الإعلان

 

تحقيق صحفى ملامح جيل لماذا يرفض الشعب الجزائري استيراد الثورة الشعبية؟
لماذا يرفض الشعب الجزائري استيراد الثورة الشعبية؟
نسيم براهيمي   

بالرغم من اكتساح الربيع العربي للبلدان المجاورة كتونس، مصر وليبيا. وقد تضاربت التحليلات واختلفت التعليقات المفسرة لأسباب عزوف الجزائريين عن الخروج إلى الشارع والمطالبة بإسقاط النظام، فالبعض اعتبر أن الشعب الجزائري سبق له وأن قام بثورته من أجل الديمقراطية في إشارة إلى «أحداث 5 أكتوبر 1988»، والبعض الأخر اتهم النظام بتمييع الساحة الوطنية وإخضاع القوى السياسية والمجتمع المدني إلى سلطته مما جعل منها مؤيدة بدون قيد لقراراته، فيما اعتبر آخرون فقدان المعارضة لمصداقيتها و انعزالها عن القاعدة الشعبية من أهم أسباب فشل مساعي التغيير بالجزائر.

 

وقد تعززت قناعة الجزائريين بفكرة «عدم جدوى» الثورات الشعبية بعد المنعرج الذي أخذته الثورة الشعبية في ليبيا ودخول قوى أجنبية ساحة المعركة وهو ما جعل من «نظرية المؤامرة» تترسخ في أوساط المجتمع الجزائري رغم إقرار الجميع بضرورة تغيير مظاهر الحكم في البلاد وتعزيز الديمقراطية مع فتح قنوات التعبير الشعبي.

وكانت الجزائر قد عرفت ظهور بوادر ثورة شعبية، اصطلح على تسميتها «أحداث 5 جانفي 2011»، تزامنت في توقيتها مع بلوغ «ثورة الياسمين» التونسية ذروتها. لكن انعدام أرضية مطالب واضحة و ضعف أداء الطبقة السياسية المعارضة التي لم تستطع استيعاب الغضب الشعبي جعل من ذلك الحراك يؤول إلى أحداث شغب، اجتاحت ما لا يقل عن 30 ولاية من أصل 48، راح ضحيتها الشباب الجزائري مع سقوط خمسة قتلى و تسجيل العشرات من الجرحى خلال مواجهات دامية بين قوات مكافحة الشغب والشباب الثائر. وقد استطاعت السلطة في الجزائر أن تسقط «أحداث 5 جانفي 2011» في خانة «المطالب الاجتماعية البحتة» بترويجها لفكرة أن سبب احتجاج الشارع الجزائري راجع أساسا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، خاصة الزيت و السكر، تزامنا مع قرار إلزام التجار بفوترة السلع الغذائية، فظهر مصطلح «احتجاجات الزيت و السكر» الذي اعتمد كتسمية شبه رسمية لما عرفته الجزائر من غضب شعبي مطلع سنة 2011. كما رسم تقرير لجنة التحقيق البرلمانية هذه النظرية باتهامه صراحة تجار الجملة للمواد الغذائية بالوقوف وراء أحداث الشغب التي عرفتها البلاد شهر جانفي المنصرم، قاطعا بذلك الطريق أمام أي تفسير سياسي قد يطفو إلى السطح. لكن حقيقة الأمر هي أن «أحداث 5 جانفي»، وإن عبرت في لبها عن غضب شعبي واضح من الأداء السياسي وطريقة تسيير الشؤون العامة، إلا أنها لم تحمل في طياتها أي مطالب سياسية واضحة بل حتى أنها لم تستند إلى أي مطالب، حتى سماها الصحفي الجزائري المعارض فضيل بومالة «بالثورة العدمية» نسبة إلى فقدانها إلى الخلفية المطلبية. كما أن فشل كل المحاولات الرامية إلى إخراج الشعب الجزائري للشارع للمطالبة بتغيير النظام، سواء بدعوات من المعارضة الجزائرية بقيادة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أو من خلال شبكة التواصل الاجتماعي «فايس بوك»، جعل من السلطة في الجزائر تتعزز في قناعتها بان الجزائر «حالة استثنائية» في المنطقة وبأن المطالب الشعبية تكاد تكون بدون صبغة سياسية، فراحت تستبق الأحداث بإقرارها لجملة من الإصلاحات مست كل المجالات والقطاعات في محاولة منها لاسترجاع زمام المبادرة و التحكم في الوضع الداخلي وهو ما كان فعلا.

لماذا يرفض الشعب الجزائري استيراد الثورة الشعبية؟ |

ضغط شعبي و السلطة ترضخ و تراوغ

إن كان الشعب الجزائري لم يعبر صراحة عن رغبته في إسقاط النظام، إلا انه لم يفوت ولا فرصة واحدة للتعبير عن عدم رضاه عن وضعيته الاجتماعية المزرية في بلد يفتخر بامتلاكه لأعلى احتياطي صرف في المنطقة. وقد عرفت الجزائر منذ بداية السنة الجارية العشرات من الإضرابات والحركات الاحتجاجية لعمال وشباب بطال مطالبين بالعدالة الاجتماعية وبتحسين الظروف المعيشية أجبرت، في النهاية، السلطة على مراجعة جل القوانين الأساسية لعالم الشغل وإقرار زيادات في الأجور بلغت أحيانا 60 بالمائة بالإضافة إلى رفع سقف الأجر الوطني الأدنى وتسهيل تمويل المشاريع الشبانية و مراجعة سياسية توزيع الثروة.

ولم تتوقف تنازلات السلطة عند هذا الحد فقط بل تجاوزته إلى القضايا السياسية و ذلك من خلال إعلان رئيس الجمهورية شهر أفريل المنصرم خلال خطابه للأمة عن جملة من الإصلاحات التي من شأنها تعزيز الديمقراطية في الجزائر شملت أساسا مراجعة حزمة من القوانين كقانون الأحزاب والانتخابات والإعلام في انتظار مراجعة الدستور. لكن ما حدث في أعقاب إعلان رئيس الدولة نيته إصلاح النظام السياسي جعل تلك الوعود تبدوا وكأنها موجهة للاستهلاك الإعلامي فقط قصد تفكيك القنبلة الشعبية التي لا تزال تهدد استقرار النظام في الجزائر والعربون كان حين اسقط البرلمان الجزائري جملة من الإصلاحات أقرها الرئيس في قانون الانتخابات وهو ما يعتبر سابقة سياسية في بلد لا يتجرأ احد فيه على مناقشة قرارات الرئيس. كما أن بعض القوانين التي كان من المفترض أن تعدل وفق مبادئ احترام الحريات جاءت، في صيغتها المعدلة، لتشديد الخناق على قنوات التعبير الشعبي على شاكلة مشروع قانون الإعلام المطروح حاليا للنقاش.

لماذا يرفض الشعب الجزائري استيراد الثورة الشعبية؟ |

زد على ذلك، فان كل الإصلاحات التي وعدت بها السلطة أوكلت في نهاية الأمر إلى البرلمان الذي يفتقد أصلا للشرعية الشعبية كونه انتخب سنة 2007 في جو من الامتناع الشعبي عن الانتخاب وهو ما جعل الكثير من الملاحظين يشككون في قدرته على مواكبة و تسيير المرحلة الحالية في الجزائر التي من المفترض أن تحضر الأرضية لظهور نظام حكم جديد أكثر ديمقراطية بمفهومها الواسع. لكن أخطر ما في الأمر هو استمرار عجز السلطة عن مواجهة تفشي آفتي الرشوة و البيروقراطية التي أثقلت كاهل الشعب الجزائري وعطلت مسار التنمية رغم المشاريع الضخمة المبرمجة و المبالغ الخيالية التي ضخت لتحسين الوضع الاجتماعي ليبقى السؤال مطروحا : إلى متى ستبقى السلطة في الجزائر قادرة على شراء السلام الاجتماعي و إلى متى سيبقى الشعب الجزائري مكتوف الأيدي أمام مراوغات النظام ؟