الإعلان

 

مجتمع مصر قصة مجتمع مدني.. قصة موت معلن
قصة مجتمع مدني.. قصة موت معلن
جمال عيد   

 
هذه الأيام، وأنا أنتظر الضربة القانونية المبيَّتة للمؤسسة المدنية التي أسستُها، يصعب علي ألا أفكر في رواية "سرد أحداث موت معلن" لجابرييل جارثيا ماركيز.

قصة مجتمع مدني.. قصة موت معلن | جمال عيد, ابتكار, مدى مصر, جابرييل جارثيا ماركيز

تحكي رواية ماركيز عن الساعات الأخيرة في حياة بطل الرواية "سانتياغو نصار". للوهلة الأولى، تبدو الرواية عادية؛ في نهاية ليلة عادية سهر فيها سانتياغو في مدينته، يسير في الطريق حيث يلتقي ببعض اﻷصدقاء ويرى بعض جيرانه، كل اﻷمور طبيعية والحوارات معتادة، فيما عدا شيء وحيد؛ الجميع يعلم أن سانتياغو سيُقتل على يد الإخوة فيكاريو. والمقصود بالجميع هنا كل الناس باستثناء المحكوم عليه، الذي يسير سعيدًا في مدينته، وهو لا يدري أنه أصبح شبه شبح بالنسبة للجميع.

لم أفكر مطلقًا أن حياتي تشبه حياة سانتياغو نصار، إلا منذ بدأت أفكر مؤخرًا في جلسة محاكمتي المزمع عقدها يوم 17 يوليو. في هذا اليوم، ستنظر محكمة في القاهرة في قضية رفع دعواها بعض من برعوا في الكذب والتلفيق، وتقرر وأد بعض المنظمات غير الحكومية في مصر، من عدمه.

في تلك الجلسة، سيحكم القاضي فيما إذا كان لأجهزة متسترة برداء مستعار من القانون أن تحقق رغبتها وتصدر قرارات إغلاق، ومنع من السفر، ومصادرة أموال، وملاحقات جنائية ضد هذه المنظمات، أم لا. سيكون هذا الحكم بمثابة قيام الحكومة المصرية بالإعلان عن الحكم بالإعدام، ليس فقط على المنظمات الستة التي تهاجَم حاليًا، ولكن على كل المؤسسات المستقلة غير التابعة للدولة فوق تراب مصر.

نحن لسنا الضحية المحكوم عليها في رواية ماركيز، على اﻷقل حتى الآن. في الحقيقة إنه ليس شخصًا، بل شيء أكثر أهمية؛ إنه المجتمع المدني المصري. الجميع يعلم أن هذا هو ما يحدث. لقد أُرسلت رسائل ووُجّهت نداءات، لكن لم يكن بمقدور المعرفة وحدها إيقاف المصير المتوقع له حتى الآن. إذا نُفِّذ حكم الإعدام، سينفذ في وضح النهار، سيقتله موظفو الدولة أخيرًا على مرأى ومسمع من الجميع، من الرأي العام المحلي والدولي، من جمهور الإعلاميين و الصحفيين، من جميع المراقبين محليًا ودوليًا.

إن هذا الموت كان مدونًا على قائمة الأمور التي يجب على النظام القيام بها منذ شهور. لشهور ظل يسن السكاكين في وسائل اﻹعلام التابعة للدولة. الاتهام الرئيسي ضدنا كان أننا نسيئ لسمعة البلد بالنشر عن انتهاكات حقوق الإنسان، وأننا نتلقى أموالًا من الخارج. التهمة في حد ذاتها مثيرة للسخرية، إذ أنها تأتي من نفس النظام الذي يتلقى مليارات الدولارات سنويًا كمعونات من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.

رغم أنني أستخدم الموت كصورة بلاغية للحديث عن هذه القضية، إلا أنها ليست مبالغة. فبداية من 2011، بدأ نظام المجلس العسكري هجماته ضد المجتمع المدني المستقل، وحين تولى السيسي الحكم في 2013 استكمل الهجوم على الجمعيات الخيرية بزعم انتمائها للإخوان المسلمين، وبعدها أخذ يغلق ويلاحق المؤسسات الثقافية المستقلة، ثم الإعلاميين والصحفيين المنتقدين، ثم النقابات المستقلة، و الآن يشحذ كل أسلحته للهجوم على المؤسسات المدنية والحقوقية المستقلة، سواء العاملة على تعزيز الرعاية الصحية والتعليم وحرية الصحافة، أو على الإصلاح الديمقراطي والمساعدة القانونية.

ومن بين المنظمات غير الحكومية الأخرى التي تأثرت بتلك الحملة كانت تلك المعنية بمواضيع أكثر تعقيدًا كالفساد والفقر والعنف ضد المرأة والتعذيب.

رغم أن بعض هذه المنظمات غير الحكومية كانت تنتقد سياسات الدولة، إلا أن الغالبية العظمى، مؤخرًا، أثَرَت الابتعاد عن السياسة مكرسة جهدها بالأحرى لتقديم الخدمات اﻷساسية التي لم تعد الدولة المصرية تريد تقديمها، أو قادرة عليه.

ربما خصُّونا دون غيرنا لأن منظماتنا توفَّر دعمًا قويًا لضحايا انتهاكات حقوق اﻹنسان في مصر. لقد دافعنا عن ضحايا التعذيب من مختلف الأطراف في مصر؛ إخوان مسلمين، ليبراليين، يساريين، وضحايا القبض العشوائي، ومن مؤيدي النظام. ليس مهمًا أن تكون الاتهامات ضدنا بلا أساس ومتناقضة مع بعضها البعض، أو أن تكون أدلتهم كاذبة ومصطنعة. المهم هو أن نظام السيسي قرر القضاء على آخر معاقل التفكير المستقل والتعبير عن الرأي.

إذا سمح القضاء باستغلال الدولة له لإغلاق المؤسسات الحقوقية المستقلة في 17يوليو، ستُزال آخر أقدام باقية للمجتمع المدني المستقل في مصر. بعدها لن يكون هناك شيء بين المواطنين المصريين والدولة. سيُهدم الجسر، وستكون عواقب هذا التطور كارثية - ليس فقط بالنسبة للشعب المصري، لكن بالنسبة لاستقرار الدولة المصرية نفسها.

ما سبب أهمية المجتمع المدني المستقل في مصر؟ إن منظمات مثل المنظمات غير الحكومية، لا يقتصر عملها على تقديم خدمات للمواطن المصري بشكل عام، لكنها أيضًا تقوم بدور الضمير الناقد في أوقات الصراعات واﻷزمات الكبرى، لكبح جماح العنف أو المبالغة في ردود الفعل، ولتقديم الرؤى المغايرة، وتغليب العقل، والحث على الاستناد للقانون وقيم العدالة والمساواة، بدلًا من التمييز والبطش.

لا تدخل المؤسسات الحقوقية في صراع سياسي مع الدولة، سوى حين ترفض إغماض أعينها أو تذيل مواقف الدولة، حين تغيب سيادة القانون.

وحتى في هذه الأوقات، لا يكون الصراع سياسيًا، فالصراع يكون بين طرفين متكافئين، بل انتقام من الطرف الأقوى المسلح بولاء وانحياز أصحاب النفوذ والصوت والسلطة!

تشبه رواية ماركيز رواية بوليسية مقلوبة ظهرًا على عقب، حيث الجميع، بمن فيهم القراء، يعرفون مكان وزمان وأداة الجريمة قبل وقوعها، لكن الأمر المحير، إن كان هناك أمر محير، يكمن في السؤال عن سبب عدم محاولة أحد منعها؟

أثناء وقوع الجريمة، يكون لكل فرد سبب منطقي وراء فشله في منعها من الوقوع؛ الخوف من البطش، الشعور بالعجز، التشفي ممن لم ينحز له سنتياغو نصار في مواقف سابقة، والإيمان بنظرية المؤامرة.

لكن موضوع القصة ليس هو اﻷخطاء الفردية، إنما الجريمة الجماعية المتمثلة في عدم فعل أي شيء.

على عكس سانتياغو نصار، فأنا ورفاقي المتهمون ندرك جيدًا حقيقة الموت المخطط لمجتمعنا.

حتى لو كان موت المجتمع المدني المصري قد أُعلن عنه بصور مختلفة، لكنه لم يصبح بعد أمرًا حتميًا ولا مفر منه، وهو لم يقع حتى الآن.

وبالإضافة لذلك، فحياتنا، حريتنا، وحياة مؤسسات حقوق الإنسان المستقلة، ليست رواية ماركيز، بل حدث حقيقي.


جمال عيد هو المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
 

محتوى نقل من موقع  قصة مجتمع مدني.. قصة موت معلن | جمال عيد, ابتكار, مدى مصر, جابرييل جارثيا ماركيز و ينشره  باب الماد فى اطار برنامج "ابتكار"