الإعلان

 

تحقيق صحفى ملامح جيل أمضى هناك عشر سنوات..وأمضت هنا عشرين عاما
أمضى هناك عشر سنوات..وأمضت هنا عشرين عاما
محمد فرج   

 

يكثر الحديث منذ سنوات عن "حوار الحضارات" أو "حوار الثقافات" التي تعني بأهمية معرفة الآخر والتحاور معه وخلق جسور بين البشر باختلاف ألوانهم وخلفياتهم وثقافتهم.

وعلى الرغم من أهمية الأفكار وعشرات المؤتمرات والندوات والموائد المستديرة التي عقدت ولم يتوقف إنعقادها للتدليل على أهمية الفكرة ولبحث جوانبها وسبل تفعيلها، إلا أن الحديث عن البشر يبدو غائبا عن مثل هذه المناسبات. فالبشر يتم إختصارهم في كلمات عامة وجامعة لا تظهر خصوصية التجارب ولا تميزها مثل "الشرق" "الغرب" "المسلمين" "الأوربيين"، رغم أن الحديث عن الناس يبقى هو الأكثر إمتلاء بالحياة بكل ما فيها من تعب وفرح وقسوة وبهجة، الناس التي عبرت من جانب إلى آخر ولم تكن في أذهانهم مصطلحات فخمة حول ضرورة الحوار مع الآخر بقدر ما كانوا يفكرون في إكتشاف ذواتهم وخلق حياتهم بأيديهم على أرض "الآخر" الذي لم يكن عالما منغلقا على نفسه بل أرض جديدة يكتشف عليها الإنسان نفسه.

.....أمضى هناك عشر سنوات..وأمضت هنا عشرين عاما |

بين الرحلة التي قطعها الفنان الكبير عادل السيوي من مصر إلى أيطاليا، والرحلة التي قطعتها زوجته ستفانيا أنجرانو من إيطاليا إلى مصر عشر سنوات، سافر عادل إلى إيطاليا عام 1980 وسافرت ستفانيا إلى مصر 1990 عشر سنوات قضاها عادل هناك وعشرون عاما قضتها ستفانيا في مصر، لتحتفل ستفانيا منذ أسابيع قليلة بمرور عشرون عاما على إدراتها لقاعة "مشربية" أحد أهم قاعات عرض الفن التشكيلي بوسط القاهرة.

تجربة عادل وستفانيا في العبور من وإلى ضفتي المتوسط شمالا وجنوبا تبقى تجربة مبهجة إكتشف كلا منهما أشياء كثيرة على أرض الآخر ورغم أن إرتباطهما جاء بعد أن أستقر الاثنين في القاهرة، إلا ان رحلة كلا منهما حملت هذه الرغبة في المعرفة والإكتشاف في سياق بعيد عن الأسرة والوطن والثقافة التي يعهدها كلا منهما..ولكن لماذا لا نستمع إلى عادل وستفانيا وهم يحكون لنا عن رحلة العبور من مصر إلى إيطاليا وبالعكس....

............

أوربا: كلاكيت أول مرة

يروي عادل السيوي عن بدايات ولعه بالسفر : "عرفت أوربا قليلا أثناء الدراسة الجامعية، أتيحت لي ولجيلي فرصة السفر اثناء الإجازات الصيفية، نعمل ثم نعود مع بداية موسم الدراسة، وقد عملت
على السفن المسافرة في المتوسط،بالطبع لم أكن متخصصا ولكن العمل لم يكن معقدا جدا ولم تكن إقامة طويلة، بضعة أيام على الأكثر من أجل إعداد السفينة. فذهبت إلى اليونان عدة مرات فكانت صاحبة النصيب الأكبر.ذهبت إلى نابولي في رحلة طويلة لكن ساعتها السفر كان وقتيا، أذكر أن أطول فترة كانت في اليونان حيث أستمرت ستة أو سبع شهور."

...........

إيطاليا...بالصدفة

سافرت عام 1980...كان عمري ثمانية وعشرين عاما. أنهيت دراستي الجامعية وكان أخر إمتحان –في حياتي-  لي يوم 19 يناير1977 أثناء المظاهرات الشهيرة. وأنهيت بعد الكلية سنة الأمتياز ثم التكليف التي تلتها فترة تجنيدي، بعدها بدأت الماجستير في الطب النفسي. ولكني كنت أعرف أن كل هذا سينتهي، وبالفعل أنتهيت من كل إجراءت الإستقالة.

لم أكن أخطط للسفر إلى إيطاليا للاقامة ودراسة الفن، كنت أريد روسيا – الإتحاد السوفيتي ساعتها- حيث توجد مفاهيم مختلفة للفن تلائم ميولي اليسارية، وبالفعل كنت بدأت في إجراءات السفر للدراسة في الإتحاد السوفيني عن طريق حزب التجمع نظرا لعلاقته القوية بالاتحاد.

وكنت قد تعرفت على فتاة إيطالية إسمها "لينا مارجريتا" التي أصبحت زوجتي الأولى أثناء دراستي الجامعية وكانت هي تدرس اللغة العربية، وأنقطعت المعرفة لفترة وألتقينا بعدها،واتفقنا على السفر إلى إيطاليا لبعض الوقت حتى تنتهي إجراءات السفر لروسيا حيث لم يكن ممكنا ساعتها السفر من مصر مباشرة إلى الإتحاد السوفيتي. ولكن ألغى الدكتور رفعت السعيد إجراءات السفر لأني لست من أعضاء الحزب، وأن البعثة أولى بها الأعضاء. وعرفت ذلك بعد وصولي إيطاليا.وأقترحت لينا أن أستقر في إيطاليا وأدرس الفن هناك.

..........

مصر..ظروف مواتية

أمضى هناك عشر سنوات..وأمضت هنا عشرين عاما | بينما تروي ستيفانيا أنجرانو عن ميولها الفنية والأدبية التي تجسدت في مصر : كنت أدرس اللغة العربية في ميلانو لمدة خمس سنوات وخلال هذه الفترة زرت تونس أكثر من مرة أيضا بهدف دراسة اللغة، بعدها حصلت على منحة للدراسة في القاهرة في 1989 فجئت إلى مصر. فكرت ساعتها في الأقامة في القاهرة ولكن بغرض الترجمة وكان ذلك عقب حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل. ثم سافرت ورجعت مرة أخرى لأتعرف على قاعة مشربية ثم كان الإفتتاح في 1990

كانت الظروف مواتية جدا في هذه الفترة، فقد درست فلسفة الجمال وتاريخ الفن في الجامعة وأحببت القاهرة وأحسست أن مكاني هنا وفي ذلك الوقت جاءني عرض أن أتولى إدارة مشربية فأحسست أن الظروف كلها تساعدني على الإقامة في مكاني الجديد. فطوال الوقت وانا افكر ان مشروعي قائم على شقين الفن والادب وفكرت في إمكانية ان أعمل على الجانبين معا من خلال وجودي في مصر.

.........

إيطاليا... كنت محظوظا

يقولها السيوي معترفا بحسن طالعه. "لم أواجه حاجز اللغة حين وصولي فكنت قد درست الإيطالية بالمعهد الثقافي الإيطالي وتواجدي مع لينا والإيطاليين الموجودين في القاهرة أتاح لي تطوير اللغة بشكل جيد والتعرف بقدر ما على الإيطاليين، وساعدتني ظروف كثيرة وجود إنسانة إلى جانبي ومن ورائها عائلتها التي إحتضنتني، وأيضا بدأت في العمل عن طريق "برانبيلا" كان قسيسا عاشقا للغة العربية،أحد المدرسين الذين درسوا لي الإيطالية بالقاهرة، عندما علم بوصولي طلب مني تسجيل نص بالعامية المصرية ليتم تدريسه لطلاب اللغة العربية بجامعة ميلانو، وسجلت له رواية "قنطرة الذي كفر" لمصطفى مشرفة، وتقاضيت أجرا جيدا جدا، بعد ذلك عملت مدرسا للعامية للطلاب الإيطاليين ثم بدأت بالعمل في الترجمة لمكاتب الترجمة المختلفة.

كانت الترجمة من العربية وإليها عملا مطلوبا وجيد السعر نظرا لوجود شركات إيطالية كثيرة تعمل في مناطق عربية،وتحتاج لترجمة ما يتعلق بمنتجاتها ودعايتها، والمترجمين قلائل.فالعمالة العربية في روما كانت أغلبها عمالة يدوية، فكان عملا مربحا، واتاح لي الفرصة للانطلاق فكنت أعمل قليلا وأكسب كثيرا. وتزوجنا أنا ولينا وأقمنا في بيت أسرتها، وتجولت في أوربا كثيرا هذه الفترة في باريس ولندن و فيينا حيث ألتهمت عيني المتاحف والمزارات الفنية هناك."

............

مصر... ليس خوفا لكن حيرة

لم اخف من مصر منذ البداية، الخوف بالنسبة لي مختلف لا يتملكني الخوف من الأشياء الجديدة بالعكس لدي سؤال طوال الوقت لماذا ينبغي أن أخاف من نافذة جديدة تفتح لي على مصراعيها ؟

ومصر بالنسبة لي كانت بلدا يمنحني فرصة أن افاجأ كل يوم بشىء جديد.وهذا كان مثيرا جدا بالنسبة لي. انا لا أحب روتينية العمل الواحد والمكان الواحد ومشربية ومصر منحاني هذه الفرصة ليس بشكل مطلق بالتأكيد فهناك جانب ميكانيكي في أكثر الأعمال إبداعية ولكن عملي في مشربية يحمل لي جديدا كل يوم.

ولكني في بداية إقامتي كنت أصاب بالحيرة نتيجة بعض التصرفات والأداءات التي لم أكن أفهمها مثل ان أتفق مع أحد الفنانين على موعد فلا يأتي ولا يعتذر أو يأتي متأخرا ساعة او ماشابه، فلم أكن أفهم هذا هل هو عدم تقدير ، ام عدم جدية في التعامل معي لأني أجنبية أو أمراة تبدو صغيرة.

بعد ذلك أكتشفت أن العلاقات تمضي بشكل مختلف ربما يبدو أكثر مرونة بكثير من شكل العلاقات بين البشر في إيطاليا، و بدأت أستوعب ان النظام مختلف وان هذا الاختلاف لا يعني عدم الاحترام أو عدم التقدير.

.....................

ايطاليا... الرغبة في الإختلاف لا التشابه

كنت حسن الحظ فتح لي المجتمع أبوابه وتقبلني ووجدت عملا يتيح لي فرصة ان أتعلم وأشاهد وأكتسب خبرات كانت تتسع وتنتقل من مستوى إلى أخر.

وهذا جعلني أطرح على نفسي أسئلة أصعب كيف سأصنع حياتي التي أريد ان اصنعها تجد نفسك وحيدا بعيد عن حماية الاسرة والاصدقاء والتيار السياسي الذي تميل اليه والثقافة التي تعرفها قي بلد يتحدث لغة مختلفة وديانة مختلفة وحضارة مختلفة وانا متقبل هذه الفكرة ومستعد لها، كنت اريد ان اعيش في الاختلاف لا في التشابه.

.........

مصر...إحتمالات مفتوحة

لم اقدر زمنا محددا لتجربتي في مصر منذ البداية كانت المرة الأولى التي أدير فيها قاعة عرض، في بلد جديد ومختلف تماما بكل تفاصيله وأحببت أن أعطي نفسي تماما لهذه التجربة بدون وضع سقف زمني معين كانت إحتمالاتي مفتوحة.

.........

حكاية "مشربية" علي لسان عادل

"مشربية" جاليري فتحه فنان مصري أسمه سعد كامل في منتصف الثمانينات وكان يهوى جمع التحف، ولم تكن مشربية هي مكانه الأول ولكنه أمتلك قبلها مكانا أخر، وبعدها اشتري طابقا في شارع شامبليون بوسط القاهرة وأسماها "مشربية" تيمنا بالمشربيات التي وضعها في النوافذ.

وكان يريد تخصيصه لأعمال الحفر نظرا لطبيعة المكان، ولكنه أيضا لم يكن يريد أن يتولى الإدارة، وفي الوقت نفسه كان يخشى أن يعهد بإدارته لأحد المصريين فيستولي عليه فأختار أن يديره أجنبي من الأجانب المقيمين في القاهرة.

ادراته في البداية السيدة "أورسولا شيرنيج" وقد أقامت عدة معارض جيدة ولكنها أختلفت مع حسن كامل فتركت إدارة الجاليري، بعدها جاءت الفرنسية "كريستين روسيون" -زوجة آلان روسيون" الذي تولي إدارة المركز الفرنسي للأبحاث في القاهرة لفترة طويلة- وأتفقت مع سعد على ان تشاركه في الجاليري ولكن أيضا حدث خلاف مالي بينهما وتركت المكان.

وسأل سعد عادل السيوي ساعتها أن كان يعرف أحد يصلح لإدارة الجاليري، وكان قد تعرف على ستفانيا في ميلانو وجاءت في زيارة للقاهرة وشاهدت "مشربية" خلال زيارتها... و" أخبرتني ان حلم حياتها ان تدير مكانا مثل هذا، حيث كان لها تجربتين سابقا في العمل في قاعات عرض في ميلانو. فطرحت عليها فكرة إدارة "مشربية" فجاءت بالفعل وقابلت سعد وتم الاتفاق على المشاركة في البداية ثم أن تؤجر هي المكان ولكن نتيجة شخصية سعد الغريبة نشأت مشاكل تحولت إلى ساحة القضاء وأستمرت سنوات طويلة وبعدها ألت ملكية الجاليري إلى ستفانيا".

................

مشربية... إبنتي التي أحيانا..أكرهها

ا

"مشربية" مثل أبنتي بدأت وكبرت معها وعرفت معها الحياة وأكتشفت وعرفت اصدقاء عزيزين وخيانات أيضا. مشربية هي حياة كاملة، أحببتها كثيرا وكرهتها أحيانا.

لعبت دورا في الحركة التشكيلية فمشربية من أوائل الأماكن التي حققت مفهوم "قاعة العرض" الذي يختلف عن محلات الديكور التي كانت سائدة، أي النموذج الأقرب إلى " الجاليري" الذي تحتل فيه القطع الفنية مكانها في علاقتها مع الديكور. وبعد تثبيت أقدام مشربية بدأت قاعات العرض في الإنتشار بهذا المفهوم الذي يحتفي بالفن المعاصر ويعلي قيمة الفنان.

..........

كان عالم يتنفس نسائم 1968

العالم الآن أكثر إنفتاحا وإنغلاقا في الوقت ذاته . تطورت وسائل الإتصال تطورا كبيرا بحيث أصبح العالم صغيرا ومكشوفا ويمكن إستحضار أي جزء منه بسهولة ولكن من ناحية أخرى تنامى الخوف من الآخر وتشعب. فعندما سافرت إلى إيطاليا كان الوضع مختلفا كانت آثار حركة 1968 لا تزال تهب على أوربا وأبرزها الاحتفال بفكرة الشباب والترحيب به وبحركاته ونشاطاته وتحركه وإنتقاله من مكان لآخر، فالشباب هو الأمل في مستقبل أفضل، هذا الشباب الذي كان يحمل جيتارا ويرفع شعارات تعادي الحرب وتعلي من شأن الحب.

تغير هذا الآن تماما.

...............

مصر: إيقاع بطيء ....ولكن

مصر إيقاعها بطىء جدا، وواقعها السياسي لا يسمح بأسرع من ذلك، وهذا يخلق تأثيرا معنويا وثقافيا، نتيجة لأن إنتقال مصر من القديم الى الحداثة وما بعدها جاء مهزوزا فخلق إيقاعا غير متجانس يتسبب في فوضي في المفاهيم. تجعل الأشياء تنحدر إلى منحدر أسوأ.

ثم غياب لقيمة النقد وطرح الأسئلة وهي الدافع الأساسي لتطوير المجتمع، وأحيانا يبدو هذا الغياب بسبب عدم الرغبة في خلقه... وأحيانا يخنقني عياب الأمل في الحركة والتطور. لكن تبقى فكرة مغادرة مصر أمرا غير مطروح بالنسبة لي أقضي إجازاتي في إيطاليا...لكن حياتي هنا في مصر.