعتقلنى!! ده أنا اللى مَشّيت المظاهرة"، رد عليه: "اللى مَشّى المظاهرة يبقى هو اللى جابها".

بعد اللى حصل، أبويا -وكان وقتها رئيس مباحث بنى سويف- بعت برقية لمجلس قيادة الثوره بما فيهم "عبد الناصر" و"السادات"، وقالّهم فيها "إما أن تفرجوا عن المعتقلين أو تعتقلونى معهم"، فبعتله "السادات" وقالّه "أنا عايز أعمل صلح فى القرية"، وبالفعل نزلوا القرية وراح أبويا وقال لأهل القرية إن حيحصل كذا كذا، فـ انقسمت القرية لقسمين: قسم موافق على الصلح وقسم غير موافق، وكان الطلبة ضمن الرافضين للصلح، وبعت صلاح لأبويا جواب قالّه "لا تبيع البلدة بالإفراج عنّا فالسجن أرحم من أن يضيع حق المنهوب"، طبعًا بابا ما سألش فيه وقَعَد مع الطلبة، اللى هما زمايل صلاح فى البلد، وقال لهم: أنا عايز أعمل هدنة علشان تلتقطوا أنفاسكم، وطبعاً دايماً شيوخ القرية بيبقوا ميالين لأن الناس ترجع؛ لأن كان فيه 25 واحد معتقل من قرية واحدة، وطبعاً رأى بابا هو اللى مشي. وجه أنور السادات وقال له "هاتوا صلاح الفقى"، السادات قال له "أنا مش حجيبه.. هو عايز ييجى ييجى كفاية أن أنا ححميهولك". فـجه صلاح الفقى وخطب السادات خطبة عصماء وقال "لقد أصبح لنا الآن فى كمشيش عزوة" وكان السادات واعد بالإفراج عن المعتقلين في مقابل الصلح، وفى الخطبة ما جابش السادات سيرة، فـ بابا مسك الميكروفون وقال: "لقد وعدت يا سادات بالإفراج عن المعتقلين"، فـ السادات رد: "حنفرج عنهم". وبدأت مرحلة جديدة وبقى فيه لجنة تتابع الأراضى المغتصبة.

 هل كان قانون الإصلاح الزراعى صدر وقتها؟

أ يوه.. بس كمشيش ما كانتش خضعت للقانون على الرغم من أن فيها 1400 فدان.

 ليه ما خضعتش؟

  هاقول لك ليه ما خضعتش.. الأراضى كانت بتتاخد إزاى، لما باخد أرض باعمل عقد عرفى ما بيتسجلش فى الشهر العقارى، لأن الإقطاعى مش خايف إن الفلاح يرجع يقولّه عايز أرضى تانى، فالمتسجل فى الشهر العقارى والمساحة مفيش.. كل اللى متسجل رسمى فى كمشيش 50 فدان. ولما ابتدت لجنة التحقيق -عضو من لجنة قيادة الثورة وعضو من مديرية الأمن وعضو مش عارفة منين ومنين- حكمت برجوع 50 فدان بس، لأن دول اللى كان عليهم عقود، لكن باقى الأرض قالوا العقد شريعة المتعاقدين، وبدأت معركة التبليغ عن الأراضى المهربة، بدأنا معركة الأراضى وقالّنا واحد من عيلة الفقى إن الأراضى مكتوبة باسم أصحابها مش باسم الفقى، فرُحنا بلّغنا إن اللجان اللى هتروح تحقق من مديرية شبين الكوم ما تنزلش كمشيش من غير ما إحنا نعرف عنها حاجة، لحد ما جت انتخابات المجلس القومى وأنا اترشحت سنة 58 وبقيت أنا ومجموعة من قيادات القرية بنمثل القرية فى تنظيم سياسى يحكم البلد.

 وانتِ كان دورك إيه؟

  في أول مؤتمر بعد الانتخابات وقفت وقُلت: أهم قانون أصدرته الثورة هو قانون الإصلاح الزراعى، ولكنه لم يطبق فى كمشيش وما زال الإقطاع مستفحل، فاتبعتلنا لجنة من شبين الكوم والقرية كلها طلعت للجنة وقُلنا هنعمل معاينة على الطبيعة لأن هو ده الحل الوحيد.. هنروح كل أرض ونقول الأرض دى بتاعة مين؟، لو قال الأرض مش بتاعتى خلاص تروح لصاحبها، لو قال بتاعتى تتثبت إنها فى حيازته. فتصورى القرية كلها بتلف الزمام الزراعى واعترفوا بالحيازة، ودخلنا فى معركة همّا بالرشاوى وإحنا نبعت تلغرافات، فـ كتبت لعبد الناصر إن "ثورة 23 يوليو ملك شعبنا لكن شوهها الإقطاع. الحقيقة واضحة فلا تسمعهم وتجاهلهم". وفضلت المعركة معلقة من 58 إلى 62 بعد انفصال سوريا عن مصر، بدأ عبد الناصر يفوق ويقول "لقد وقعنا فى خطأ مهادنة الرجعية" وابتدى يحط الأرض تحت الحراسة، وفعلًا اتفرضت عليها الحراسة واتوزعت الأرض على 199 منتفع.

إحنا كمان عملنالها توزيع شعبى، ورفضنا توزيعها حسب قانون الإصلاح الزراعى بتاعهم اللي بيقول الإقطاعى يقدم كشف يقول "فلان وفلان دول شغالين عندى.. ادّوهم الأرض". طبعاً إحنا قولنا مفيش كده. إحنا اللى عارفين مين بيشتغل ومين ما بيشتغلش، وعارفين القواعد مين عنده ست عيال ومين ما عندوش، فـشكلنا لجنة شعبية مع لجنة الإصلاح الزراعى واتوزعت الأرض على 199 منتفع، وخلصنا من توزيع الأرض والإقطاعيين طلعوا من القرية خالص وما بقاش ليهم غير بيوتهم بس طالعين مش ساكتين عايزين يشوفوا إزاى ينتقموا مننا.. فـ جُم فى 65 اتقبض على صلاح كإخوان مسلمين وهو مكتوب فيه تقرير من المباحث العامة إن صلاح بيشتغل مع الشيوعيين فى كمشيش. إحنا عملنا لجان دعوة وفكر وعملنا مناقشة حوالين إننا أخدنا الأرض، هل الأرض حلتلنا مشاكلنا الفقر فى القرية؟ لأ ما حلتش مشاكل الفقر، إحنا عايزين نعمل كذا ونعمل كذا ونعمل زراعات جديدة. وابتدى تفكير فى التطوير لحركة الفلاحين لما بعد، اتطرحت فكرة الجمعية التعاونية بما إن إحنا زرعنا الأرض مع بعضينا وابتدت الجمعية تتشكل من الناس، ابتدت الناس تيجى وتنضم للجمعية التعاونية، وابتدى يبقى فيه حراك سياسى متطور فى القرية ومعركة سياسية، وابتدينا نقول عايزين ناخد الأراضى اللى هنا، ونصادر بيوت الإقطاعيين عشان نعملها خدمات للقرية، فابتدت معركة من نوع مختلف. وتم اعتقال "صلاح" فى 65 ضمن الإخوان المسلمين، بس طبعاً هو قعد 5 أيام أو 6 أيام وطلع، إحنا عملنا مظاهرات وأنا لفيت على كل الناس فخرج.. وأصبح مفيش غير أنه يتقتل، وهما حاولوا يقتلوه كذا مرة بس ما اتمكنوش من قتله، وحاولوا مرة يسمُّوه ولجأوا لأحد أصدقائه اسمه شفيق الجندى وقالوا له "اللى انت عايزُه حنديهولك.. وهو ما بياكُلش عند حد غيرك"، المهم هو جه وقالُّه "يا صلاح ما تاكُلش عند أى حد وحكالُه الحكاية"، وبرضه بعتوا قبل كده واحد مجرم من العرب وكان عندنا واحد من العرب اسمه رمضان أبو ضلمة فرمضان أبو ضلمة شاف المجرم ده وقالُّه "انت جاى ليه؟"، قالُّه "عشان أقتل واحد اسمه فلان الفلانى"، أبو ضلمة قالُّه "طيب انت تعرف فلان الفلانى ده؟"، قالُّه "لأ أنا ما أعرفوش، هما مأجرينى عشان أقتلُه"، أبو ضلمة قالُّه "خلاص انت اقعد معايا أربع خمس أيام".. وأخدُه ولففُه على القرية كلها وقعد يسأل الناس على صلاح، والناس كانت بتحب صلاح وقعدوا قالوا ده صلاح هو اللي عملنا كذا وكذا.. أبو ضلمة قالُّه "طيب انت تقدر تقتل الراجل ده؟"، قالُّه "لأ طبعًا ما أقتلوش"، قالُّه "خلاص تحلف على المصحف إنك ما تقتلوش"، وحلف على المصحف.

وأثناء معارك القتل دى اتقتل اتنين من شهداء كمشيش، أول واحد هو أبو زيد أبو رواش، وده كان شغال عند الإقطاعيين، وعارف مكان السلاح بتاعهم فين، فلما انضم للفلاحين الإقطاعيين قتلوه لأنه أفشى سر السلاح كان موجود فين والفلاحين استولوا عليه. تانى واحد كان عنتر، وده كان أحد الفلاحين، وكان أمّى وصلاح كتب فيه نعى رهيب، وده اللى وقف فى وسط الأرض وقال لصلاح "الأرض دى لو ما زرعنهاش حتطلع حاجة؟"، قالُّه لأ، قالُّه "خلاص تبقى بتاعتنا"، قالُّه "بس كده حيقولوا علينا شيوعيين". فى الوقت ده كان صلاح لسه إدراكُه مش كبير وكان ده فى سنة 52، وعنتر ده انضم للحزب الشيوعى فى الفترة المبكرة من غير ما يقول لصلاح، وبعد كده صلاح عرف وعنتر ده استشهد فى معركة مسلحة، كان فى اشتباك مع عميل من الإقطاعيين فـ الرشاش اللى فى إيد عنتر "سفّ"، فـ رماه وقتل العميل ده بإيديه، وقال لهم وهو بيموت "إدوا الرشاش ده لصلاح". دول الاتنين اللى استشهدوا قبل صلاح.
 
 
Reem Saad is an assistant professor of social anthropology at the American University of Cairo
 
 

محتوى نقل من موقع  حوار: في ذكرى شاهندة مقلد (1938-2016)  | شاهندة مقلد, ريم سعد, ياسمين أحمد, ابتكار, مدى مصر و ينشره  باب الماد فى اطار برنامج "ابتكار"