الإعلان

 

تحقيق صحفى الشباب و الهجرة ميت سهيل : قرية في عنق الزجاجة
ميت سهيل : قرية في عنق الزجاجة
دينا درويش   

 

"ابني سافر علشان يساعدني في تربية أخواته لكنه ما رجعش " بهذه الكلمات البسيطة رسم عبد العزيز السيد، والد  أحد ضحايا  الهجرة غير الشرعية إلى ايطاليا رحلة ولده القصيرة والذي لم يكن يدري وهو يودعه أن هذا هو اللقاء الأخير.
على بعد كيلو مترات قليلة من مدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية تقع عزبة الطوبجي مسقط رأس الشاب المصري أحمد عبد العزيز السيد، الذي قتل في مشاجرة علي يد 5 أشخاص من دولة بيرو بأمريكا الجنوبية في مدينة ميلانو الإيطالية، وتعتبرعزبة الطوبجي إحدي توابع ميت سهيل أشهر القري المصرية علي الإطلاق في الهجرة غير الشرعية لإيطاليا . ميت سهيل :  قرية في عنق الزجاجة |
عندما خرج محمد من بلدته كان عمره ستة عشر ربيعا وحين عاد كان عبارة عن جثة هامدة في علبة خشبية بينما لم يتعد عمره 19 عاما. رحلة لم تتعد ثلاثة سنوات، تكبدت الأسرة خلالها الكثير أملا في تحسين مستواها المعيشي. فقد باع الأب كل ما يملك وأقترض مبلغ كبير لكي تطأ قدم ابنه الساحل الشمالي من المتوسط. عاشت الأسرة أياما صعبة.. ظلت تنتظر كي تتحسن أوضاعها ....  ألقت الشرطة الإيطالية القبض عليه هناك ومع حداثة سنه تم التحفظ عليه لأنه حدثا...بعد مرور عامان تعلم خلالها أحمد مهنة ، وحصل علي عمل، ليتصل بأهله قبل أسابيع قليلة ويخبرهم باعتزامه البدء في إرسال نقود ليسدد والده ديونه التي تحملها جراء سفره. " صبرنا السنين دي كلها علشان ظروفنا تتحسن لكن ربنا ما أرادش ، وابني ضاع مني" هكذا يقول الوالد المكلوم بعد أن فقد فلذة كبده الذي ذهب بدوره دون حتى أن يتحسس ملامح وجه ابنه الصغير واكتفى بسماع صوته بالتليفون.


السباحة ضد التيار

بمجرد دخول قرية ميت سهيل بالشرقية تستطيع أن تشتم رائحة نسيم المتوسط. فكلمة ميت تعنى باللغة الفرعونية" قرية " أما كلمه سهيل فهي اسم نجم من النجوم و الذي من خصائصه انه إذا ظهر فهو ينضج الفاكهة ويذهب القيظ أي يقوم بتلطيف الجو..  هنا نحن على بعد  100 كيلومتر من القاهرة، في احد قرى مركز منيا القمح أول مركز على الطريق الزراعي على ترعة مويس. ميت سهيل واحدة من أشهر القرى المصرية التي شهدت في الأعوام الماضية موجات متعددة من الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا. هنا  تبدو الأعناق مشرئبة نحو الشمال، فحلم الرحيل إلى شاطئ الثراء بميلانو هو حلما داعب أكثر من 80 في المائة من شباب القرية (55 ألف نسمة ) الذين خاضوا بالفعل التجربة. فبين مطرقة الحزب الوطني و سنديان الإخوان المسلمين- الذين يتمتعون بنوع من الشعبية في هذه المحافظة-فقد كثير من هؤلاء الحالمين الأمل في التغيير. ربما أصبح عليهم أن يستخدموا سواعدهم.. يسبحوا أحيانا ضد التيار...يواجهوا الأمواج العاتية بحثا عن أفق جديد للمستقبل و نوعية أفضل للحياة تحترم آدميتهم. أنطلق قرابة سبعة ألاف شاب من القرية و ما حولها من ضواحي لعرض البحر.
تقول والدة السيد " ابني يبلغ من العمر 29 عاما ومتزوج وله طفلين وزوجي يعمل فلاحا باليومية بعد أن ترك النصف فدان الذي كنا نستأجره إلى المالك فنحن لا نمتلك أرضا عندي خمسه أبناء غيره، وبعد أن ضاقت الحياة بنا فكر ابني أن يسافر إلى ايطاليا مثل الآخرين. بعنا له الجاموسة وكتب زوجي إيصالات أمانة على نفسه بباقي المبلغ ومن يوم سفر ابني لا نعرف عنه شيئا أكثر من عامين ونحن نعيش في حزن حتى زوجته لا تعرف إلى الآن ما مصيرها " .

الطريق لسهيل يبدو وعرا، فقد كان علينا أن نقطع عشرات الكيلومترات في يقظة نحاول دون جدوى تفادي الحفر التي تنبت كالعشب الشيطاني على طول الدرب المؤدى للقرية. لكن ربما الطريق لميلانو الذي عرفه أبناء القرية مع مطلع التسعينات يبدو أكثر وعورة. هنا يوجد أكثر من طريقة لتهريب المهاجرين غير الشرعيين، أهمها الطرق البرية عن طريق التسلل إلى ليبيا، حيث يتم تهريب المهاجرين إلى إيطاليا ومالطا و أخرى عن طريق الأردن حيث يتم تهريب المهاجرين إلى قبرص واليونان أو تركيا.


"تخزين" الشباب قبل ترحيله

رغم التوجس و الحذر الذي يحيط نفسه به أحد السباكين في القرية، فإن شهرته كأحد سماسرة الهجرة غير الشرعية  عبر شبكة علاقات مصرية – ليبية ، تكاد تزكم الأنوف. " الصفقة، عادة ما تتكلف حوالي 30 ألف جنيه " هكذا يروى هاني، احد شباب القرية الذي فشل في الهجرة لأكثر من ثلاثة مرات. و يستطرد هاني " في أحد محاولات الوصول لايطاليا ، حدد  هذا السمسار موعد السفر إلى السلوم ومنها إلى طرابلس في ليبيا، وطلب من المسافرين في الحافلة التي انطلقت من العتبة بالقاهرة، الاتصال به فور وصولهم إلى مقهى الجبل الأخضر في طرابلس ليعطيهم رقم تليفون “المندوب”الليبي - وهو المصطلح الذي يستخدم بحق الوسيط." و يمضى سعيد، شاب أخر من القرية ذو 24 ربيعا قائلا أن "الشباب المصري يتم تخزينه في ليبيا إلى أن يتم ترحيله لايطاليا. أنا  نفسي قد تم تخزيني هناك  لمدة شهر و نصف مع أكثر من مائة شاب، من بينهم 25 فقط من ميت سهيل وحدها."  في هذه الأثناء، كان على شباب القرية أن يرتضوا بأكل الفتات" مجرد كسرة من الخبز و قطعة من الجبن الصغير". كما يحاولون قدر الإمكان أن يسيروا بجوار الحائط،  أي ألا يثيروا الاضطرابات قبل الرحيل. و يقول هاني " أبحرنا لمدة 20 ساعة، كان لكل منا مكان على المركب لا يتجاوز القرفصة، بجوار بعضنا البعض كأننا في علبة سردين " يصمت برهة ثم يمضي " وصلنا إلى شواطئ ميلانو، قبضت علينا قوات خفر السواحل الإيطالية، وكما نصحونا في ليبيا، أدعى بعضنا أننا فلسطينيون، والبعض الآخر سودانيون أو عراقيون، أي من دول غير مستقرة حتى يتم قبول لجوئنا"
قرية ميت سهيل في ملابس عصرية

و يروى حسام، 25 سنة، صاحب تجربة سفر و ترحيل " يعمل المهاجرون الغير شرعيين في أعمال هامشية في شركات نظافة ، محلات بيتزا أو في أعمال النقاشة مقابل يومية تصل صل إلى 15 يورو يرسلون معظمها لأسرهم من أجل المضي في مشروعات تحسين مستوى المعيشة للأسرة في القرية "ميت سهيل :  قرية في عنق الزجاجة |
من ميلانو لميت سهيل، تبدو موجات الهجرة المستمرة، انعكست بشكل كبير على العادات والتقاليد الريفية في القرية. هنا في ميت سهيل، لم يعد من السهل أن تشتم رائحة عيدان القمح في الحقول...فرغم أن النشاط الأساسي للمركز بأسره هو الزراعة و التجارة بالإضافة للصناعات الصغيرة مثل الحلويات و الخراطة، فقد شهدت القرية في الحقبة الأخيرة تغيرا ملحوظا. عمارات شاهقة تنتفض على أنقاض الأرض الزراعية التي هجرها أصحابها لأنها لم تعد مجدية بعد" أن بذلت الدولة كل جهدها لمحاربة الفلاح في رزقه"، على حد تعبير أحد الفلاحين الذي رفض ذكر أسمه...تغيرت ألوان القرية  ..روائحها..ملابس أهلها ... فلم يعد الجلباب الفضفاض هو الرداء التقليدي بل حلت محله الملابس العصرية في مشهد قد يبدو أحيانا كاريكاتيريا..  فى مظاهرة استعراضية جلية، تجد منازل من ركبوا البحر ترتفع بشكل كبير لم يعرفه سكان القرية من قبل بألوان صادمة و طرز معمارية قد تبدو شاذة نوعا مع ديكور القرية البسيط... البعض اجتلب  أجهزة جديدة مثل الكمبيوتر المحمول، الألعاب الاليكترونية...فقد ترى في أحد أزقة القرية أحد ألأطفال يتباهى أمام أقرانه بلعبة جديدة حصل عليها من أرض الأحلام..هنا يبدو اليورو عملة دارجة تقف لتفرض سطوتها  و بريقها الذي يسيل لعاب كثيرين . و لكن تستطيع بسهولة أن تميز في ميت سهيل  مساكن من  أبوا أن يركبوا البحر و التي تقف على استحياء بعد أن أصبحت رمزا من رموز العهد البائد....
ثمار السفر نعمة أم نقمة ؟
تزعزع النسق القيمى داخل ميت سهيل ذات الوجه الجديد الذي تفرنجت ملامحه " لم يعد للكبير نفس الهيبة " كما يقول غريب أحد حكماء القرية الذي يرى أن سطوة المال أصبحت طاغية. فقد تسبب كثير من القادمين من ايطاليا في موجة من التظاهر الاجتماعي و كأن القرية أصبحت تعيش حالة من "الإحداث" يظهر في المناسبات سواء الأفراح و المآتم. ارتفعت أسعار العمالة الطامعة في "يوروهات" النازحين، أسعار السلع ، مهور البنات. عرفت القرية مدارس اللغات، فالبعض يطمح اليوم  لإرسال أولاده لاستكمال الدراسة بايطاليا بعد أن حصل البعض على الإقامة في أوروبا باقترانه من سيدة ايطاليا. يقول احد الشباب الذي رفض ذكر أسمه " زوجتي المصرية تعرف أن لي زوجة أخرى من إيطاليا و عندما تأتى هنا تعاملها بمنتهى الذوق" فالزوجة المصرية تشعر أن ضرتها الايطالية هي أم الخير بمعنى آخر " الدجاجة التي تبيض ذهبا، فالقرية أصبحت عالما مستقلا  يدور في فلك ايطاليا.
قد تستشعر هنا حالة من تناقض المشاعر إزاء التجربة. هنا يبدو الحزن و الأمل على موعد...فالحداد مازال يخيم على منازل من ابتلعهم اليم و ذهبوا دون رجعة. بينما ينتظر آخرون الفرج القادم من البحر. . هنا،  تبدو الحياة كوجهي العملة. ففي حين قد تلمح النصر على من حالفهم الحظ...المغالاة في  التباهي ...فقد أقام البعض حمامات سباحة أعلى مساكنهم لتحل محل الاستجمام في بحر مويس ... البعض لا يتورع أيضا في التباهي بالتحدث باللغة الايطالية كنوع من المكانة الاجتماعية و الدلالة على أنه ركب البحر... ترى آخرون أصبحوا يشكون الغلاء بعد أن تسبب القادمون من إيطاليا في رفع أسعار كل شيء لا سيما الأرض الزراعية بعد أن قفز سعر المتر إلى 15000 ألف جنيه ( ألفى يوروه تقريبا)، و هو ضعف الثمن في القرى المجاورة. "  أصبحنا نشعر و كأننا كالبهيمة الغريبة في قريتنا المتفرنجة..
هنا تجد أمهات ثكلى و أخريات قد يتطلعن إلى تغيير واقعهن.. هنا يبدو الخطر كزهر الحظ...هنا يكاد يكون الموت و الحياة في قارب واحد. ففكرة الرحيل مسيطرة على القطاع الأكبر من الشباب... الموضوع بالنسبة لهم أكون أو لا أكون أو كما يقول محمود، 23 سنة، أحد شباب القرية الذي يستعد للرحيل " يا تصيب يا تخيب... ".

ميت سهيل :  قرية في عنق الزجاجة |