الإعلان

 

تحقيق صحفى ملامح جيل إسبانيا : مولد جيل ال " بارو "
إسبانيا : مولد جيل ال " بارو "
كريستينا آرتوني   

" صباح الخير، أقدم نفسى، إسمي بو، و أنتمي لجيل بارو ( جيل البطالة)".
ولد هذا الشاب في برشلونه حيث ترعرع و هو الآن في الثالثة  العشرين يكسب عيشه بالعمل في بارات العاصمة الكتالونية في انتظار الحصول على وظيفة في مجاله حيث يقول : " أنا اخصائي معلوماتية و لكن شركة تصميمات المواقع الالكترونية التي كنت أعمل بها لم تدم غير ثلاثة أشهر فقط. في فترة أسبوعين كان قد تم اغلاقها. و اذا استمر الحال هكذا فاننا سنصح جيل بأكمله يعيش هذه الظروف".
عندما تكون الأمور جيدة يسمونه "جيل بارو" و فيما عدا ذلك يشار إليه بفجاجة معتبرينه "أضحية" لنظام تقوقع على ذاته.
ومثل المد المستمر شهراً بعد الآخر، فقد أغرقت الأزمة الجزيرة الأيبيرية. في البداية كانت المناطق الأكثر هشاشة هي التي أصيبت مثل اقليم الباسك  و الأندلس ثم بعد ذلك سرعان ما شملت باقي إسبانيا. وهي أزمة بالاضافة إلى انها تجعل أسر باكملها تعيش في الفقر المدقع فانها مستمرة في خلق جيل بلا عمل مضطر للاعتماد على اعانة البطالة للاستمرار في الحياة. حتى بداية 2010، كانت حكومة سباتيرو قد نجحت في الاحتفاظ  بالتوازن  رغم المعطيات الاقتصادية في الاتجاه الأحمر.

و لكن في فبراير بعد الوصول إلى رئاسة الاتحاد الأوروبي بقليل 1 ، كان انهيار البورصات الإسبانية قد نال من الصورة التي حافظت عليها مدريد جيداً و أدت إلى ان طفت على السطح ملامح أزمة عميقة.
تواجه إسبانيا حالياً أكثر موجات  الكساد خطورة منذ نصف قرن ( أقل من 3% على الأساس السنوي 2009) و الأكثر استعصاء بالنسبة لمجموعة العشرين فهي البلد الوحيد في داخل المجموعة الذي لم  يستعيد نموه. ويواجه أكبر انهيار لأسعار الاستهلاك منذ 1952.
خمسمائة ألف منزل غير مباع. و أكبر تخريب للوظائف خاصة لم تشهده الاحصائيات الوطنية من قبل
( في ديسمبر اختفت  أربعة الآف وظيفة في اليوم، -6% على أساس سنوي). و19% من العاطلين الذي يمثل الشباب 40% من بينهم يضغط حالياً بشكل غير محتمل على المالية العامة و يساهم بطريقة دالة في قصور بلغ 11,7 % للمنتج الداخلي الخام ( PIB ). ولم ينجح أي من مخضرمي البورصة العالمية في التكهن بالمأساة، و لكن اثنان من الاقتصاديون  الأكثر تأثيراً و هما بول كروجمان ونورييل روبيني يقدران أن إسبانيا اليوم من بين بلاد منطقة اليورو (Eurozone) هى الأكثر تعرضاً للانهيار أكثر حتى من اليونان.
في هذه اللوحة القاتمة تمثل أرقام بطالة الشباب أرقاماً مؤثرة : شخص من كل ثلاثة أشخاص ليس لديه عمل، في حين انه حتى العام الماضي كان الشباب العاطل يمثل 1 من 5 و بالتالي فان فكرة المطحنة التي يقوم بها النظام ويلقي به في البطالة أصبحت من الآن فصاعداً أقرب إلى الواقع.

يعتبر الشباب اليوم في إسبانيا  ضحية مجتمع لا ينفتح على أي مستقبل ممكن، فيما عدا مستقبل مبنى على المخاطر الأكثر توحشا. و بالنسبة لأولئك الذين يتفادون العيش في عدم الاستقرار، فانه لم يعد أمامهم  سوى ترتيب الحقائب و"شد الرحال" و ترك إسبانيا وراءهم.
يحاول جيل البارو حل مشكلته ما بين العقود المؤقتة و العقود المحددة المدة. فهناك ثلاثة شباب من بين أربعة تتراوح أعمارهم ما بين 16 و 19 سنة مقيدون بأحد هذه العقود الغير ثابتة تماما ( 74 % ).

الأكبر سناً ما بين 20 و24  سنة أصحاب المطالب المّلحة من حيث التمتع بالاستقلال هم أقل عدداً ( 54% ) هؤلاء الشباب المحرومون من أية ضمانات هم أول من يقع في البطالة : من بين  1800000  وظيفة  فقدت خلال عامي الأزمة كان من بينها  1500000  وظيفة بعقود موسمية.

بالاضافة إلى انه ، كما تقول نقابات العمال ( CCOO ) ان العمل المؤقت يتضمن أبعاد أخرى تتجاوز استقرار العمل، لان من ينجح في الدخول في سوق العمل يعاني بالفعل من قائمة طويلة من التعسف أصبحت عادية من الآن و صاعداً، مثل الأجور المنخفضة و الاستغلال خلال دورات التدريب التخيلية أو عقود" التدريب المهني". أصبح الحديث عن الثقة في المستقبل يزداد صعوبة ، و كذلك بالنسبة  للشباب الإسباني، الذي شب في مناخ من الأمل بعد عشرات السنين السوداء تحت حكم فرانكو. " لا أعرف ماهو الأسوأ" يصرح الكاتب رومان اوروزو :" أهو قرار 7000 آلاف عاطل النزول إلى الشارع للمطالبة بالعمل أم قرار المكوث في منازلهم متورطين فيما يسميه الخبراء " آثار أزمة  الثقة".
و لكن حذرهم أصبح حالة طوارئ وطنية إلي درجة اننا اليوم أكثر من ذي قبل يجرعونا اياها في استفتاءات ومناقشات و تحقيقات و الصورة الناتجة عن ذلك مقلقة. و يتضح انه في إقليم الباسك مثلاً أكثر من 12000 شاب من العاطلين في المنطقة سنهم أقل من 25 سنة. و في اوسيكاديا المشكلة الرئيسية هي فرص العمل بينما احتل الارهاب و العنف المركز الرابع.
يصف 51% من الشباب الظروف التي يعيشونها في الأشهر الحالية "بالسيئة" و "السيئة جداً". و نتيجة لذلك هناك مجافاة كاملة للأحزاب، إلى درجة ان 80% من عينة البحث يعتبرون أنفسهم "قليلي الاهتمام" بالسياسة أو "غير مهتمين بالمرة".

وفي الأندلس أيضا المناخ ثقيل إلى درجة  أن وزير العمل السابق مانويل بيمانتيل يتحدث عن "طوارئ وطنية" مصرحا : "حتى في أسوأ كوابيسي لم أكن أظن اننا سوف نصل إلى هذه النسبة من البطالة ". ففي أقل من عامين وصل الذين "بلا عمل" إلى  26.41%" .
والمآل الأخير لمواجهة الصعوبات الاقتصادية هو العودة لحضن الوالدين ، وهي الظاهرة التي تمس أيضا هؤلاء الشباب الذين كانوا قد حصلوا بالفعل على استقلالهم.  في  مناطق جنوب إسبانيا تظل الأسرة -حسب ما يقول فرانشيسكو جوتيريز المدافع عن حقوق مواطني مقاطعة مالاجا- "هي قارب النجاة للوضع الاجتماعي الذي تعبره البلاد حالياً".
تبحث مدريد تقوية الاقتصاد بمحاولة تنشيط الموارد الأساسية مثل قطاع السياحة في مناطق مثل الأندلس. ولكن لا يبدو ذلك كافياً للانتعاش حتى في منطقة غنية كمنطقة كاتالونيا التي اصبحت آخر صيحة بالنسبة للمزارات بفضل مدينة برشلونة خلال الست سنوات الأخيرة إلا أنها تأثرت بالأزمة الدولية. حيث تمس البطالة 28% من شباب كاتالونيا الذين يخضعون لعقود عمل مؤقتة ضعف ما يخضع له الأكبر سناً.
فكما يصرح بول " يقولون أن الأسوأ سوف يأتي و ان الدور سوف يكون على الطبقة المتوسطة. وأنهم سيشعرون باحساس الضياع ... في الشارع"