الإعلان

 

مجتمع فلسطين فلنتذكر غزة...
فلنتذكر غزة...
كارل شيمبري   

فلنتذكر غزة... | لم تستطع نوار ثابت (35 عاما) حبس دموعها عندما تذكرت والدتها وشقيقتها الصغرى اللتان قتلتهما القوات الإسرائيلية في يناير/ كانون ثان الماضي، بعدما حاصرت الدبابات والجنود منزلهم في قرية جحر الديك، وفي أقل من دقيقة مات أعز من لديها أثناء محاولة أفراد عائلتها  إخلاء المنزل رافعين الرايات البيضاء. وبعد عام من الحادث، لا تزال نور تعيش الصدمة ووسط دموع منهمرة تتحدث عن عدم قدرتها على العودة إلى المنزل الذي قتلت فيه والدتها وشقيقتها، و تروي كيف اعتادت أمها الترحيب بها لدى وصولها البيت.
تقول نور: "أذكر هذه المأساة يوميا، لا أستطيع إبعاد هذه الذكرى عن مخيلتي ... أتذكرهم وهم يرفعون الراية البيضاء في الشارع، ولا أزال غير قادرة على العودة إلى منزلنا في جحر الديك، لا أتحمل ذلك!".
وفي شمال القطاع، تقع منطقة عزبة عبد ربه حيث يعيش محمد زيد حيدر، الذي لا زال يسكن مع عائلته في خيمة تحت الأمطار، ليقضي الشتاء الثاني قرب أطلال منزله ذي الطوابق الثلاثة. وكغيره من أصحاب أكثر من 3500 منزل هدمت بالكامل الشتاء الماضي خلال ما أسمته إسرائيل "عملية الرصاص المصبوب"، لم يتمكن حيدر من الحصول على مواد البناء الضرورية لإعادة إنشاء البيت في ظل الحصار الذي تفرضه إسرائيل على المواد اللازمة لإعادة الإعمار. وخلال العام الماضي،كان حيدر واحد من 80 بالمئة من الغزيين المعتمدين على الإعانات الإنسانية. الرجل نفسه كان عامل بناء، عمل بالفعل في عدة مواقع إنشائية لإسرائيليين وهي مفارقة لا يتحملها حيدر الذي يقول "لقد شيدنا إسرائيل مع أصدقائنا من اليهود، انظر إلى ما فعلوه بمنازلنا" ويتساءل "لماذا يفجرونها هكذا؟".

ويعني الحصار الإسرائيلي على غزة منذ عام 2007 في أعقاب سيطرة حركة حماس على القطاع، منع دخول أيا من مواد البناء اللازمة لإعادة البناء، من الأسمنت والبلاط إلى المواسير البلاستيكية والزجاج. ووفقا لوكالات الإغاثة، فإن 41 شاحنة فقط تحمل مواد بناء سمح لها بدخول غزة منذ عملية "الرصاص المصبوب".
وبعد عام من الحرب، ما يزال غالبية القطاع الساحلي على حالته و بحاجة إلى قرار سياسي من إسرائيل وضغط من دول العالم لرفع الحصار. وما تزال مليارات الدولارات الممنوحة لإعادة الإعمار بعيدة عن المنال، ما يجعل عملية إعادة البناء وعودة غزة إلى ما كانت عليه أمرا مستحيلا، القطاع بحاجة إلى آلاف الشاحنات لإعادة بناء البيوت والمدارس والمشافي وشبكات المياه التي دمرتها الهجمات.
مشفى" الوفاء" في منطقة الشجاعية تمكن من الحصول على أسمنت وزجاج المهربين عبر الأنفاق، في سبيل إصلاح الخسائر الفادحة التى مني بها المبنيان الجديد والقديم للمشفى ذي الأربعة طوابق. يقول الدكتور خميس العيسى رئيس طاقم التأهيل في المستشفى "لقد كان من المفترض أن يفتتح المبنى الجديد في يناير 2009  إلا أن الإسرائيليين قاموا بالمهمة عنا! و لم يتركوا نافذة إلا و طالها الدمار".

في حي الزيتون، كان سامح سوافيري يمتلك مزرعة دواجن تضم 30 ألف دجاجة يغطي إنتاجها غالبية استهلاك غزة من البيض، لكن الجنود الإسرائيليون قضوا عليهم في أعشاشهم. وحاليا افتتح سوافيري مزرعته بثلث عدد الدواجن التي كانت لديه العام الماضي، وأثقل بالديون. ولم يكن أصحاب مطحنة "البدر" في بيت لاهيا أوفر حظا، فقد استهدفت الطائرات الإسرائيلية قلب الطاحونة بحيث تركتها معطلة تماما. "اضطررنا للتوقف تماما عن العمل منذ اندلاع الحرب" يقول ذلك حمدان حمادة الذي ما يزال يتحمل رواتب 25 موظفا من إجمالي 85 شخصا يعملون بالمطحنة، على أمل أن يتمكن هؤلاء من استئناف عملهم قريبا، ويضيف: " نحن بحاجة إلى أسمنت ومعدات، لكن إسرائيل لا تسمح لنا بالحصول على أي شيء. إننا في انتظار قرار سياسي من إسرائيل للحصول على المواد اللازمة لإعادة إعمار المطحن، وحتى الآن لم نحصل سوى على وعود".
إلى جانب الحاجة إلى إعادة الإعمار الفوري والعاجل لما دمرته الحرب، هناك آلاف الأشخاص  دمرت حياتهم بسبب مقتل أو معاناة أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم. ودفع الأطفال ثمنا باهظا، إذ علمتهم الحرب أن حتى بيوتهم ليست آمنة وأنه حتى آبائهم لا يمكنهم حمايتهم. صبحي عوجة (10 سنوات) كان بصحبة والده و شقيقه الأصغر إبراهيم في منزلهم ببيت لاهيا يوم الرابع من يناير/ كانون ثان عندما سقطت شظية مطاطية على بطن إبراهيم ، ما أن استعاد وعيه حتى أدرك أن شقيقه ذا التسعة أعوام يحتضر فقبّل جبينه.
منذ ذلك اليوم لم يعد صبحي لحالته الطبيعية- حسب رواية عائلته- فبعد أن كان مبرزا في دراسته لم يعد يقوى على المطالعة لمدة خمس دقائق و يحتاج بصفة دورية لمراجعة اختصاصي نفسي، كما أنه أصبح عدوانيا تجاه زملائه و مدرسيه. و في الخيمة حيث يسكنون بعد تدمير منزلهم تكررت اعتداءاته على إخوته البنات و تكسيرلعبهن، إلا أنه يفضل غالبا المكوث بمفرده أمام ألعاب الفيديو العنيفة في الانترنت كافيه.  .
ووفقا لدراسة أجراها برنامج غزة للصحة النفسية خلال العام الماضي، فإنه أقل من 50 بالمئة من الأطفال بين سن 6- 17 سنة ممن تعرضوا للحرب الأخيرة- التي استمرت 23 يوما وأسفرت عن مقتل نحو 1400 فلسطينيا- يفكرون "أغلب أو طوال الوقت" في الأخذ بالثأر من المسؤول عن مقتل المقربين إليهم.   
الجميع يقول إنه اعتاد على تلقي هجمات الجيش الإسرائيلي، لكن ما وقع خلال الحرب كان شيئا مختلفا تماما، فقد كانت الهجمات تأتي من كل مكان و لا تترك للناس مكانا يلجأون إليه كما منعوا من مغادرة قطاع غزة لطلب اللجوء بعيدا عن منطقة الصراع .

أحمد حيدر -من بيت لاهيا- أخبر أطفاله الستة أن الحرب هي مجرد لعبة كأحد الألعاب الإليكترونية، يقول حيدر: "عندما قصفوا منزلنا لم أستطع الاستمرار في سرد ذلك" ، مؤكدا أن أطفاله يعانون من كوابيس ويترددون أسبوعيا على أطباء نفسيين للعلاج.

خلال عيد الأضحى  في نوفمبر/ تشرين ثان الماضي كان آلاف الأطفال يلعبون في شوارع غزة ببنادقهم البلاستيكية، في الوقت الذي يتزايد فيه قلق الأطباء النفسيين في القطاع من انتشار إحساس الصدمة لدى الأطفال واتجاههم نحو مزيد من الراديكالية. فعندما يفقد المرء كل شيء تكون  الشهادة هي السبيل الوحيد أمامه للمجد.

وبينما كانت القذائف تتساقط على أنحاء غزة، كان عبد السلام –من بيت لاهيا- يقضي يومه نائما، حتى عندما قصف الجيش الإسرائيلي منزل جيرانه، ويقول عبد السلام: "كان للجميع نصيب من الحرب، لذلك لم يكن هناك مأوى نختبأ فيه" ويضيف" ليس بيدك شيء، أنت فقط تنتظر ان تسقط عليك قذيفة من السماء لتدمر منزلك، فعليك أن تريح بالك ... أن تسترخي وتدع الأقدار تجري. أنا كنت أنام طوال اليوم، وكانت زوجتي تتعجب من ذلك وتسألني(ألا تسمع القذائف والرصاص؟) لكن ماذا عساي أن أفعل؟".

من المعروف عن الغزيين مرونتهم وتبنيهم طرقا مبدعة لمواجهة كل ما هو غير معقول، لكنهم يدفعون ثمنا باهظا. حتى قبل اندلاع الحرب، كان الحصار عقابا جماعيا لشعب ستحتاج جراحه عشرات السنين حتى تلتئم. الشباب متلهفون إلى الخروج من غزة ورؤية العالم، لكنهم يعرفون أنه لا يمكنهم التخطيط لأية رحلة للخارج، في الواقع لا يمكنهم التخطيط لأي شيء على الإطلاق!. في غزة كل شيء سيحدث "إن شاء الله".

جيل بأكمله من الأطفال لم يخرج من غزة أبدا، بعكس آبائهم اللذين سافر معظمهم للعمل داخل إسرائيل ولديهم أصدقاء يهود،إذا فقد كان جنود جيش الاحتلال المدججين بالسلاح هم الإسرائيليون الوحيدون اللذين رآهم هؤلاء الأطفال و هم يسعون لتدمير منازلهم وقتل أقاربهم.

وفي الوقت الحاضر، تسعى الحكومة المصرية إلى بناء جدار فولاذي مع غزة من شانه وقف عمليات التهريب إلى القطاع عبر الأنفاق، والأنفاق هي طوق النجاة الوحيد الباقي لسكان غزة، وبطريقة تفكيرهم المبدعة في إيجاد متنفس للحياة، ربما يتوصل الغزيون إلى طريقة لتجاوز هذا الجدار، التساؤل المطروح الآن هو : إلى متى سيضطرون للعيش هكذا؟