الإعلان

 

تحقيق صحفى الشباب و الهجرة غزة في عيون الشباب
غزة في عيون الشباب
تغريد بليحة   

حصار الروح

غزة في عيون الشباب | على اللوحة البيضاء يروي الفنان التشكيلي أبو النون (23.عاما)  قصة هؤلاء الذين تتقاذفهم الأحداث في قطاع غزة، ممسكا بريشته الملونة بألوان الآهات الفلسطينية. كل صباح يتخيل في لوحاته مستقبل الشباب في القطاع، و يقول: " نحن الشباب تحديدا نولد كل يوم ميلادا جديدا، إذ ننام على قرار بما سنقوم بعمله في اليوم الذي يليه، فنستيقظ على أحوال أخرى تغير مسار حياتنا من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . هذا ما حاولت أن أرسمه في لوحاتي التي أشارك بها في المعارض المحلية في غزة".  وبتنهيدة طويلة استطرد قائلا:" "كنت أود أن أشارك في المعارض التي تصلني بها دعوات من الضفة المحتلة أو الدول العربية، لكن الحصار يقف في طريق أحلامي ويحطمها أمام عيني". "و يشير عنادي إلى أن عددا كبيرا من زملائه تركوا هوايتهم ووضعوها في درج حلمهم وأغلقوا عليها بالمفتاح الذي يحمله أجدادهم ويضعونه تحت وسادتهم البالية في انتظار يوم العودة إلى بيوتهم التي هجروا منها سنة 1948م، وعندما سألته لما الربط بين مفتاح العودة للعجوز ومفتاح الحلم للشاب ؟ نظر إلى برهة من الوقت.. ثم قال:" "عندما يصل هذا العجوز إلى بيته الذي خرج منه قصرا منذ 62 عاما يعود حلم الشاب إلى جسده في امتلاك ريشته ورسم الأحلام الوردية الزاهية لكل شاب وفتاة على هذه الأرض" . ويضيف أبو النون " في قطاع غزة ينتهي عمر الإنسان قبل أن يبدأ بتحقيق أي شيء من أحلامه،لأنه مسير بحكم التقلبات السياسية وليس مخيرا، أما خارج القطاع فان الشباب يحتاجون إلى وقت للسكون، فما وصلوا إليه يتعدى ما كتبوه على أجندتهم الحياتية"


بريك دانس فلسطيني

غزة في عيون الشباب | تلونت هوايتهم بألوان الطيف السياسي في قطاع غزة وأصبح عليهم مجاراة واقعهم حتى في أحلامهم وفنهم .. إنهم مجموعة من الشباب الغزي منهم الممرض والمدرس والطالب الجامعي إضافة إلى اثنين من طلبة المدارس و كلهم يقطنون مناطق مختلفة من قطاع غزة جمعهم الأداء الجيد والانتماء لمجموعة دأبوا على تشكيلها منذ سنوات إلى أن احترفوا الفن وأصبح لهم جمهورا .. "بريك دانس" فن الرياضة أو فن التكسير اسم عُرِفوا به في المؤسسات الأهلية والكرنفالات والمهرجانات الرياضية وأصبح لقمة عيش بالنسبة لهم.
كانت دعوتهم للمشاركة في المهرجانات الدولية السبيل الأكثر قوة لطرق أبواب الفرق في المجتمعات الغربية ولكنها الحدود والجنسية الفلسطينية التي تحول دون ذلك.يوضح منسق الفرقة محمد الغريز الذي يبلغ من العمر "26" عاما: " بداية العمل مع فرقة البريك دانس واجهتنا صعوبات وتحديات كثيرة منها أننا نعمل في البريك دانس على سبيل الهواية إلى أن احترفنا العمل بفضل التنسيق مع مدرب فرنسي جاء إلى غزة ودربنا لفترة تعد قصيرة " ويشير إلى أن العمل والأداء الجيد للفرقة أدى إلى مشاركتهم في العديد من المهرجانات الرياضية والفنية داخل قطاع غزة، شارحا: " قمنا أيضا بالاتصال عبر الانترنت بفرق بريك دانس عالمية رحبوا كثيرا بالفكرة وأرسلوا لنا دعوات من بريطانيا والنمسا وهولندا وفرنسا ولكن هذه الدعوات كانت تقف عند الحدود والحصار وإغلاق المعابر في قطاع غزة وأيضا الجنسية الفلسطينية أمام المحتل الإسرائيلي".


الجميع هنا محاصر

تشتم رائحة البارود في أرجاء المكان، وتحن إلى أصولها الجزائرية التي لم يبقى لها منها بعد العدوان الأخير على قطاع غزة والحصار المفروض منذ عامين ونصف العام إلا لهجتها التي تمسكت بها لمدة قاربت على أربعة عشر عاما..إنها خيرة أحمد يعقوب التي تبلغ من العمر سبعة وخمسين عاما وتقطن مع أسرتها الفلسطينية بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
تقول هاجر دواس ابنة السيدة الجزائرية خيرة التي تبلغ من العمر عشرين عاما:" توفيت جدتي في الجزائر دون أن أتمكن من رؤيتها بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة وكل من فيه، وأمي يداعبها الشوق لشوارع عاشت فيها حتى تزوجت من والدي محمد حسن دواس، وأنجبت منه أخي الأكبر حسن ابن الخمسة والثلاثين عاما والذي يقطن الآن في ألمانيا حيث جمعه مع الصفات الفلسطينية صفات الشتات عن الأهل، وأختي نسرين وهي أيضا متزوجة في ايطاليا، وياسين الذي جاء ومعه معتقداته الجزائرية ، و هو يبلغ ثلاثين عاما وغير متزوج  لأنه لا يشعر بالاستقرار، وطه ابن السابعة والعشرين، وأحمد ابن الواحد والعشرين عاما، وأصغرهم عائشة التي تبلغ من العمر تسعة عشر عاما".
يميل الشباب الغزيين يسارا فيجدون كل ما حولهم مفعم برائحة البطالة التي انتشرت بين الشباب كما تنتشر رائحة السيجار في الهواء، شهادات الخريجين معلقة على أحبال الغسيل كي ترسم ملامح المعسكرات والشوارع الغزية، و دماء الأبرياء منثورة على الجدران... بيوت من الطين والصلصال أبوابها وشبابيكها يغطيها البلاستيك الأبيض "النايلون".. وإن مال الشباب يمينا يرون ملامح أحلامهم وطموحاتهم التي رسموها منذ نعومة أظفارهم تتبخر مع وهج الشمس الحارقة التي تطل على غزة من وراء ستار الحصار .

تقول هاجر دواس : "تعلمت في هذا السن أن أضحى من اجل غيري، تعلمت أن لا وجود للأحلام في قطاع غزة، تعلمت أن التنبوء بمستقبل الغزيين مستحيل، تعلمت أن ابكي دوما على ماضي جميل وحاضر مظلم ومستقبل ضبابي".  اغرورقت عيناها بالدموع واسترسلت قائلة:" أنا ادرس هندسة في الجامعة الإسلامية وبعد فقداني لخطيبي وقصف منزلي أصبحت غير قادرة على التواصل مع الآخرين وغير قادرة على الذهاب إلى جامعتي فكل ما حولي أصبح معتما".
هاجر تحمل من المعاناة ما لم تكن مستعدة له، على حد تعبيرها، فقد استشهد خطيبها- المهندس بلال- خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، وبعدها انقطعت صلاتها بالبشر وكرهت وجودها في قطاع غزة". لم تستطع هاجر استكما حديثها، وما كان مني إلا أن أقابل السكوت بالسلام.


إعدام عائلة


غزة في عيون الشباب | في قطاع غزة وتحديدا في حي الفاخورة شمال القطاع يعيش الشاب زياد ديب الذي يبلغ من العمر 25 سنة والذي فقد عشرين شخصا من أبناء عائلته في العدوان الأخير على قطاع غزة، و هو الآن يعاني من بتر في قدميه . يقول زياد:" أن يكون عمرك عشرين عاما في قطاع غزة في ظل الحصار الإسرائيلي بلا عائلة، وبجسد مبتور، لا يعطيك الفرصة لتخيل ما هو مستقبلك أو حياتك وخاصة أن العيش هنا يشعرك بأنك تعيش في سجن النقب أو أي سجن للمحتل ولكن أكبر قليلا"
يرسم زياد غزة بقوله:" دائما استيقظ على صورة اللحظات التي نطقت الشهادة بها وسمعت أكثر من واحد بجواري ينطقون الشهادة أيضا، وحين فتحت عيني وتمكنت من الرؤية شاهدت ابن عمي محمد وهو يرفع بنفسه عن الأرض فوق أخي محمد والذي شعرت أنه فارق الحياة لان جسمه كان مليء بالدماء، وحين حاولت أن ارفع نفسي عنه وجدت رجلي خلفي مقطوعتين، نظرت حولي فلم أري سوى الدم والجثث في كل مكان".  هذا المشهد هو ما يربط زياد حاليا بغزة، و سيظل عالقا بذهنه مدى الحياة. بجوار يده اليمني كانت ترقد ابنة عمه و قد فارقت الحياة، وحين نظر باتجاه الشمال وجد والده ملقا علي وجهه و الدماء تسيل من جسده بغزارة، وبجواره جدته التي كانت تجلس علي الكرسي والدماء تنزل من فمها وإذنيها وجسدها، "كان رأسها للخلف ولا يوجد بها حركة، فأيقنت أنها استشهدت أيضا"