الإعلان

 

مجتمع مصر عقيدتي أم وطني؟
عقيدتي أم وطني؟
ماركو حمام   
عقيدتي أم وطني؟ | فيلم وثائقي قصير يحاول الإجابة على تساؤلات محيرة حول مفهوم المواطنة في مصر من خلال تناول القضية البهية.

ما معنى الانتماء إلى الوطن اليوم في مصر؟ وما معنى أن تكون أحد مواطنيه؟ أو بالأحرى، ما هي الشروط التي تحدد الهوية "المصرية"؟ يحاول الإجابة على مثل هذه التساؤلات المحيرة فيلم وثائقي قصير مدته خمس وثلاثون دقيقة من إنتاج وإخراج أحمد عزت بعنوان "عقيدتي أم وطني".
نقول بداية أن المخرج تناول موضوع فيلمه بطريقة قد تبدو للبعض غير معتادة، إن لم تكن غريبة، وهي معالجة واقع البهائيين في مصر أي من خلال الاهتمام بقضية تخص قلة قليلة جدا من الـ80 مليون مصري. فعدد البهائيين لا يتعدى الألفي نسمة على أكثر تقدير. لذا قد يسأل البعض، ما فائدة الكلام عن هذا الفيلم؟ أرى أن الفيلم يحظى بأهمية كبيرة لأنه يعرض مسألة شاملة تهم المجتمع المصري اليوم ككل وهي معالجة القضايا المدنية في إطار غير مدني (شرعي إسلامي في أغلب الأحيان) إلى جانب عرضه للطابع العنصري الذي يسود هذا المجمتع حاليا.
يتناول هذا الفيلم القصير قضية البهائيين في مصر من منظور المواطنة وموضوعه الرئيسي الذي تنطلق منه باقي القصة هو منع البهائيين من الحصول على وثائق شخصية (بطاقات هوية)، وذلك لسبب يدعو للسخرية. فمنذ أن جرى العمل ببطاقات الرقم القومي الالكترونية، يعاني البهائيون من مشكلة لا ذنب لهم فيها. فقد قررت اللجنة الإدارية العليا في مصر، فجأة، عدم اعتراف الدولة بعقيدة البهائيين رسميا في البطاقات الشخصية الجديدة. فبالتالي ظل البهائيون بدون أوراق دون أن يتم البحث عن حل مناسب لهذه المسألة. فقد تم التعامل مع المشكلة في ساحات المحاكم على أنها إشكالية وجودية وليست مشكلة إدارية بحتة: "أنت تدين بديانة لا نعترف بها إذن فأنت لا وجود لك"، أو كما قال الناشط الإسلامي محمد سالم في المشهد الختامي للفيلم "مشكلتك مالهاش حل".
بيد أن عدم امتلاك بطاقة شخصية يساوي فعلا عدم الوجود. فالبهائيون ظلوا فترة طويلة دون إمكانية الحصول على أوراق رسمية يعتمد استخراجها على بطاقات الهوية كشهادات الميلاد لأبنائهم أو جوازات السفر وبالتالي عدم تمكنهم من الحصول على وظيفة أو دخول المستشفيات العمومية أو توثيق عقود الزواج أو فتح حسابات مصرفية أو إلحاق أولادهم بالمدارس وإلى آخره . وكما تلخص الدكتورة بسمة موسى: «أصبحنا مواطنين بلا هوية ... نحن مواطنون لا يعترف بنا».
وكما ذكرنا جاء الحل من خلال حكم المحكمة الذي صدر في أواخر شهر يناير 2008، والذي اعتبر انتصارا للحريات المدنية لم يسبق له مثيل لأنه قضى بحق البهائيين في الحصول على وثائق إثبات هوية شخصية، وذلك بترك خانة الدين فارغة من خلال وضع إشارة فيها على شكل خط أفقي صغير (شرطة - ) وهو ما كان جاري العمل به قبل صدور القرار رقم 46 الذي قرر منع ذكر البهائية في خانة الديانة.

رؤى مختلفة للبهائيين

ونعود إلى الفيلم. في هذا التحقيق السينمائي تقوم عدسة الكاميرا بستجيل لحظة النطق بالحكم يوم 16 ديسمبر 2006 ضد حق البهائيين في تسجيل ديانتهم الحقيقية في البطاقة الشخصية وكذلك الهيستيريا التالية لإصدار الحكم لمحامي وزارة الداخلية (ليلاحظ القارئ أنه ناشط إسلامي) الذي لا يكف عن أن يصيح بصوت عال مع ناشطين إسلاميين آخرين متواجدين في ساحة المحكمة "الله أكبر ولله الحمد".

ثم ينتقل الفيلم إلى لقاء بعض الأشخاص الذين كانوا في المحكمة حينئذ، ويقدم كل واحد منهم رؤيته للبهائية وللقضايا المتعلقة بها، وهم: المحامي أحمد ضياء الدين، الذي ترافع ضد البهائيين متضامنا مع وزارة الداخلية، ومحمد سالم، وهو مواطن مصري يصفه الفيلم بأنه "ناشط إسلامي" حضر وقت النطق بالحكم، ونورة يونس، وهي من ضمن الناشطين الحقوقيين الذين نظموا وقفة احتجاجية أمام مجلس الدولة للمطالبة بحقوق البهائيين، ومحمد الشرقاوي، وهو أيضا أحد الناشطين الحقوقيين الذين نظموا الوقفة الاحتجاجية، وحسام بهجت رئيس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وأحد المحامين المدافعين عن البهائيين، وبسمة موسى، وهي طبيبة أسنان مصرية بهائية، وشادي سمير، صاحب المدونة "مصري بهائي".

نفي الآخر

من خلال مشاهدة هذا الفيلم يبرز ذلك الواقع المألوف في مصر في هذه السنوات الأخيرة والذي كنا نتحدث عنه وهو واقع لا يرتبط فقط بقضية البهائيين بحد ذاتها ولكنه واقع يشمل كافة الجوانب في الحياة المصرية اليوم ولا يمثل البهائيون فيه إلا نموذجا يبين حالة عامة في المجتمع ويظهر البهائيون فيه كرمز من رموز التصدي لمثل هذه القاعدة العامة. ما يدور النقاش حوله في هذا الفيلم هو ما إذا كان يجوز اعتبار شخص مصري أبا عن جد، يدين بغير الإسلام - وهو الدين الذي يتمتع بالأغلبية - مواطنا له كافة حقوق المواطنة كغيره من المصريين أم لا. الواقع المصري الذي يرسمه الفيلم هو محاولة تهميش وإقصاء ونفي الآخر - إن لم يصل الأمر إلى التهديد بقتله أو صلبه أو نفيه من الأرض كما هي الحال بالنسبة للبهائيين - الذي أمامه حل من اثنين: إما القبول بقواعد الأغلبية وكأن القانون المدني للدولة الذي يُفترض أن يحمي المواطن لا حول له ولا قوة وإما أن يحكم على نفسه باللاوجود وكأن الأغلبية هي الواقع الوحيد المتاح له، المتفوق أونطولوجيا.
وأتفق مع ما قاله ناجى فوزي، الناقد السينمائي ورئيس قسم الدراما بأكاديمية الفنون ، عقب انتهاء عرض الفيلم في إحدى المناسبات: «أزمة مصر معرفية بالدرجة الأولى. قبل الخمسينيات كان هناك مثقفون من حاصلي الدبلومات والشهادات المتوسطة بينما الآن قطاعات واسعة من حاملي الدكتوراة لديهم تخلف فكري».
وعليه، فبعد مرور قرن من الزمن على اتفاق المصريين على أن الدين لله والوطن للجميع، يبحث المصريون مرة أخرى عن الإجابة على أهم التساؤلات الخاصة بمستقبلهم: ما الأهم؟ أهي العقيدة أم الوطن؟

ماركو حمام
(7 مارس 2008)

 

عقيدتي أم وطني؟ |

ونقدم للقراء نسخة من الفيلم:

 

لتحميل الملف اضغط هنا