الإعلان

 

مجتمع تونس شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين
شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين
ليليا بلاز / سنا سواي   



في الصور التي تم تناقلها على فيسبوك، كان يوهاف حطاب يرفع اصبعه الملئ بالحبر بحركة النصر فخوراً لأنه قد قام بالتصويت في الانتخابات التشريعية في 2011  في تونس. بالكاد مضت على ذلك ثلاث سنوات، وها هو اليوم في سن الحادية والعشرين يُقتل في مخزن إيبركاشير في باريس أثناء شرائه لحاجياته يوم الجمعة 11 كانون الثاني (يناير) 2011.
أتى الشاب التونسي ليدرس في فرنسا، وكان قد أنهى دراسته في المدرسة اليهودية في تونس بعد أن أمضى طفولته ومراهقته في كنف عائلة مؤمنة وضمن طائفة صغيرة من اليهود التونسيين المتلاحمين بشدة كما يؤكد يوهان، أحد المقربين الذي اضاف: "كلنا  نعرف بعضنا جيداً في تونس".

شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
الشاب يوهاف حطاب بعد أن أدلى بصوته. صورة من صفحته في فيسبوك

والد يوهاف هو حاخام تونس الأكبر. وموت الشاب يشكّل بالنسبة للعائلة مأساة تضاف إلى مقتل خالة له عام 1985 في هجوم على الكنيس اليهودي في جربا. ومع ذلك فإن الكلمات الأولى لوالد يوهاف في ستوديو القناة الفرنسية فرانس 2 كانت دعوة للهدوء.
"في تونس، لا يعاني اليهود من مشاكل. فالدولة والناس يحترمونا. مدرستي كانت دائماً مفتوحة، ولقد عشنا معاً منذ شبابنا"
هذا ما قاله الأب قبل أن يضيف: "إن الذي مات هو مواطن تونسي".


شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
يوهان كوهين كان يعمل في المخزن الذي احتجزت فيه الرهائن. صورته على فيسبوك

لكن يوهاف لم يكن القتيل الوحيد، فيوهان كوهين، وهو عامل في المخزن، كان أيضاً في العشرينات من عمره، وقد لاقى هو الآخر مصرعه خلال عملية احتجاز الرهائن. ولد يوهان من أم تونسية وأب جزائري، وجده هو دوخا المغني الشعبي من أصل تونسي الذي مات في كانون الأول (ديسمبر) 2014. ويوهان حسب وصف المقربين منه لوكالة الأنباء الفرنسية كان شخصاً "على درجة لا مثيل لها من اللطف".
فرانسوا ميشيل سعدة، ولد هو الآخر في تونس. كان فرانسوا 63 سنة، متقاعداً من الكوادر العليا، وقد انتقل إلى فرنسا للإقامة منذ فترة طويلة، ومات هو الآخر خلال عملية احتجاز الرهائن.


شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
فرانسوا-ميشيل سعدة كان يتسوق في المخزن. صورته على فيسبوك

قال عنه أحد أصدقائه أمام وسائل الإعلام: " كان فرنسوا شخصاً على درجة كبيرة من الاستقامة نذر حياته لتحقيق سعادة عائلته، ولم تكن لديه أية مشاكل. لقد كان زوجاً وأباً مثالياً".
من بين العاملين في صحيفة شارلي ايبدو إلزا كايات، وهي متخصصة بعلم النفس وتحرر الوقائع في الجريدة. إلزا ابنة التونسي جورج خياط ولدت في تونس عام 1960، وتوفيت في السابع من كانون الثاني (يناير) 2015 في مقر تحرير صحيفة شارلي ايبدو.


شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
من بين ضحايا فريق شارلي إيبدو إلزا كايات. صورة من صفحتها على فيسبوك

في آخر مقال حررته كتبت الزا: " الألم الإنساني يتأتى من التعسف، والتعسف يتأتى من المعتقدات، أي من كل ما شربناه، ومن كل ما آمنا به"
إلى جانب الزا هناك جورج فولينسكي، "اليهودي التونسي الصغير" كما كان يلقب ذاته في النبذة التي كتبها عن نفسه في إحدى الجرائد قبل بضعة سنوات. عاش الرسام في تونس وسط عائلة من المهاجرين البولونيين والايطاليين. مات والده مقتولاً عندما كان في الثانية من عمره وأرسلت أمه إلى فرنسا بسبب مشاكل صحية. وهكذا كان على جورج الذي عاش وسط العاصمة التونسية والذي طالما ذرع خلال طفولته المدينة العتيقة في تونس أن يترك في سن المراهقة كل شئ ليلتحق بأمه


شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
كان جورج فولينسكي يطلق على نفسه لقب اليهودي التونسي الصغير الصورة من جريدة الفيغارو

ظل الرجل قريباً جداً من بلده الأم اثناء بداية عمله المهني في صحف مثل هارا كيري و أيار 68 وشارلي إيبدو. ولقد شارك في عدة أفلام وثائقية ومناظرات بعد الثورة التونسية. ونذكر بشكل خاص الفيلم الوثائقي "هنا أو هناك" لفيليب ليزان والذي يستعيد فيه طفولته ويسترجع ذكرياته في تونس. تناقش فولينسكي في هذا الفيلم مع تاجر من المدينة العتيقة شرح له معنى يد فاطمة. كان يبدو في مكانه الطبيعي في تونس. وكذلك في وثائقي حبيب ميستيني "وقائع ثورة" حيث ظهر مع مواطنين تونسيين ومع كلوديا كاردينالي والممثل الفكاهي ميشيل بوجناح.


شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
رحلة لاستكشاف المغرب. عودة فولينسكي من تونس. فيليب لزان

"كان ينحدر من الجيل الذي لم يعرف سوى تونس الكولونيالية، لكنه كان رجلاً مليئاً بالإنسانية مع حس فكاهة على الطريقة التونسية: خفة فائقة تجاه الحياة وشئ من السخرية. وعلى العكس مما يمكن قوله عن العاملين في شارلي إيبدو، كان رجلاً يملك نظرة ترسم مسافة تجاه ما يخص الأديان. نظرة متسامحة لكنها خفيفة. لم تكن نيته أبداً أن يهين أو أن يكون شريراً" كما يتذكر المخرج حبيب ميستيري.
سينمائي تونسي آخر ممن أشادوا به في الجريدة اليسارية "الطريق "عدد 17-23 كانون الثاني (يناير) هو أحمد بينيس الذي حيّا في رسالة أرسلها إلى فولينسكي الرسام الذي عرفه في شبابه: " أذكر غذاءاً تناولناه مع أصدقاء تونسيين أثرنا فيه موضوع الحالة القائمة في بلادي وفي العالم العربي: الشيعة ضد السنة، الأقباط في مصر، الكاثوليك ضد الموارنة، السلفيون ضد الصوفيين، المسلمون العلويون ضد اليهود، واليهود ضد المسلمين. أما أنت (جورج فولينسكي)، فكنت تضحك وتقول: "لستُ يهوديا. لستُ مسيحياً ولستُ مسلماً. أنا رجل حرّ!".

السجالات

أمام هؤلاء القتلى، تأخرت السلطات التونسية في إظهار ردة فعل، وعلى الأخص بعد مقتل يوهاف حطاب. وقد صرح يوهان، أحد أصدقاء يوهاف قائلاً: "إننا مصدومون للغاية إذ لم نتلقّ أي دعم ولو بسيط من السياسيين". كذلك اندلع السجال عندما تم الإعلان عن أن التونسي الشاب سيُدفن في اسرائيل. كانت هناك ردة فعل منذ الأيام الأولى من الجمعية التونسية لدعم الأقليات عبر رئيستها يمينة تابت. وقد حمل يوم الجمعة قلقاً شديداً عليها وعلى أعضاء الجماعة.
"جاء احتجاز الرهائن بعد حصول المصيبة الأولى التي كانت الهجوم على شارلي إيبدو. كنا ما زلنا نحمل أوجاع الصدمة. كان لنا جميعاً أصدقاء وأقارب يعيشون في فانسين. ولقد كان ذلك الخبر بمثابة ألم جديد؛ خاصة وأن عائلة يوهاف لم تعرف من أين تستقي الأخبار حول ما حصل. كان عليها أن تنتظر الأخبار من وسائل الإعلام. لم يكن هناك اتصال مباشر. ولم تقم السلطات التونسية بأي فعل" كما شرحت يمينة. ولقد تم تنظيم سهرة عزاء وتجمع مع بقية الجمعيات والجالية اليهودية يوم السبت 19 كانون الثاني (يناير) كنوع من التحية للضحايا.


شارلي إيبدو: خمس ضحايا تونسيين |
سهرة عزاء لتكريم ضحايا تونس يوم السبت 17 يناير 2015. صورة لمبروكة خيديت

جمعت المراسم ما يزيد عن مئة شخص. عدد كبير من الشخصيات التونسية راحت تتكلم بعدها مثل جيل جاكوب لولوش، صاحب مطعم في تونس كان قد لمح فولينسكي مرة عندما أتى يأكل مع ابنته في المطعم.
"ما حصل قلبني رأساً على عقب . وشعوري الوحيد هو أنه كما كانت تونس أصل الثورات في العالم العربي، ها هي الآن تدفع الضريبة لكي يعي العالم مدى الرعب الذي نغوص فيه".

ليليا بلاز و سنا سواي


Inkyfada : https://inkyfada.com/2015/01/victimes-juifs-tunisiens-charlie-hebdo-tunisie/