الإعلان

 

تحقيق صحفى الشباب و الهجرة "البيرجوازيون": فرنسيون حتى إشعار آخر
"البيرجوازيون": فرنسيون حتى إشعار آخر
غانية خليفة   

"البيرجوازيون": فرنسيون حتى إشعار آخر |

يطلق على الفرنسى البالغ من العمر ما بين ال 30 وال 40 سنة، والمتمتع بقوة شرائية ملحوظة، وله متطلبات حياتية مرتفعة القيمة ومسيرة عمل ناجحة، يطلق عليه عادة لقب "بورجوازى بوهيمى" أو "بوبو". إلا إذا انحدر من أبوين من أصول مغاربية ولايزال يطالب بالاعتراف ب"جذوره"، فى هذه الحالة يسمى بيرجوازيا لا بورجوازيا. والبيرجوازى، وهى لفظة مبتكرة فى فرنسا مكونة من "بير" (أى عربى بلغة فيرلان) (1) و"بورجوازى" بالفرنسية، له قانونه الخاص و رموزه التى تمثله فى المجتمع. وقبل أن نتعرف عليه، لزم شرح لغة فيرلان: هى لغة ابتدعها شباب الجيل الثالث للمهاجرين المغاربة. عبارة عن تلاعب بالحروف و تنطق بالفرنسية، ويسمى العربى بلغة الفيرلان "بير" وتنطق مثل كلمة بير أى زبد بالفرنسية. ومن أيقونات البيرجوازيين الممثل جمال دبوز و هو من أكثر الفنانين الذين يحصلون على أعلى الأجور فى عالم الأعمال الخاصة بصناعة الاستعراضات فى فرنسا ومعروف عنه التزامه بدينه الإسلامى. وكذلك رحيم طاهر، أول فرنسى مغاربى يحصل على جائزة سيزار لأفضل ممثل من ضمن جوائز أخرى. مراد بو جلال، رئيس دار نشر سوليى التى تصدر سلاسل للرسامين المفضلين لدى البوبو الفرنسيين، تم تقديمه فى فيلم وثائقى فى التلفزيون كنموذج أمثل لما يمكن أن يكون عليه البيرجوازى. ويمكننا الإشارة إلى مئات من أولاد هؤلاء المهاجرين الذين تبوؤا أعلى المناصب الإدارية أو أصبحوا على رأس مؤسسات أو يعملون كفنانين  أو أطباء. لم تعد حكايات النجاح الذى حققه الجيل الثانى من المهاجرين المغاربة ظاهرة اجتماعية مدهشة. لماذا لا يعتبرونهم ببساطة "بوبو" مثلهم مثل أقرانهم، أى الفرنسيين المنتمين لنفس الفئة؟ ذلك أن البيرجوازيون مسلمون، ولدوا فى أحياء شعبية ويطالبون اليوم أن يعاملوا معاملة مستهلكين لهم احتياجات خاصة،و هو ما وجد له صدى فى عالم التوزيع الذى سارع فى تلبية رغباتهم. من سلسلة مطاعم كويك للأكلات السريعة إلى كبرى شركات التوزيع التى تقدم مجموعة من المنتجات الخاصة بالذوّاقة فى شكل حلال ومنها شمبانيا بدون كحل. وفى  كل المدن، تم افتتاح مطاعم ذات مستوى رفيع وديكور مترف من أجل هؤلاء العملاء. ويمكننا بيسر إدراك كون البيرجوازى هدفا مميزا فى عالم التسويق إذا عرفنا أن سوق الحلال سوف يبلغ 5،5 مليار يورو عام 2010 أى بزيادة 10% سنويا، متقدما بمراحل على سوق السلع الحيوية، سوق البوبو البيض. و لا يمثل البيرجوازيون مطمحا لدى التجار فحسب بل بالنسبة للسياسيين أيضا. فبشكل ثابت كان أهاليهم  والفرنسيون ذوى الأصول المغاربية عامة صيدا يحميه اليسار. لكن الأوضاع اختلفت منذ بضع سنوات. اليسار، والحزب الاشتراكى الفرنسى على وجه الخصوص خيّب الآمال. يلومه البيرجوازيون لسلوكه الأبوى نحو جيل الآباء وعدم التزامه بوعوده الانتخابية. وعندما كان الحزب الاشتراكى فى السلطة لم يمنح الأجانب حق الانتخاب ولم يعيّن أحدا فى وظائف قيادية، واحدا من فرنسيى التنوع كما يقال. والأسوأ من ذلك فشل الحزب الاشتراكى فى أن يكون متراسا فى مواجهة اليمين المتطرف الذى نجح من خلال مرشح الجبهة الوطنية فى الوصول إلى الدور الثانى للانتخابات الرئاسية عام 2002 أمام المرشح الاشتراكى. دفعت خيبة الأمل هذه الكثير من الفرانكو مغاربة إلى أحضان حزب الوحدة من أجل حركة شعبية وهو حزب الأغلبية اليمينى الحالى، ومن ضمنهم البيرجوازيين. وفى الفترة التى كان فيها الرئيس نيقولا ساركوزى وزيرا للداخلية، قام بتأسيس المجلس الفرنسى للدين الإسلامى، فاتحا هكذا المجال لبنية تمثل و تظهر جليا مسلمى فرنسا. وأيا كانت ثغرات تلك المنظمة، فقد أكدت على أن الثقافة الإسلامية هى أحد العناصر المكونة للمجتمع الفرنسى. إن تعيين مغاربة فى وظائف الدولة العليا كولاة أو وزراء مثل رشيدة داتى وفضيلة عمارة، وأيضا يزيد صباغ المفوض المسئول عن التنوع ومساواة الفرص، ومؤخرا جانيت بو غراب على رأس السلطة العليا لمحاربة التمييز من أجل المساواة، قد أكد، خطأ أو صوابا، على أن اليمين يفسح المجال للتنوع أكثر من غيره. قدماء البير، يستوقفهم عدم حصرهم فى كرة القدم أو موسيقى الراب، بغض النظر عن نوايا الرئيس ساركوزى الحقيقية. هذا لا يعنى بالطبع أن البيرجوازيين بمنأى عن التمييز. ففى الخامس من سبتمبر/أيلول 2009، وبينما تقدم شاب من النشطاء من ذوى الأصول المغاربية والمنتمى لحزب وزير الداخلية (حزب الوحدة من أجل حركة شعبية، الحزب الحاكم)، قال هذا الأخير، تعليقا على العرب " واحد منهم يكفى، أما كثرتهم فمشكلة". أعتبر هذا التصريح بمثابة وابل من الثلج فى وجه الفرانكو مغاربة الذين تم إحالتهم لأصولهم مرة أخرى، بالرغم من وضعهم كمواطنين فرنسيين. السجال حول الهوية القومية الذى أطلقته الحكومة عزز لدى الكثيرين فكرة عدم قدرة اليمين فى إحداث تغيير فى العقليات. هكذا، لم يعد البيرجوازيون على استعداد لمد خدهم الآخر مثلما كان يفعل آباؤهم. ولما كانوا فرنسيين، مساهمين فى ثراء و ثقافة بلدهم، فإنهم ينظمون أنفسهم عبر جماعات ضغط من أجل فرض صوتهم. نجدهم منتشرين فى كل مكان فى فرنسا، فى شبكات مساندة عديدة، فى نادى القرن 21 الذى يدعو إلى العشاء كبار رجال الأعمال، فى نادى ابن رشد المتابع لتطور "التنوع" عبر الإعلام الفرنسى، نجدهم أيضا بين أعضاء شبكة التنوع المنبثقة من حزب الوحدة من أجل حركة شعبية، وكذلك فى الفراغ الفرانكو جزائرى الذى بادر بتأسيسه بيرجوازيين اشتراكيين – عضو منتخب ومنشقة عن الحزب. هل يستسيغون فعلا فكرة البيرجوازية تلك؟ الآراء فى هذا الموضوع منقسمة. يرى فيها بعضهم اعترافا بنجاحهم، بينما يرى الآخرون - ويمثلون الأغلبية- أن هذا اللفظ المحقرهو مرة أخرى تعبير عن التنديد بهم وتمييزهم كفرنسيين مسلمين.