الإعلان

 

تحقيق صحفى الشباب و الهجرة الحلم على متن قارب متهالك...
الحلم على متن قارب متهالك...
دينا درويش   

 

الحلم على متن قارب متهالك... | في تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الصادر عام 2007 حول الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا بعنوان " هجرة شباب مصر...فرار إلى المجهول "، و الذي يتناول حجم ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، أسبابها ودوافعها، يشير إلى أن الدوافع الاقتصادية تأتي في مقدمة هذه الأسباب.

ويتضح ذلك من التباين الكبير في المستوى الاقتصادي بين البلدان المصدرة للمهاجرين، والتي تشهد - غالبًا - افتقارًا إلى عمليات التنمية في هذه البلدان التي لازالت تعتمد أساسا في اقتصادياتها على الفلاحة والتعدين وهما قطاعان لا يضمنان استقرارا في التنمية نظرا لارتباط الأول بالأمطار والثاني بأحوال السوق الدولية وهو ما له انعكاسات سلبية على مستوى سوق العمالة، مثل قلة فرص العمل، وانخفاض الأجور وانخفاض مستويات المعيشة. فعلى مستوى مصر، زادت نسبة البطالة خلال الأعوام الماضية، حيث وصلت إلى 10% عام 2002 ، وفي عام 2003 زادت إلى أكثر من 11%، ثم وصلت في 2009 إلى 12 مليون نسمة طبقا للأرقام الرسمية. كما أن سياسة الخصخصة التي اتبعتها الحكومة مؤخرا أغلقت كل أبواب الأمل. فما بين خصخصة القطاع العام وبيعه وإصدار وتطبيق قانون رقم 96 لسنة 1992 بين المالك والمستأجر في الأرض الزراعية، فقد كثير من الشباب مصدرا لكسب حتى قوت يومهم. فالزراعة كانت تمثل فرصة العمل الوحيدة لأفراد أسر كافة بمن فيهم الأبناء الشباب، و لكن بعد القانون ارتفعت إيجارات الأراضي الزراعية ارتفاعاً كبيراً وكذلك ارتفعت مستلزمات الزراعة بينما أنخفض العائد من الزراعة.  تم تشريد مئات الآلاف من العمال وفقد 904 ألف مستأجر مصدر رزقهم الوحيد بعد أن استرد الملاك أرضهم لذا  كان من الطبيعي أن يصبح الشباب بلا عمل وبلا مستقبل.

الحلم على متن قارب متهالك... | في الواقع، لا توجد تقديرات رسمية دقيقة لمعدلات الهجرة غير المنتظمة خارج مصر،  لكن أرقام منظمة العمل الدولية، تشير أنها لا تزيد على 15% من إجمالي حجم الهجرة الخارجية، أي في حدود المتوسط العالمي للهجرة غير المنتظمة.  وفى دراسة أخرى لمركز الجنوب و مؤسسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان، تشير الأرقام ى أن عدد المهاجرين من مصر إلى أوربا  يصل إلى 457 ألف مهاجر ، كان لايطاليا النصيب الأوفر من تلك الهجرة. فتقارير الجهاز المركزي تؤكد أن عدد المصريين فيها وصل إلى 90 ألف مهاجر. هذا  في الوقت الذي تؤكد فيه أرقام أخرى لوزارة الخارجية المصرية أن الرقم الحقيقي هو 210 ألاف مصري، لذا يعتقد الباحثين بهذا المركز أن الفارق بين الرقمين يمثل الهجرة غير الشرعية و التي من المتوقع أن ترتفع في الفترة المقبلة.
و رغم أنه لا يوجد إحصاء دقيق لضحايا الهجرة الشرعية، فإن أرقام بعض المنظمات الحقوقية تشير إلى أكثر من67 غريق في عام واحد. كما تؤكد دراسة أخرى لمركز الجنوب و مؤسسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان تم نشرها على شبكة المعلومات الدولية، أنه يوجد قرابة 100 ألف معتقل داخل السجون الايطالية. ورغم أن بعض دول الجنوب الغربي للمتوسط قد عرفت ظاهرة الهجرة غير الشرعية – مثل دولة المغرب التي ظلت الهجرة الشرعية فيها ملفا ساخنا على طاولة المنظمات الحقوقية-  إلا أنها لم تكن ترق بعد إلى مستوى الظاهرة في مصر سوى مع مطلع هذا القرن. فرغم أن هذه الفترة قد شهدت بداية للأزمة الاقتصادية في مصر، لكن عدوى الهجرة غير الشرعية لم يكن قد سرى بعد في أوصالها على هذا النحو. فقد كنا ما زلنا قادرين على الوقوف على أقدامنا. يبدو الوضع وقد تغير كثيرا في السنوات الأخيرة.

" المجتمع يتهالك " هكذا تؤكد الدكتورة نادية رضوان، أستاذ الاجتماع بجامعة قناة السويس، أن شباب اليوم يعيش أصعب مرحلة ظروف يمر بها الوطن في تاريخه. المستقبل بالنسبة لهم تسوده الضبابية  " لا يوجد خرم إبرة يستطيعون النفاذ منه كما كان الحال في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ". تغيرت بعض مفاهيمهم، ربما لم يعد مفهوم الوطن بالنسبة لهم ذلك التعريف التقليدي الضيق. و ربما طرح ذلك إشكالية عن فكرة الانتماء في جوهرها  " فهو لم يعد بالنسبة لهم مجرد الأرض التي تحملهم و لكن الأرض التي يمكن أن يجدوا فيها حياة كريمة " وهو ما يبرر سعيهم وراء الوصول لأوربا بهذه الكيفية و رغبتهم في العيش بها تحت أي ظروف. فقد تطالعنا الصحف بشباب يعملون في أعمال هامشية، ليس لديهم أوراق إقامة، مطاردون من البوليس، يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة في أوروبا و مع ذلك يرفضون العودة لمصر. لماذا إذن ؟ لأنهم هنا قد يستطيعون الحلم بغد أفضل و هو الأمر الذي يفتقدونه في مصر.. أصبح البحث عن حياة أفضل عبارة عن رحلة بدايتها الاستدانة ومسيرتها الخوف والقلق من المصير المظلم ونهايتها قد يكون الموت غرقا أو قتلا في مكان بعيد جدا عن الوطن.  وما يزيد الأمر سوءا، على حد تعبير رضوان-هي تلك الفجوة الكبيرة التي أصبحت تفصل في مجتمعنا بين من يملك و من لا يملك. فجوة قد تبدو أيضا واضحة بين الريف و الحضر. إذا قد تبدو ظاهرة الهجرة الغير شرعية ظاهرة ريفية خاصة و أن القاهرة تستأثر بنصيب الأسد في الاستثمارات والمشروعات التنموية و الخدمات. و هو ما يتفق مع ما جاء به تقرير حقوق المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الذي اختارت إجراء الدراسة الميدانية في خمسة محافظات ريفية تعتبر الأكثر تأثرا بهذه الظاهرة، وهي ( الدقهلية ، الفيوم ، القليوبية، الشرقية ) . تلك المحافظات التي شهدت وقائع لحالات مأساوية لهجرة شباب مصري بطرق غير شرعية ، بلغ أقصاها في محافظة الفيوم،  حيث بلغ عدد الضحايا من الشباب 5 حالات وفاة. لكنها رغم ذلك تستمر في تمثيل  المتنفس الوحيد للعديد من الشباب.