الإعلان

 

تحقيق صحفى ملامح جيل الجزائر: عبور هجين للمشهد الفني
الجزائر: عبور هجين للمشهد الفني
أمين إيجر   

 

 

لقد جرى هذا التهجين أثناء الاحتلال الاستعماري، مع مشاركة الطائفة اليهودية في الحياة الثقافية الجزائرية. وهو ما أدى إلى مولد نوع موسيقي (الاستعراضات)، يزدهر حاليا في كل الحفلات والاحتفالات الجزائرية. ومن بين هؤلاء "الصناع": ليلي بونيش (إيلي بونيش) ، أو رينت الوهرانية (سلطانة داود)،او بلون او بلون(البير رويمي)،الجزائر: عبور هجين للمشهد الفني | أو موريس المديوني، أو انريكو ماسياس (الذي يحظى بتقدير كبير لدى الجزائريين). ومن ثم، رأى النور تراث موسيقي عربي يهودي ثري. حتى خلال السبعينيات من القرن العشرين، اشتهر مغنون في سجل سمي " أغنية جديدة"، مثل سامي الجزائري، والغازي، وآخرين

أثناء عقد الثمانينيات والتسعينيات، عرفت الساحة الموسيقية الجزائرية ازدهارا حقيقيا. كان هناك الشاب خالد بالنسبة لأغنية الراي. وأنتج تعاونه مع  عبقرية التأليف الموسيقي و التوزيع الصافي بوتلا ألبوم "كوتشي" في عام 1988. وهو ألبوم مستمد من "المعايير التقليدية الجزائرية وأحيانا المغربية"، التي ضخت فيها "صوتيات ذات نغمات جاز، وغربية، وأوركسترالية" ويعتبر ألبوم "كوتشي"، الذي تم تسجيله خارج الجزائر، أحد أجمل إنجازات موسيقى الراي. و في الفترة نفسها، ظهر فنان شاب، نشأ في ظل الموسيقى الأندلسية، حيث تلقى دروسه على يد أساتذة هذه الموسيقى، لذلك أدهش الجميع بأغنيته "سروال لوبيا" (وهو زي جزائري). إنه حميدو الذي عاد منذ هذه التجربة إلى عشقه الأول، أي الموسيقى الأندلسية. وهناك أيضا حسين لصنامي وأغانيه العاطفية في الموسيقى الشعبية (البوب) الجزائرية الحديثة وكذلك فرقة بوليفان.

وسيستمر البحث عن الأنواع الموسيقية والتزاوج بينها، رغم العقد الأسود الذي ضرب الجزائر. طوال تلك السنوات العشر ظل الإبداع قائما، حيث انتشرت الفرق الفنية القصيرة العمر مثل الفطر. وتميزت السنوات العشر بتأثير الموسيقى الفلامنكو التي أنتجت فرقا موسيقية مثل ميديترانيو Mediterraneo أو تريانا الجزائر العاصمة ( لا تزال هذه الفرقة موجودة وتقدم ألوانا وطنية في الاحتفالات الثقافية المختلفة في الخارج).

 

خالد وظاهرة الراي

مع النجاح العالمي لأغنية "دي دي"، وصل الراي مباشرة إلى أعلى مقام. بعد ذلك ببضع سنوات، "كرر" خالد التجربة مع أغنية عائشة (بالتعاون مع جان ـ جاك جولدمان)، محققا نجاحا آخر. كما جلب الشاب مامي إسهامه أيضا في صرح الراي. ومن نجاح إلى نجاح، يتعاون الشاب مامي مع كبار المشهد الموسيقي. والشيء نفسه بالنسبة لخالد الذي قدم أغانيه في جميع أنحاء العالم. وهناك مطرب آخر، لكنه يقدم نوعا مختلفا، إنه تاكفاريناس، الذي تجرأ أن يخرج على تراث أغنية القبائلية، وذلك بتحديث الآلات الموسيقية جالبا لها حيوية ما.

على عتبة الحداثة الموسيقية

في الجزائر، يبدأ التهجين في التشكل مع محاولات تحديث الموسيقى التقليدية الجزائرية. كانت هناك تلك العادة غير المحببة التي كان بعض المغنين يلجئون إليها ألا وهي إعادة استخدام اللحن على كلمات جزائرية تماما. في الجزائر العاصمة، كان هناك محمد رضا الذي حقق نجاحا كبيرا عندما أعاد استخدام لحن إحدى أغاني الفرقة الإنجليزية وام Wham "لاست كريسماس" التي أصبحت "سمعتي لناس " (استمعت إلى الآخرين). وتفوقت أيضا في "الموجة الجديدة" الموسيقية فرقة ديسيدنتن Dissidenten، التي كان يقودها حميد بارودي. كانت عمليات إعادة غناء الأغاني التراثية ( حكمت الأقدار للفرقة المغربية لمشاهب)، والمقطوعات الموسيقية المحنكة التي تغازل موسيقاها الموسيقى العرقية، أو التقنية، أو الكلاسيكية، أو الحديثة، تمثل تجربة رائعة قبل أن يغادر حميد بارودي الفرقة وينطلق في مستقبله المهنيالجزائر: عبور هجين للمشهد الفني | كعازف منفرد.

الروك، الراب، "الـسلام" slam

و منذ ذلك الحين رأت فرق كثيرة النور. واتخذت موسيقى الروك أهمية مع فرقة "البصمة"، في التسعينيات من القرن العشرين، وبداية الألفية الثالثة. كانت الفرقة تستمد أعمالها من المعايير الغربية للروك، لكنها كانت تستوحي أيضا التراث الموسيقي الجزائري. وفي ظل هذه الانطلاقة، رأت النور فرق دزاير Dzaïr ، و جزمة Djezma ، وكاستي جروف Casti Groove ، وجود نوييز Good Noise. وتتكون هذه الفرق كلها من موسيقيين شبان، منهمكون في حياة الجزائر العاصمة. إنهم متأثرون بموسيقى الروك، لكن سرعان ما فهموا أنه لكي يتمكنوا من التواجد، فمن الضروري أن يبدعوا بلغة بلد الشباب الذي يستمع إليهم.

وعرف الراب أن يشق لنفسه طريقا لكي يحتل مكانة طيبة في الجزائر. مع قائده بلا منازع والذي لا يمكن تفاديه، لطفي دوبل كانون من عنابة. وفي مدى سنوات قليلة، أصبح لطفي معبود الجماهير، بل وأيقونة الراب في الجزائر. تصب أغانيه في المطالبة و فضح الظلم. يستخدم لطفي فنه لكي يحكي أزمة الشباب الجزائرية، وتوقعاته ورغباته هؤلاء الشباب، وبشكل خاص قلقه. ونظرا لما يشتهر به من صراحة، فإنه كثيرا ما يتعرض للنقد بدعوى أن نصوصه "سوقية"  و"تنال من سلامة أسس المجتمع الجزائري".

إن الـ"سلام" slam ، الذي رأى النور في نهاية التسعينيات من القرن العشرين، بدأ في اكتساب قاعدة موسيقية طيبة في الجزائر. تمكنت فرق مثل سلاميكا أو سلامثي في الجزائر العاصمة من التعبير عن الضيق و الاضطراب الذي يتحرك فيه المجتمع الجزائري. ويرسم هؤلاء المغنون لوحة سوداء، يجد فيها كل منا نفسه. النصوص المحملة بالمشاعر، تعبر عن عين الحقيقة، لأنها مستمدة من الواقع الاجتماعي الجزائري.

يرجع النجاح الذي لاقته  موسيقي الراب و الـ"سلام" slam إلى اللغة المستخدمة، وهي ليست لغة مقعرة، لكنها لغة الشعب.

الغناوي والجاز

منذ عدة سنوات، بدأ نوع موسيقي آخر في الانتشار، وهو الغناوي. اكتشف هذا النوع بفضل فرق الجنوب الجزائري وبفضل امازيغ كاتب ( القائد السابق غناوى ديفزيون، التي أطلقت هذا النوع من الموسيقى) أيضا، وأنتجت موسيقى غناوي فرق شبابية تفوقت في هذا الأسلوب. على سبيل المثال فرقة جمعاوي أفريكا، التي حققت نجاحا سواء في الجزائر أو في الخارج. لقد وجدت هذه الفرقة الوصفة المعجزة، أي الجمع بين موسيقى غناوة خالصة، ممزوجة بنغمات روك. وكان النجاح فوريا.

وكان الجاز أيضا أحد الأنواع الموسيقية الرئيسية التي تأثرت بالامتزاج مع التراث الموسيقي الجزائري. و

الجزائر: عبور هجين للمشهد الفني |

تقدم فرقة المدار في الجزائر العاصمة وفرقة سينوج في قسنطينة الدليل على ذلك. لقد جعلا من الاندماج (جاز شرقي بالنسبة للمدار وجاز مع مالوف بالنسبة لسينوج) مبداً أساسياً. ولم يتأخر النجاح عن موعده.

 

فضاء نون، جزيرة القراءة والكتابة، الماما (متحف الفن الحديث)، دار عبد اللطيف، سقراط نيوز

إنها أسماء أماكن أسهمت في الجزائر العاصمة، ولا تزال تسهم بطريقة أو بأخرى، في ازدهار الثقافة. كما تعتبر فضاءات تبادلية لتلاقي التعبيرات الثقافية المختلفة.

فضاء نون، مكتبة أغلقت للأسف أبوابها، يوم 31 يوليو 2010، لكنها كانت طوال خمس سنوات مكان للقاءات الأدبية، والمعارض الفنية، والمناقشات وبالطبع لبيع الكتب. وبفضل المسئولين عنها نصيرة وكيكي، تمكن عشاق الأدب أن يلتقوا فيها بكبار الكتاب الجزائريين، والفرنسيين، والفلسطينيين...

وجزيرة القراءة والكتابة هي فضاء آخر مكرس للكتب واللقاءات، في قلب العاصمة الجزائرية، يدير هذا المقهى الثقافي الناشر وصاحب مكتبة سيد على صخري. تفردها أنها من السبت إلى الخميس تكون بمثابة ملتقى ثقافي، حيث يطرح موضوع للمناقشة والحوار. كما يعتبر المكان وسيلة انطلاق لبعض الفنانين. ففي بداية عام 2010 استضافت جزيرة القراءة والكتابة ورش عمل موسيقى الـ"سلام" slam التي كانت تحييها فرقة سلامثين والمخصصة للجمهور العريض.

ويمثل المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، ماما، فضاء مناسبا لامتزاج الثقافات. لقد أقيم فيه عدة معارض للفن المعاصر. وفي سجله، يكون تهجين واندماج الأنواع والأساليب موجودا بشكل دائم. وحقق أول بينالي للفن المعاصر يقام في العاصمة الجزائرية في نوفمبر 2009 نجاحا كبيرا. لقد شارك فيه فنانون ومصممون مختلفون قادمين من شمال أفريقيا، والبلدان الأفريقية جنوب الصحراء، ومن أوروبا، ومن أمريكا اللاتينية، حيث تمكنوا من تبادل الأفكار، والرؤى،  والأحاسيس. وطبقا لجهيدة هوادف، فنانة تشكيلية تعيش وتعمل في الجزائر العاصمة، " ففي الفن المعاصر نعثر مجددا على التهجينالجزائر: عبور هجين للمشهد الفني | ".

تعتبر دار (أو ديوان) عبد اللطيف، في العاصمة الجزائرية، إحدى درر العمارة الجزائرية، وهي مشهورة بأنها كانت، في عام 1907، مكان لإقامة فنانين في مجال الرسم، و النحت، بالإضافة إلى المولوية، وهي تماثل في ذلك فيلا فيلازكويز في مدريد وفيلا ميديسيس في روما. لقد استرجعت الدار  تراثها باستقبالها الكاتب انسوموين هين Ansomwin Hien ، من بوركينا فاسو للإقامة فيها لمدة شهرين.

فضلا عن ذلك، تشجع المؤسسات الثقافية الأجنبية في الجزائر العاصمة (المركز الثقافي الفرنسي، ومعهد سرفانتس الإسباني، والمعهد الثقافي الإيطالي، ومعهد جوته الألماني، والمعهد البريطاني....) اللقاءات الفنية بين الجزائريين والأجانب. ولقد نظمت ورش فنية وإقامة، خاصة في مجال الرقص. وهكذا أتيحت الفرصة أمام راقصي الهيب هوب  والبريك دانس أن يلتقوا مع مدربين مشهورين مثل اوسيني Oussini من بوركينا فاسو. كما تنظم هذه المؤسسات الثقافية كل أنواع العروض الحية.

أما المولود الجديد لهذه الأماكن الثقافية هو فضاء سقراط نيوز، وهو مكتبة في قلب العاصمة، وستبدأ، من شهر أكتوبر، دورة لقاءات، وحوارات، وحفلات موسيقية، وعرض أفلام.

 

المهرجان الأفريقي، مهرجانات أباليسة، موسيقى ديوان، وديماجاز، والموسيقى الشابة والمعاصرة...

تعد المهرجانات أيضا ملتقى مهم يتيح الفرصة للفنانين "المحليين" أن يلتقوا بالفنانين القادمين من أماكن أخرى، وأن يكتشفوا أنواع موسيقى غير معروفة حتى ذلك الحين من الجمهور الجزائري. إن المهرجان الثقافي الأوروبي الحادي عشر، الذي ينظمه وفد الاتحاد الأوروبي                                          في الجزائر، أصبح أحد الملتقيات الموسيقية التي يجب عدم تفويتها. ففي كل عام، تتتالى أنواع الموسيقى المختلفة طوال شهر مايو. أما بالنسبة للمهرجانات الأخرى التي أنشأتها وزارة الثقافة الجزائرية، فهي منابر تتيح التعريف بالموسيقى الجزائرية بكل تنوعها، دون إغفال نخبة الضيوف القادمين من الخارج.

يوجد حاليا 120 مهرجانا (من مختلف الأنواع). لقد أصبح المهرجان الدولي ديماجاز الذي يقام في مدينة قسنطينة، مثلا، ملتقى سنويا يجذب الجزائريين من مختلف أنحاء البلاد. يقدم هذا المهرجان الذي يقام للعام الثامن موسيقى انصهار الجاز. فعلى مدى تسعة أيام، يعزف مشاهير موسيقى الجاز ألحانهم على خشبة المسرح الجهوي لقسنطينة، محولين مدينة الجسور المعلقة إلى بؤرة للقاءات والتبادل على إيقاع تهجين موسيقي خصب.

 

ترجمته من الفرنسية لبنى الريدي