الإعلان

 

مجتمع مصر حكايات التحرش الجنسي المسكوت عنه في المؤسسات الصحفية
حكايات التحرش الجنسي المسكوت عنه في المؤسسات الصحفية
مي شمس الدين   

 

هبت المتدربة الصحفية “ياسمين” إلى قسم التصوير في مؤسسة صحفية كبرى، لتسليم بعض الصور المرافقة لموضوعها الصحفي، وبينما همت بالدخول وجدت الفني المشرف على القسم وهو يشاهد فيلمًا إباحيًا برفقة أحد العاملين بالبوفيه. ألقت “ياسمين” “الفلاشة” التي تحمل صورها وركضت.

حكايات التحرش الجنسي المسكوت عنه في المؤسسات الصحفية | مي شمس الدين
 
تقول: “تاني يوم كان باعت لي ميل سافل زيه، ما فتحتوش، اكتفيت منه جدًا بالعنوان وبطلت تعامل مع الشخص. في مؤسسة زي اللي كنت بشتغل فيها كلامك عن شيء زي ده مش هيحمله أي عقوبة ولا حتى ضرر، لكن هيشوفوكي انتي اللي قليلة الأدب، وهيقولوا بلاها المتدربة اللي هتيجي تقرفنا دي”.

بعد هذه الحادثة، اضطرت “ياسمين” لإرسال عمال البوفيه إلى قسم التصوير في كل مرة رغبت في تسليم صور.

قصة “ياسمين” هي قصة متكررة ومشابهة لقصص يتم تداولها بين الصحفيات المصريات في أحاديثهن ودوائرهن الخاصة، ولكنها في الأغلب لا تخرج إلى العلن، لأسباب مختلفة، من بينها خوف الصحفيات من أن يتم حرمانهن من التعيين في مؤسساتهن، والذي يعد تذكرة الدخول لجنة نقابة الصحفيين الموعودة، أو حتى إحساسهن بعدم جدوى إعلانهن عمّا حدث، أمام علو منصب الشخص الذي تحرش بهن، ما يمنحه القدرة على تحريك حملات مضادة بحقهن، أو على الأقل عدم تعرضه لأي مساءلة قانونية.

البعض يخرج للعلن أحيانًا

ولكن إحدى تلك القصص خرجت إلى العلن في الأسابيع الماضية. بعد أن بدأت النيابة العامة التحقيق في بلاغ قدمته الصحفية منى يسري ضد رئيس تحرير مجلة “روزاليوسف”، إبراهيم خليل، تتهمه فيه بالتحرش الجنسي بها في مكتبه أثناء اجتماع جمعها به لعرض أفكار لمشروعات صحفية تود العمل عليها للنشر بالمجلة.

وفي حوار مع “مدى مصر” قالت “يسري” إنها حاولت التقدم للعمل في مجلة “روزاليوسف” منذ تسعة أشهر من خلال تقديم أفكار لموضوعات صحفية لرئيس التحرير المذكور، إلا أنها لم توفق وقتها. وأضافت: “كان العمل في روزاليوسف بمثابة الحلم الذي عملت على تحقيقه طويلا. وفي 28 يوليو الماضي، فوجئت برئيس التحرير يتصل بهاتفي المحمول، وقال إنه كان يحاول الاتصال بهاتف صديق له. وقتها ذكرته بنفسي ولكنه قال أنه لا يتذكرني، وأخبرته أنني أود القدوم لمناقشة بعض الأفكار لموضوعات صحفية لو كان ما زال يبحث عن صحفيين، وهو ما أكده “خليل” وقتها، وطلب مني الحضور لمكتبه لمناقشة سبل التعاون المقبل”.

وتستكمل قائلة إنها توجهت بالفعل لمكتبه في الأول من أغسطس إلا أنه بادرها بالأحضان والقبلات بمجرد دخولها مكتبه، مضيفة: “لم يكن هذا بهدف إلقاء التحية، ولكنه حمل طابعًا جنسيًا قويًا. دفعته بمنتهى الانزعاج وكنت في حالة ذهول وفزع، خاصة أنني كنت وحدي في المكتب بعد انتهاء وقت العمل، ولم يكن هناك غير شخص واحد بمكتب السكرتارية. حاول تهدئتي وبدأ في الحديث عن إتاحة فرصة لتعييني بمرتب جيد وتنفيذ كل مشروعاتي الصحفية. وخرج لطلب القهوة من مكتب السكرتارية وعند دخوله تكرر الهجوم علي مرة أخرى، وقتها صرخت وحاول كتم صراخي. كنت في حالة ذهول ولم أكن مسيطرة على نفسي، وبعدها حاول الاعتداء علي مرة ثالثة فاستجمعت قواي أخيرًا وركضت خارج المكتب. كنت في غاية الرعب والذهول ولم أكن أدري ما يجب علي فعله”.

وأضافت الصحفية الشابة أنها مكثت في منزلها لمدة يومين تحت تأثير الصدمة الشديدة، قبل أن تتلقى اتصالًا هاتفيًا من رئيس التحرير نفسه في اليوم الثالث يدعوها لحضور الاجتماع التحريري، إلا أنها رفضت، ثم قامت بتحرير محضر رسمي ضده في قسم قصر النيل، وتقدمت ببلاغ للنيابة العامة، كما أعلنت عن الحادثة على صفحتها الشخصية على فيسبوك.

من جهته، قال مايكل رؤوف، محامي مني يسري أنه بينما تم استدعاء موكلته للإدلاء بأقوالها أمام النيابة، لم يتم استدعاء خليل أو توجيه أي تهم رسمية له حتى الآن، ومن غير الواضح بعد كيف ستسير تحقيقات النيابة وهل ستقوم بتوجيه اتهامات لخليل أو سيتم حفظ القضية.

وفي اتصال هاتفي مع “مدى مصر” رفض “خليل” التعليق على اتهامات “يسري”، مؤكدًا أنها تعد تشهيرًا بشخصه، ما تسبب في أذىً شديد له ولعائلته.

كان رئيس تحرير “روزاليوسف” قد وصف ادعاءات “يسري” بأنها كاذبة تهدف إلى ابتزازه والتشهير بسمعته، وقال في تصريحات لـ “مرصد صحفيون ضد التعذيب” إن “الصحفية المذكورة حضرت إلى مقر المجلة تطلب العمل، وأخبرتني أنها جاءت منذ تسعة أشهر تطلب العمل، فرحبت بها وتحدثت معها في الأفكار، وحضور الاجتماعات”، مضيفًا: “تعجبت عندما سمعت هذه الشائعة كيف يكون مقابل الخير الشر؟ المسألة كلها الهدف منها التشهير بشخصي”.

وتابع “خليل” تصريحاته للمرصد قائلًا: “مَن يتابع المجلة يدرك أننا فتحنا أكثر من ملف للفساد، قد يكون أحد الأشخاص الذين كشفت المجلة فساده أراد التشهير بسمعتي، لا أعرف بالضبط كل شيء وارد”، واستكمل: “مكتبي (سداح مداح) ناس داخلة وناس خارجة، وصعب حاجة زي دي تحصل في مكتبي”. مؤكدًا أنه سيقوم بالرد قانونيًا، وأن الحقيقة ستتضح بمجرد استدعاء النيابة له للتحقيق.

من جانبها، أكدت “يسري” أنها خسرت الكثير بعد تقديمها للبلاغ: “خسرت فرصة عظيمة للعمل في المكان الذي حلمت بالعمل به، وأواجه مضايقات في العديد من الأماكن الأخرى التي أعمل بها كمتدربة، هذا بالإضافة لضغوط أهلي للتنازل عن البلاغ، وخوف الكثيرين من التعامل معي “كواحدة بتاعت مشاكل”.

وأوضحت أنه تم إيقافها عن العمل كمنسقة إعلامية بمعهد الإعلام التربوي حتى ظهور النتائج النهائية للتحقيق، كما تواجه مضايقات أثناء تدريبها بأحد الصحف القومية الكبرى بسبب تقديمها للبلاغ، على حد قولها.

وحين توجهنا لنقيب الصحفيين، يحيى قلاش، للسؤال عن دور النقابة في تلك الأزمة، قال إنه من غير القانوني اتخاذ مسار تأديبي بينما لا يزال المسار الجنائي قيد التحقيق، مضيفًا: “علينا الانتظار حتى انتهاء التحقيقات في القضية بشكل رسمي، فالدور التأديبي يأتي بعد الجنائي لا بالمحاذاة له”.

مديرون وزملاء ومصادر “إيد واحدة”

بالنسبة للصحفيات، لا يعد أصحاب المناصب القيادية المصدر الوحيد المحتمل التحرش، بل تتسع دائرة الخطر لتشمل كل من يتعاملون معهن، من مديرين مباشرين، وزملاء عمل، ومصادر صحفية، وصولًا للمواطنين العاديين أثناء قيامهن بتغطية ميدانية.

“علياء” هي صحفية شابة، اضطرت لترك الجريدة التي كانت تعمل بها سابقًا بعد تكرار تعرضها للتحرش على يد رئيسها، الذي وصفته بأنه “صحفي مرموق تقلد مناصبًا كبيرة قبل ذلك، كما أنه طاعن في السن”، وتقول لـ  “مدى مصر” إنه “اعتاد أن يحتضنني ويقبلني بمجرد رؤيتي كنوع من التحية، وكنت أحاول تعزية نفسي بأنني في مقام حفيدته، إلا أن تصرفاته سرعان ما فضحته”.

وتتذكر “علياء” أنه استمر في احتضانها وتقبيلها بشكل متكرر بحجة إلقاء السلام، إلا أن الأمر تطور للمس جسدها بشكل غير مقبول، كما بدأ في التعليق على الملابس التي ترتديها. “شعرت بالانتهاك النفسي والجسدي، وخفت من الكلام؛ فلن يصدقني أحد نظرًا لمكانته المهنية وسنه الكبير، وحينما شكوت لخطيبي الذي كان يعمل معي في الجريدة نفسها، أخبرني أنني لا بد وأن أتخذ موقفًا. فأرسلت رسالة لرئيسي أخبره فيها رفضي لتعامله معي بهذه الطريقة، ووعدني بالتوقف، إلا أنه استمر في أفعاله فيما بعد”.

وبعد أن اضطرت “علياء” لترك عملها، اتصل بها رئيسها ونهرها على تركه واختيارها لزميلها الذي تمت خطبتها له: “كان يجيد اختيار ضحاياه جيدًا، كان يعلم أنني لن أستطيع الكلام وأنني سأؤثر الصمت، عرفت بعد ذلك أنه كرر هذه التصرفات مع زميلات أخريات، لكن أيٍ منا لم تجرؤ على الحديث حتى الآن، فلن يصدقنا أحد”.

أما “دعاء”، وهي صحفية تعمل في جريدة كبرى، فتقول لـ “مدى مصر” إنها تعرضت بشكل متكرر لمحاولات تحرش من أحد مدرائها: “مرة لمس كتفي بطريقة مش أخوية بالمرة، ومرة تاني وقف برجليه الاتنين على قدمي وأنا قاعدة، ولما صرخت قاللي: هي بتوجع؟”.

ولم يتوقف التحرش عند هذا “الزميل” على حد قول “دعاء”، فهناك زملاء آخرون يتحرشون بها وبزميلاتها بشكل شبه يومي: “أحد المدراء معروف بالنسبة لنا، ما نقدرش نسلم عليه عشان بنخاف يقفش في إيدينا. ممكن يفضل ماسك إيد الواحدة مننا ربع ساعة مثلا”.

وتوضح أنها لم تستطع اتخاذ أي إجراء ضد أي من هؤلاء في السابق، فقد كانت وقتها غير معينة بالجريدة، إلا أنها تستدرك قائلة: “أنا دلوقتي متعينة وفي النقابة، لو رفعت قضية أو عملت شكوى في النقابة هاعمل دوشة، المتدربة بيتعاملوا معاها على إنها ولا حاجة”.

من جانبها، تقول “هدى”، وهي صحفية تعمل بمؤسسة إعلامية كبرى، إن التحرش بالصحفيات لا يقتصر على العاملين معهن، بل يمتد لعلاقتهن مع مصادرهن أيضًا.

وتحكي الصحفية الشابة كيف تلقت اتصالا هاتفيًا من أحد المصادر الذي ادعى أن لديه معلومات هامة يود أن يعلنها من خلال مقابلة صحفية، إلا أنها تفاجئت بـ “تلميحات غريبة” في حديثه معها أثناء الإعداد لاجراء المقابلة. “كان بيناديني بأسماء دلع مش كويسة وعلى الرغم من إصراري على مناداتي باسمي مسبوقًا بلقب أستاذة، بس هو أصر إنه يتكلم معايا بالطريقة دي. ما كنتش مستريحة لطريقته وقلتله إن في زميل هيكون موجود أثناء المقابلة، ففوجئت باتصال منه الساعة اتنين بالليل وبيقولي إنه عايز يعمل المقابلة في بيته، وفضل يوصف هو لابس إيه”.

تقول “هدى” إنها اضطرت لغلق الهاتف في وجه المصدر المتحرش، وحظر رقمه غلى هاتفها، إلا أنها تلقت بعد ذلك تهديدات عديدة منه، ما سبب لها رعبًا كبيرًا في بداية الأمر، قبل أن يتوقف عن تهديداته، وتضيف: “تولع المعلومة ويولع المصدر أهم حاجة كرامتي، فهي أهم من أي ملف ومن أي خبر”.

أما منى يسري فتقول إنه على الرغم من خسارة حلمها بالعمل في المؤسسة التي أحبتها، والضغوط العائلية والمجتمعية التي واجهتها، فكل تلك الضغوط لا تعادل الألم النفسي والجسدي الذي تعرضت له، وتستدرك: “القضية ليست قضيتي وحدي، وإنما قضية كل امرأة يتم انتهاكها. خوف النساء وسكوتهن على التحرش الذي يتعرضن له يوميًا هو ما يشجع المتحرشين على الاستمرار، لا بد لهذه الدائرة أن تتوقف”.

“مساحات آمنة” .vs “كلنا كويسين”

من جانبه، يصف أحمد حجاب -مدير “وحدة المساحات الآمنة” في مبادرة “خريطة التحرش“- المؤسسات الصحفية والإعلامية بأنها أكثر المؤسسات صعوبة في تقبل العمل من خلال برنامج “الشركات الآمنة”.

ويعمل برنامج “الشركات الآمنة” على خلق أماكن عمل آمنة من التحرش، من خلال تدريب العاملين بالمؤسسات والشركات على مواجهة التحرش ووضع سياسات واضحة لمواجهة حالات التحرش الجنسي داخل أماكن العمل، وهو أحد برامج مبادرة “خريطة التحرش” التي تأسست في أواخر 2010، والتي تعمل على إنهاء التقبل المجتمعي للتحرش الجنسي في مصر.

يقول “حجاب”: “نتوجه عادة للشركات والمؤسسات لدعوتهم للتدريب على مواجهة التحرش ووضع سياسات للتبليغ والتحقيق في بلاغات التحرش، وإذا كان الأفراد في مصر قد تخلوا عن الوصم المجتمعي حول الحديث عن التحرش، فإن الشركات والمؤسسات لم تكسر حاجز الخوف هذا بعد، حيث أننا نجد مقاومة كبيرة من الشركات للعمل معنا في هذه المبادرة، وبالذات المؤسسات الصحفية والإعلامية، حيث يوجد عدم فهم واختلاط واضح في الوعي حول مفهوم التحرش الجنسي وكيفية مكافحته”.

كانت مؤسسة “المرأة الجديدة” قد نشرت في مارس الماضي تقريرًا تحت عنوان “التحرش الجنسي في أماكن العمل” قالت فيه إن أغلب النساء اللاتي شملهن التقرير، وعددهم 58 امرأة، قد تعرضن للتحرش الجنسي داخل المؤسسات التي يعملن بها، وأن التعرض للتحرش الجنسي داخل أماكن العمل ليس مرتبطا بمرحلة عمرية أو تعليمية أو الحالة الاجتماعية أو الزي الذي ترتديه النساء.

وأفاد التقرير الذي قام به “مرصد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء في العمل” أن “المديرين والمشرفين هم الأكثر جرأة في ارتكاب جرائم التحرش الجنسي والأكثر عنفا في رد الفعل تجاه مقاومة النساء لهم. فأشارت أغلب الإجابات إلى أن الرؤساء في العمل يعرضون بشكل مباشر مطالب جنسية، وفي حالة رفض النساء ذلك تتعرض لضغوط، منها المعاملة السيئة أو إضافة أعباء عمل مضاعفة أو الخصومات والتهديد بالفصل من العمل، ويصل الأمر أن تجبر العاملة على ترك العمل خاصة في القطاع الخاص”. وأشار التقرير أيضا إلى أن معدلات التحرش في أماكن العمل التابعة للقطاع الخاص أعلى منها في أماكن العمل الحكومية.

وفيما يعود أحمد حجاب للحديث عن “الشركات الآمنة” قائلًا إن التدريب يتضمن تدريب كل العاملين في المؤسسات “من الرئيس حتى العمال الصغار” على تعريف التحرش، وأشكاله وأنواعه، ووضع سياسات تتضمن آليات واضحة للإبلاغ عن حالات التحرش يكون فيها التحقيق سريعا ويضع حدا أقصى للرد على شكاوى التحرش. إلا أنه يوضح أن التدريب الذي يتم تصميمه للمؤسسات الصحفية يختلف شكله عن باقي المؤسسات، خاصة وأن التحرش بالنساء فيها يتم على أكثر من مستوى، سواء أكان من الرؤساء، أو الزملاء أو المصادر.

ورغم تأكيد “حجاب” على أن البرنامج بدأ بالفعل في العمل مع مؤسسة صحفية، تحفظ على ذكرها، لتطبيق هذا البرنامج التدريبي، إلا أنه يقول: “للأسف دائمًا ما تواجهنا حالة شديدة من الإنكار لوجود تحرش، ودومًا ما يقال لنا: “كلنا كويسين وكلنا أصحاب وماحدش ممكن يعمل كده”، حيث أصبحت كلمة التحرش كلمة ذات طابع سيئ يخاف منها الجميع داخل المؤسسات”.

*تم تغيير أسماء الصحفيات الواردة في الموضوع حفاظًا على خصوصيتهن.


 
حكايات التحرش الجنسي المسكوت عنه في المؤسسات الصحفية | مي شمس الدين