الإعلان

 

تحقيق صحفى ملامح جيل حين تكون السخرية سلاحا للمقاومة
حين تكون السخرية سلاحا للمقاومة
دينا قابيل   

في ميادين مصر المختلفة. حين انهالت قوات الأمن على الثوار -ليس فقط بمجموعة مختارة من الأسلحة، من الخرطوش إلى الرصاص المطاطي مرورا بالرصاص الحي حين تكون السخرية سلاحا للمقاومة | الذي أودى بحياة ما يزيد عن الأربعين مواطن- بل أيضا بطلقات سخية من القنابل المسيلة للدموع، منها المحظور استخدامها في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا إلا في الحروب، ومنها المنتهية الصلاحية التي تتحول إلى غازات سامة تؤدي إلى الإغماء أو إلى الإصابة بتشنجات. فأطلق المصريون هذا الهتاف على وتيرة "الشعب يريد إسقاط النظام"، مطالبين بعودة الغاز القديم الذي استخدم أثناء ثورة 25 يناير وكان أقل ضررا وأضعف أداء.
وحين فقأ بعض قناصة الداخلية عيون الشباب، و راحت عين الشاب المناضل أحمد حرارة، فوضع قطعة نحاسية على عينه كتب عليها 19 نوفمبر، بينما وضع قطعة أخرى على العين التي فقدها في 28 يناير وكتب عليها التاريخ الذي قدم فيه نور عينيه طواعية. أما الملازم الذي كان سببا في فقأ عيون عشرات الشباب، فقد أصبح من أشهر الوجوه على الفيسبوك، "مطلوب حيا أو ميتا" ورصدت مكافأة 5 آلاف جنيه لمن يعثر عليه، وخاصة بعد أن انتشر الفيديو الذي يدينه وقد نجح في النيل من الهدف، أي عين الثوار، و ظهرفي الشريط صوت رفاقه وهم يثنون عليه وعلى فعلته. وصار مرتادي التويتر والفيسبوك يتناقلون صورته ومعلومات عنه للمساعدة في الاستدلال عليه بشكل يفيض سخرية فيكتب أحدهم : "حرام عليكم ! لماذا تفضحونه بهذا الشكل ؟ هل كان علينا أن نعلن اسمه كاملا محمد صبري الشناوي، وأنه يقيم في 17 شارع الخليف المامون، وأن رقم محموله كذا، يا جماع حرام بجد!!"

حين تم خلع الرئيس السابق في 11 فبراير ونزلت القوات المسلحة الميادين معلنة حمايتها للشعب، ظل الشعب السمح محتفظا بصورة قديمة للجيش الحامي للثورة في 1952 ، وصاحب نصر اكتوبر، لم يكن يعرف أنه يستبدل بذلك سلطة مدنية بسلطة عسكرية اشد غلظة وأكثر تطلعا، فكان هتافه الأشهر "الجيش والشعب إيد واحدة"، حتى حينما تكشفت له حقيقة القناع ووجد مصابي الثورة يسحلون في الميادين، والثوار يتساقطون جرحى بالآلاف، وحين وجد الأدوار يتم توزيعها ما بين أمن مدني وآخر عسكري، أطلق صيحته المدوية "الجيش والشرطة إيد وسخة". حين تكون السخرية سلاحا للمقاومة |

وأمام تصميم الثوار على فورية انتقال السلطة إلى حكم مدني وعودة الجيش إلى ثكناته، لجأ المشير طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى حيلة الاستفتاء الشعبي، مؤكدا على مثوله لإرادة الشعب إذا ما طالبه بالرحيل هو و مجلسه العسكري، فظهرت التعليقات الناقدة والناقمة تتواتر على الفيسبوك مثل سهام موجهة إلى صدره:"إذا كان الزواج قد تم عرفيا، فكيف يكون الطلاق عن طريق مأذون شرعي؟!".

الثورة لم تكتمل بعد، ومع استمرارها يتسلح المصريين بالصبر والإصرار، باستعادة النكتة المصرية القديمة التي أذبلتها سنوات القمع والاستبداد الطويلة. قد يفقد الثائر أحد أطرافه في المعركة، أو قد يفقد نور عينيه، لكنه يضمد جرحه ليسخر من جديد. فالمصري يعرف كيف يحول أحرج اللحظات إلى نكتة تسخر من وجوه القمع المختلفة وتسخر من صاحبها في أحيان كثيرة، لأن النكتة بالنسبة له فعل صمود ومقاومة، النكتة هي سلاح من أسلحته لاستمرار الثورة. ليس فقط بسبب فطرة المواطن الضحوكة الصبوحة، بل لأن في السخرية تجاوز للألم اللحظي ولغلظة الواقع، في السخرية مقاومة، وإيمان بغد أفضل.

حين تكون السخرية سلاحا للمقاومة |

Tags : 19 نوفمبر، الثورة الضاحكة، الفيسبوك