الإعلان

 

تحقيق صحفى ملامح جيل مصر.. بين دماء "التحرير" وطبول الإنتخابات
مصر.. بين دماء "التحرير" وطبول الإنتخابات
محمد فرج   

 

 

مصادمات بين المسلمين والمسيحيين، اختفاء الشرطة، وحالة انفلات أمني لم تعرفها البلاد من قبل، بروز القوى الاسلامية ذات التاريخ في مصر على الساحة واستعدادها لقطف ثمار البلاد..هكذا تنقل وسائل الاعلام صورة مصر الثورة إلى العالم، وتأتي هذه الصورة لتخلق جوا أكثر توترا خصوصا بعد انتخابات المجلس التأسيسي التونسي ووصل حزب النهضة الاسلامي الى هذه النسبة، في تونس صاحبة التاريخ الأكثر علمانية في المنطقة..فماذا إذن حول مصر مصدرة ثلث الاسلام المسلح الى العالم خلال الثلث الأخير من القرن العشرين؟ الدولة التي ظلت خلال أكثر من ثلاثين عاما منذ منتصف عهد الرئيس المقتول أنور السادات (1970- 1981) وحتى نهاية مبارك المخلوع  ترعى الاسلاميين أحيانا وتضربهم أحايين أخرى، وتترك لهم مزاج الشارع ليجعلوه أكثر محافظة على السطح، وأكثر حرية، وتهتكا في الخفاء،  وتضرب الجميع بالجميع من أجل بقاءها فوق الجميع.

ربما يحتاج المرء إلى إزاحة وسائل الاعلام جانبا بعض الشىء من أجل محاولة الوصول إلى رؤية أكثر تفصيلية وربما أكثر قربا للواقع..

مصر.. بين دماء "التحرير" وطبول الإنتخابات   |

إستيقاظ المارد

منذ 25 يناير انطلق مارد ضخم اسمه "الشعب" ، "الجماهير"، "الناس" بعد أن ظل ستين عاما خارج الصورة تماما..ليبقى الثلاثين الأولى مسلوب الوعي مقابل الطعام، والثلاثين الثانية مسلوب الوعي والطعام.لتنطلق هذه الطاقة الرافضة للقهر والفساد..ربما لم يهبط الجميع إلى الميادين ولكن تحركت القوى الأكثر فاعلية في المجتمع لتصنع الثورة وتقود ورائها الباقي، ليعلن الجميع رفض العودة للوراء مرة أخرى، الذين شاركوا في الأيام الاولى والذين لم يشاركوا...الجميع يرفض العودة الى ما كان، ويريد شيئا جديدا. إستيقاظ هذا المارد خلق طاقة رهيبة تتحرك في انحاء مصر كلها الان ..طاقة تتحرك في كل الاتجاهات، وبشكل متطرف في احيان كثيرة، ولكن يبدو ان الجميع يريد ان يجرب معنى ان يكون حرا.

مصر.. بين دماء "التحرير" وطبول الإنتخابات   |

إرادة العسكر

ولكن المارد المستيقظ لا يتحرك وحيدا، وليست أمامه فرصة إعادة البناء منفردا خصوصا مع عدم وجود نخبة سياسية موحدة قادرة على القيادة، هناك العسكر حماة جهاز الدولة المصرية على مدار التاريخ، فيحاول المجلس العسكري – القابض على شئون السلطة في مصر- والمتورط في أمور كثيرة بحكم إرتباطه بنظام مبارك، والذي يشكل جزء من منظومة فساد دولة الرئيس المخلوع، أن يعيد الأمور إلى سابق عهدها بالترغيب مرة، وبالترهيب مرات، حيث يراهن المجلس على نفاذ الطاقة الثورية التي أنفجرت في الشارع، على جميع المستويات، ولكن ما يبدو حتى الآن، أن العسكر في مصر لم يدركوا انقلاب معادلة الحكم في مصر حيث دخل لاعب جديد اسمه "الشعب" يطالب بحقوقه ويرفض العودة الى مقعد المتفرج المفعول به دائما..

 

ما العمل؟

"فرق تسد" قاعدة قديمة صالحة للاستخدام طوال الوقت، خاصة عندما تواجه قوة تبدو مجهولة المصادر، وتكون غير قادر على القضاء المباشر عليها، إذن فليتم تقسيمها، بحيث تتحول القوة الواحدة الكبيرة إلى قوى صغيرة أقل قدرة، بالإضافة إلى ما سيضيع في حالة التناحر التي ستسحب من رصيد هذه القوى الصغيرة وعندها تستطيع أن تسيطر بشكل أكثر إحكاما، خاصة في حالة استعداد بعض الاطراف الى الانحياز اليك.

انطلاقا من القاعدة القديمة يتحرك المجلس العسكري، فبعد الهبة الاخيرة في ميدان التحرير، وميادين الاسكندرية والسويس ومدن الجنوب، ظل المجلس على إصراره باقامة الانتخابات في ميعادها، ورغم حالة الخوف من الانفلات الأمني التي لم تتوقف جميع وسائل الاعلام عن بثها طوال الوقت في الشارع المصري منذ الخامس والعشرين من يناير، بغض النظر عن صدقها أم لا، وبرغم إنسحاب الشرطة من أداء عملها في الطبيعي في حفظ الأمن من أجل بقاء حالة الانفلات الأمني واستخدامها للضغط على الكتل الجماهيرية للعودة إلى "الحالة الطبيعية" السابقة على الثورة، وبرغم الوضع المتفجر في "التحرير" ورغبة الثوار في اتخاذ خطوات حقيقية تجاه تسليم السلطة، وإجراء تغيرات ثورية حقيقية في البلاد.

تتوقف الصدمات المباشرة في "التحرير" وتسحب وسائل الاعلام كاميراتها من الميادين لتتجه إلى "الانتخابات" التي بدأت مرحلتها الأولى قبل أيام، ورغم الحالة العامة التي كانت تتخوف من اجراء انتخابات في ظل اختفاء الشرطة، بدأ المهرجان الانتخابي الذي صفق له الاسلاميون – إخواناً وسلفيين- بمنتهى الهدوء، وبإقبال شديد من المواطنين الذين يرغبون في انهاء حالة التوتر التي تمر بها البلاد والخروج إلى منطقة جديدة. وهكذا يسحب البساط من تحت أقدام الثوار المعتصمين بالميدان لصالح "الانتخابات".

فجأة تختفي جموع البلطجية التي كانت تسبب الرعب في مصر قبل أيام، والتي كان ظهورها أمرا عاديا خلال مواسم الانتخابات، وتصفق كل وسائل الاعلام "للخطوة الديموقراطية"، ويتعامل المجلس العسكري مع الأمر عبر تصريحات أعضائه بأن الانتخابات هي إقرار بشرعية حكم المجلس، وأن البرلمان القادم ليس من حقه تشكيل حكومة، وبالتالي يزيد غموض مستقبل هذا البرلمان، وتضيع القوى السياسية على خريطة الانتخابات التي تسيطر عليها الاسلاميين، وتبقى أعداد صغيرة في التحرير يسهل التخلص منها وسط ضجة "العرس الديموقراطي" كما وصفته وسائل الاعلام المصرية.

مصر.. بين دماء "التحرير" وطبول الإنتخابات   |

هل هي حقا كتلة؟

الاسلاميون ليسوا كتلة واحدة..واسلاميو الآن ليسوا اسلاميي التسعينات المسلحون، او اسلاميو القاعدة والجهاد. والاعلام يساهم بشكل كبير في هذا التعميم، وهو تعميم خاطىء لأنه يخفي حقيقة التفاعلات التي تحدث نتيجة الخروج من العمل السري إلى العمل العام ، ومن ناحية أخرى لا يريد الاعلام أن يرى الانشقاقات التي تحدث على استحياء الأن، والتي ستتوسع كلما مارس الكتل الاسلامية السياسة بشكل أكثر. وأيضا طبيعة وضع الاسلاميين على خريطة ما بعد الثورة إذ سيتنافس الاخوان والسلفيين على الاستحواذ على مساحات جديدة، وهذا التنافس هو ما سيضعف الأرضية الدينية التي يفترض أن الطرفين يقفون عليها، ويدفع بالتفاعل الى مناطق ذات علاقة باليومي المعاش والمرتبط بمطلبات الشارع الاقتصادية ويبتعد أكثر عن الخطاب الديني الذي سيفقد سحره هنا.

ولكن لابد من الاقرار بشكل واقعي بأن الاسلاميين على اختلافاتهم هم الأكثر وجودا في في الشارع المصري وهو ما سيجعلهم يفوزون بنسب كبيرة ولكن أيضا لن يفوزوا وحدهم..وستكون هذه النسبة هي الأقرب للواقع. ولكنها ليست النهائية.. وبالنسبة لي بشكل شخصي أتمنى وصول الاسلاميين للحكم لنرى كيف سيواجهون مشاكل مصر الاجتماعية، وكيف سيقابل المارد-الشعب هذا التعامل، فما يلعب عليه الاسلاميون هو الجانب الاخلاقي، فهم يطرحون أنفسهم كأطهار بعيدين عن الفساد الذي رسخه النظام السابق لأنهم "متدينون"، وبالتالي سيصلحون ما أفسده الاخرون، ولكن هذه النغمة الاخلاقية بدون خطوات حقيقية، وضربات جذرية للنظام -الذي يسعى الاسلاميين للتحالف معه-  لن تفيد في إرجاع المارد إلى النوم والاستكانة مرة أخرى.

أخيرا مصر دولة كبيرة بسكانها الذين يقتربون من التسعين مليونا، وبجهاز دولة مركزية قديمة جدا لذا تبدو حركتها بطيئة، ثقيلة تحتاج إلى وقتا من اجل الدخول في دائرة التفاعل، واجراء التفاعل بالفعل ، وأيضا الخروج بنتائج من هذا التفاعل. لذا يصعب الخروج بأحكام نهائية حول ما يحدث، تحتاج

مصر أن نعطيها وقتا للوقت.

 

 

 

الإسلاميون  – الإنتخابات المصرية