الإعلان

 

تحقيق صحفى الحياة تحت الأنقاض الحياة تحت الأنقاض
الحياة تحت الأنقاض
كارل شمبري   

يعيش سكان غزة البالغ عددهم 1,5 مليون نسمة تحت حصار كامل منذ ثلاث سنوات. سمحت إسرائيل خلالها بدخول المساعدات الإنسانية البسيطة التي لا تلبي الإحتياجات التي خلقتها سياسة نفس الحكومة الإسرائيلية بإغلاقها قطاع غزة. في الوقت الذي حظرت فيه علي الفلسطينيين السفر من وإلى خارج القطاع. وقد توجهت أنظار العالم إلى القطاع الضيق خلال الإعتداء العسكري الأخير على غزة والذي شنته إسرائيل على نطاق شامل بين شهري ديسمبر 2008 ويناير 2009 وعرف بعملية "الرصاص المصبوب" لتشهد مقتل 1400 فلسطيني  وجرح آلاف آخرين.

شهدت غزة خلال 22 يوم دماراً أكثر من أي وقت مضى حيث إستهدفت الآلة العسكرية بكل قسوتها، البنية التحتية المدنية. وسوف تمتد الصدمة وآثارها لأطول كثيراً من الأيام الإثنان والعشرون خاصة لدى الأجيال الصغيرة. ولكن في الواقع فإن شباب غزة تحمل العنف المستمر والغارات اليومية والضربات الجوية والحصار لمدة سنوات قبل إعلان إسرائيل الحصار الرسمي عام 2007 عقب تولي حماس السلطة في القطاع. و يعتبر الوضع الحالي،

الحياة تحت الأنقاض |

بما يقرب من نصف سكان غزة من الشباب، عقاباً جماعياً يأتي بالتحديد في الوقت الذي يتطلع فيه الشباب للدراسة في الخارج والبحث بأنفسهم عن الحقائق خارج أرضهم المحتلة ورؤية العالم. وتشير تقارير الإخصائيين النفسيين إلى إرتفاع مزعج في السلوك العدواني.جيل بأكمله من الفلسطينيين لم يخرج قط من القطاع المحاصر كما لم يتعامل أبداً مع أجانب أو حتى قابل إسرائيليين بإستثناء من يعمل منهم بصفتهم عساكر العدو العازمة على القتل والدمار. فتبعاً لدراسة قام بها برنامج غزة للصحة النفسية، أنه بعد عملية "الرصاص المصبوب" فكر نصف أطفال غزة حتى سن 17 ، "كثيراً" أو "يكاد يكون دائما" في الإنتقام  من أياً كان المسؤل عن موت الأقارب. وأظهرت الدراسة ان نصف الأطفال المبحوثين فقدوا قريب او صديق في الحرب الأخيرة، وشهد أكثر من 54% منهم مقتل أناس بالصواريخ. وسمع أكثر من 90% قصف الأحياء التي يعيشون فيها بالمدفعية الإسرائيلية وأصوات الطائرات الحربية. وشهد رقم مشابه القصف في الواقع ورأوا  الجثث المشوهة في التلفزيون.

يقول حسن زيادة كبير الأخصائيين النفسيين في برنامج غزة للصحة النفسية: "أن جميع أطفال غزة معرضون للخطر. فهم يتعلمون أن الطريق الوحيد للتعامل مع أي عائق في الحياة يكون من خلال العنف والعدوان. يشعرون بالعجز والضعف وان أهاليهم لا يستطيعون حمايتهم، مما يدفعم الي التماثل مع المعتدي أو حتى الجندي الإسرائيلي الممثل للقوة المطِلقة وكأنه إله". ويستطرد زيادة قائلاً: "سألني طفل عمره 6 سنوات لماذا خلق الله اليهود؟ إنهم حتى لا يفرقون بين اليهود والإسرائيليين".

أبرزت تحقيقات الأمم المتحدة في جرائم حرب غزة، برئاسة الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون حالة خاصة تتحدث عن أم شهد أبنائها الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و 16 سنة مقتل أبيهم في بيتهم. وبينما يحقق الجنود الإسرائيليون  مع الأم بالقوة ويقومون بتخريب المنزل، سأل الأطفال أمهم اذا ما كان سيتم قتلهم هم أيضا.  "شعرت الأم حينئذ أن الراحة الوحيدة التي يمكنها توفيرها لهم هي أن تطلب منهم تلاوة الشهادة، وهي الدعاء الذي يُقال عند مواجهة الموت".

وتبعاً لما يقول زيادة، فان الحديث عن ضغط ما بعد الصدمة قد يكون مضللاً، حيث أن الأجيال الصغيرة "تعيش صدمة مستمرة". حتى قبل الحرب، فان الحصار الذي شل الحياة، والإنقسامات العنيفة بين الفصائل كانت قد تركت آثارها بالفعل على الأطفال. ويوضح الدكتور زيادة قائلاً: "أن الحصار والإنقسامات الداخلية والحرب خلقت شعور طاغ  بالعجز. يشعر الجميع أنهم لا يستطيعون فعل أي شيء لوقف الإعتداءات. إنه إحساس مؤلم جداً". وتقول هبة زَيام، الموظفة في صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة أن الرجال المعتادين على مسؤلية إعالة الأسرة، بدأوا ينسحبون أمام عجزهم هذا من الحياة الإجتماعية تاركين للنساء مسؤلية إتخاذ قرارات عائلية هامة مما دفع بالبنات الصغيرات إلى التخلي عن أحلام التقدم الدراسي والتطور. وتقول زيام التي درست بالجامعة في الأردن منذ عشر سنوات: "إن فكرة إرسال الفتيات اليوم  للدراسة بالخارج أصبحت مستهجنة".

الحياة تحت الأنقاض |

ويوضح أحمد حماد  البالغ من العمر 24 عاماً، أن الحياة بشكل دائم في ظل التهديد بالحرب والغارات العسكرية والمعارك الداخلية، بينما نشهد الأقارب و الأصدقاء يُقتلون، والأماكن الآمنة تُدمر امام أعيننا، كل ذلك يجعل المرء يكافح ببساطة من أجل البقاء.  ويضيف قائلاًً انه "بعكس شعوب كثيرة حول العالم تنظر للحياة من زاوية مختلفة، فإن الحياة هنا تلخصت في الوقت الذي تمضيه بحثاً عن الأمان.  هذا هو ما أصبحت عليه الحياة في غزة وهو وضع له تأثير سلبي هائل. "يوجد جيل جديد بأكمله لم يغادر غزة أبداً، جيل لا يعرف كيف تكون دار للسينما كما لا يعرف كيف يبدو العالم الخارجي".

 

في كل مرة تريد أن تعمل شيئاً لنفسك أو تمضي وقتاً في مكان ما سوف ينصحك الأهل والأصدقاء بعدم القيام به من أجل سلامتك. سوف يقولون لك بأن اليوم الذي ستتحسن فيه الأحوال آتِ وحينئذ يمكنك الذهاب. وهذا اليوم لا يأتي أبداً. في نفس الوقت لا توجد أماكن يمكن الذهاب إليها، يمكنك ان تنزل إلى الشارع وقد يتم قتلك بينما تتمشى. اغلب المرافق الرياضية التي تعودت التردد عليها قد تم تدميرها. يتوجه الجميع إلى البحر وحتى هناك حدثت هجمات عديدة. وفي النهاية إذا وجدت شيئاً تقوم به أو يستهويك فإنه لن يدوم طويلاً".

وتنعكس هموم أحمد على محمد مشعل البالغ من العمر 28 عاماً ويرى في غزة سجن أو جزيرة منعزلة، حيث وقت الفراغ يفقد معناه، فيقول مشعل: "اننا نمضي كل الوقت في مشاهدة التلفزيون والأكل. لأنه لا يوجد إنتاج، يحصل المواطنون على المال بدون عمل. تأتي الأموال من السلطة الفلسطسينية ومن المساعدات الإنسانية العديدة التي تجيء من الخارج. كل شخص هنا معدته ممتلئة ولكن ليس له حقوق كإنسان. إنك  تستطيع تربية الحيوانات الأليفة في منزلك مثل كلب أو قط وتطعمه وتتركه محاصراً في مكانه. نفس الشيء يحدث معنا. فنحن نأكل ونحصل على الأموال من بلدان المنطقة ولا ننتج شيئاً". "إن هذا الوضع مؤذ لنا إجتماعياً ويؤدي إلى ظهور العديد من المشاكل الجديدة. فعندما لا تجد شيئاً تشغل به عقلك ووقتك سوف ينتهي بك الأمر في التفكير في أشياء سخيفة وتنتهج سلوكاً أحمق ويصبح فكرك لا عقلاني. معظم الصغار هنا يدخنون وهم دون سن الثانية عشر.  يتناولون المخدرات ومسكنات الألم مثل "ترامال"  فقط من أجل الهروب من الواقع. بالإضافة إلى ذلك، فانه بعد الحصار والحرب الأهلية في عام 2007 بدأت الحرب على غزة. الآن أغلبية المواطنين يشعرون بالعجز. فأنا على سبيل المثال أتحلى بالمباديء والقيم ولكنني قد أتخلى عنها في يوم من الأيام"

مازال بعض الشباب الفلسطيني يحاول الإبقاء على توقعات بها بعض الإيجابية على الرغم من كل ما عايشوه من  معاناة وفرص ضائعة على مدار السنين. فادي باهيت 28 سنة وماضي محمد المصري 22 سنة ينتميان إلى إحدى فرق الراب القليلة في غزة. فادي هو قائد فرقة "درج تيم" الموسيقية ومديرها، وماضي هو أحد مغني الراب في نفس الفرقة.

الحياة تحت الأنقاض |

تعقد الفرقة الموسيقية أيضا دورات في المدارس والحضانات التابعة لهيئة "الأونروا" لتشجيع الأطفال على التعبير عن آمالهم وتوجيه طاقاتهم. "إننا جميعاً جزء من المقاومة لأننا نرزح تحت الإحتلال وقد تكون تلك المقاومة في شكل الكتابة أو الغناء أو الكفاح المسلح.... ان أوروبا قد مرت بثوراتها، يجب علينا المرور بذلك أيضاً" ويضيف ماضي: "إننا نسأل الأطفال فيما يفكرون وبماذا يحلمون. لا نحاول تغيير طريقة تفكيرهم ولكننا نحاول توجيه طاقاتهم. لا نريد فقط الشكوى من أوضاعنا، دعونا نخرج من هذه الفقاعة.

 

فعلينا ان نكون شاكرين وممتنين اننا ما زلنا على قيد الحياة. ان الإحتلال ليس هو المشكلة الوحيدة التي نواجهها وفلسطين ليست فقط غزة. يصف ماضي غنائه وإرتباطه بالفرقة الموسيقية بأنه "مهمة". ويؤكد انه "حتى عندما نتحدث عن الحب، في النهاية يعود بنا الحديث إلى وضعنا الحالي لأنه يوضح حياتنا اليومية". يوضح فادي قائلاً: "إن كلمات اغانينا تتحدث عن فلسطين والإحتلال وما يعاني منه المواطن الفلسطيني في الشارع. نحن نتحدث بإسمهم.  ألفنا أغنية راب عن الوحدة ندعو فيها الجانبين إلى إعادة لم الشمل لأنهم معاً يشكلان قوة لا يمكن لأحد تحطيمها وإنفصالهم يعتبر أضعف موقف نستطيع الوصول إليه. فلا سبيل لأي شيء في ظل هذا الإنقسام".

إلا أن محمد ليس لديه هذه الرؤية المتفائلة: "علمتني غزة ألا أفكر في اليوم التالي لأن الكثير من الأحلام تتلاشى تماماً. فمن الأفضل عدم الحلم أو التطلع إلى آمال عريضة حتى لا نضيع. إنني أعيش فقط حاضري ـ لا أنظر للماضي أبداً ولا أتطلع للمستقبل مطلقاً".نحن نجلس الآن في مقهى حديث ولطيف يشاهد فيه الناس مباراة في كرة القدم، يدخنون الشيشة ويشربون القهوة وهذا هو الشيء الطبيعي جداً الذي يفعله الناس حول العالم".ويشرح ماضي قائلاً: "هذا هو بيتي. كل ما أقوم به هو من أجل هذا البيت. أقاوم لأني أريد أن أعيش حراً في بيتي. كل واحد منا يريد الخروج وهناك سبباً لذلك.الحياة تحت الأنقاض | نريد الخروج لنجوب العالم وننشر وجه فلسطين ونقابل الناس وجهاً لوجه. يعتقد الكثيرون اننا كلنا إرهابيين واننا نريد فقط قتل اليهود، نأمل في تغيير كل ذلك.