الإعلان

 

رحلات قسم عام تونس...الدخول إلى حوض الأسماك
تونس...الدخول إلى حوض الأسماك
محمد فرج   

 

لكن لماذا المقارنة؟ أحيانا تظلم المقارنة أحد الطرفين، إذ تمنع من الرؤية الصحيحة، ولكنا نرى العالم من خلفياتنا التي تسمح لنا بترتيب الأشياء وفقا لرؤيتنا وهنا تلعب المقارنة دورا أخر في الكشف عما لدينا وما لدى الأخرين.

 

برودة الرخام

 

تونس...الدخول إلى حوض الأسماك | لم تكن سماء تونس هي الإحتكاك الأول، قبلها بلحظات بداخل قاعة المطار، كان التعامل الأول، ذهبنا لتغيير النقود، سألنا الموظف عن سعر الدينار مقارنة بالدولار الذي ننوي تغييره، وسألته: ألا يمكن تبديل الجنيه المصري؟؟ نظر لنا الموظف، وأجاب بجفاف "الجنيه المصري مش عملة!"  كانت العبارة جافة، الامر الذي دفع زميلتي إلى التوقف وطالبت الموظف بإرجاع الدولارات التي نود تغيرها، لكن الموظف استدرك بنفس الدرجة من الجفاف "الجنيه المصري، والدينار التونسي...كلها مش عملات"..استدراك الموظف لم يمحي تماما أثر الجملة الأولى خصوصا عندما وضع لنا النقود إذ خبط بيده على قطعة الرخام التي أمامنا بقوة.

إنسحبنا مندهشين من جفاف الرجل ومن خبطة يده، ولكن وجدنا نفس الخبطة عندما اردنا فك النقود إلى عملات أصغر من مكان أخر..في البداية حسبنا أنها عادة الموظف الاول..وبعد ذلك قلنا ربما لا يعد المصريين ضيوفا مرحبا بهم!

 

 

أسطورة مصرية

بشكل ما يظن المصريون أن عاميتهم مفهومة في كل العالم العربي، نظرا لكل العوامل المتعارف عليها الأغاني، السينما، المسلسلات، إذاعة صوت العرب، أم كلثوم، وعبد الوهاب، جمال عبد الناصر، الى أخر القائمة المصرية الطويلة، التي لعبت أدوارا مختلفة طوال القرن العشرين، وعلى الأخص خلال نصفه الثاني. ولكن لحظة ركوبنا التاكسي كان الاختبار الأول لهذه الفرضية في غير صالحها، فكل جملة منا للسائق كانت تحتاج إلى الاعادة إلى أكثر من مرة، خصوصا من أجل المساومة على السعر، ورغم أن الفكرة الاولى النمطية عن مصر، التي قالها لنا السائق: "التاكسي عندكم من غير عداد..وبتاخدوا فلوس كتير مننا"، إلا أن السائق طوال الطريق ظل يحاول الضغط على أزرار العداد، كي يرفع من التعريفة، ولكن تمكنا بفضل الإشارة إلى أننا فهمنا لعبه، إلى دفع سعر معقول، ولكن توجسنا من صورة "مصر" لدى أهل البلد... التي تبدو حتى هذه اللحظة ثقيلة.

 

حداثة في الشارع

 

تونس...الدخول إلى حوض الأسماك | بعد تجوال قليل في شوارع المدينة، تساءلت لماذا توصف تونس بالخضراء، بينما اللون الأغلب في المدينة هو الأبيض. معمار المدينة هادىء، المباني في الاغلب الاعم غير مرتفعة خمسة أو ستة أدورا  على الاغلب – عدا المباني الحكومية التي ترتفع عن ذلك بكثير ولكنها في الأغلب في بقع منفصلة بعض الشيء – الأبيض بدرجاته بغلب على الشوارع الأمر الذي يجعلها مضيئة بشكل كبير طوال النهار، ولا يبدو الليل فيها أسودا تماما.

طراز البناء الأوربي في أغلب "وسط البلاد" بالشرفات الحديدة والمقرنشات التي تكسو واجهات البيوت يعطيك إحساسا بالتاريخ الحداثي للبلاد، فجانب الإتساق في طرز البناء الذي يخلق إنسجاما بصريا في الشارع، تأتي تفاصيل مثل إحترام سائقي السيارات للمشاة، وإحترام الجميع لإشارات المرور، بأن هناك إمتدادا حداثيا متغلغل في الاداءات اليومية للمواطن التونسي.

حتى أزقة تونس تتميز بألوانها البيضاء وتكوينها المميز، تبدو البيوت صغيرة، متلاصقة، ولكنها تمتلك نظاما معينا، يخلق شبكة لا متناهية من الأزقة البيضاء.

تنام المدينة مبكرا كعادة المدن الأوربية، فمنذ الثامنة تبدأ المحال التجارية في الإغلاق، تتبعها المقاهي، والحانات، لتصبح المدينة في العاشرة تقريبا خاوية ألا من السيارات المسرعة، لتبدأ حياتها اليومية منذ الصباح الباكر.

 

بحثا عن الثورة

"تونس...الدخول إلى حوض الأسماك | الثورة"...أمشي في الشوارع أبحث عن أثار الثورة، في رسم على الحائط، في هتاف لمظاهرة ربما يمكنني الاقتراب منها، في نقاش دائر بين أثنين في الترام، أو مع سائق تاكسي، لكن لا تبدو "الثورة" بمعنى الصدام مع "السلطة" بنفس ذات الأولوية في مصر، لأن العجلة الثورية بتونس قد تحركت إلى نقطة أخرى، حيث يختلف وضع الجيش التونسي عن الجيش في مصر من ناحية ومن ناحية أخرى  أقيمت إنتخابات نتج عنها مجلس تأسيسي لا يرضى عن نتائجه البعض ولكن الجميع يقر بديموقراطية العملية الإنتخابات، وشفافيتها، الأمر الذي يجعل الحديث عن المجلس والنهضة وإستكمال الأنتقال الديموقراطي، هو الحديث الدائر، الصدامات المباشرة ليست على قائمة الحديث، ورغم الصدامات العنيفة التي حدثت في "القصرين" و "قفصة" الإسبوع الماضي لكن لا تحتل مساحة كبيرة في الحديث اليومي. رسوم الجرافيتي تنتشر بمحطات الترام، والإنفاق، ولكنها في الأغلب ترتبط بفترة الثورة الأولى، حيث تدور حول فساد بن علي، أكثر من القضايا التي تلت سقوطه. التوجس من القادم هو المسيطر على الشارع التونسي، ماذا سيفعل الحكم الجديد هو ما ينتظره الجميع بعيدا عن تقسيمات الأنصبة السياسية بين الأحزاب الفائزة.

 

خوف تونسي

 

تونس...الدخول إلى حوض الأسماك | الحجاب انتشر بعد الثورة" جملة سمعتها بصيغ مختلفة وكلها تؤدي نفس المعنى، والحجاب في تونس هو "الإيشارب" العادي في مصر، بينما "الخمار" أمر قليل ويرتبط أكثر بالنساء العجائز، ليظل "النقاب" هو الجديد تماما والمفلت للنظر جدا، فعلى مدار أسبوع من التجوال في المدينة، شاهدت مرة واحدة أمرأتين تسيران بالنقاب الأسود، والمارة ينظرون لهم بنفس درجة الإستغراب التي يمكن أن ننظر بها نحن في شوراع القاهرة لأمرأة ترتدي "الميكروجيب". ولكن نظرا للتاريخ الحداثي التونسي يبدو "الحجاب – الإيشارب" إشارة خطر جديد يهدد المكتسبات الحداثية التي حصلت عليها المرأة التونسية.

 

حداثة الزعيم

 

بالتأكيد يعد "الحبيب بورقيبة" أو "بورجيبة" كما يقولها التوانسة، هو الزعيم الأكثر تأثيرا في تاريخ تونس الحديث، بشكل ما يشبه "بورجيبة" عبد الناصر في مصر، فهو صاحب الإستقلال، وهو أيضا صاحب القرارات التحديثية الأكثر جذرية في تاريخ البلاد، يبقى الفارق بين عبد الناصر وبورجيبة، هو إنشغال عبد الناصر في معارك القومية العربية، في اليمن وسوريا والجزائر، وصولا إلى الهزيمة في 1967، وعدم وضوح نموذج التحديث التي يرغب في الوصول بمصر إليه، بينما كان بورجيبة أكثر تركيزا على الداخل التونسي من أجل النهوض به، وبالنسبة له تأتي الخطوات القومية في مراحل تالية بعد تطوير الداخل. وأدرك بورجيبة منذ البداية ان تونس بلاد فقيرة الموارد، فقرر أن يكون "التعليم" هو الرأسمال التونسي، والمجال الإستثماري الذي يجب الإهتمام به، وايضا كانت أوربا كنموذج للتحديث هي النموذج الذي يسعى بورجيبة للوصول إليه.

يعارض "سنيم بن عبد الله" استاذ علم الإجتماع بالجامعة التونسية الفكرة السابقة بشكل ما إذ يرفض نسبة مشروع التحديث التونسي إلى بورجيبة ولكن يرجعه إلى قبل ذلك بكثير، فتونس على سبيل المثال منعت الرق قبل أن يمنع في الولايات المتحدة الأمريكية، وأول دستور في العالم العربي كان في تونس في 1886 ، وأيضا لعبت المدرسة الصادقية خلال القرن التاسع عشر دورا مهما في تغيير رؤية وضع الشريعة في المجتمع، وبالنسبة لوضع النساء كان أيضا اكثر تقدما حيث يعرف الفقه الإسلامي "عقد أروى القيروانية" التي كانت أول أمرأة تضع شرط الطلاق حال زواج الزوج من أمرأة ثانية، وكان كتاب الطاهر حداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادر في بدايات ثلاثينات القرن العشرين على سبيل المثال مؤشرا هاما في رزع بذور التحديث في المجتمع التونسي، لذا عندما أصدر بورجبية قانون الأحوال الشخصية الذي ينص على منع تعدد الزوجات عام 1956 – عام الاستقلال- لم يجد القانون معارضة مجتمعية بإستثناء بعض المقاومة من شيوخ الزيتونة التقليديين، لكن بشكل عام كان المجتمع مؤهلا لإستقبال مثل هذا القانون. أيضا قرارات بورجيبة في مجال التعليم وأهمها مجانية التعليم، وإختلاط الجنسين في 1958 كلها خطوات أستوعبها المجتمع التونسي بدون مقاومة عنيفة.

 

يا غنوشي...وإيش قربك من الشعب

 

الثلاثاء الماضي..أول إجتماع للمجلس التأسيسي التونسي، والذي أعلن فيه عن تقسيم المناصب الرئيسية على الأحزاب الكبيرة الفائزة في الانتخابات، عقد الإجتماع في مجلس النواب، وفي الخارج نظمت القوى اليسارية والعلمانية بشكل عام مظاهرة ضخمة كان الهدف الأساسي منها إبلاغ حزب النهضة الاسلامي، أنه تحت المراقبة الشعبية، وأنه لا تراجع عن المكتسبات الحداثية التي حققها التونسيون على مدار تاريخهم الحديث.

الحضور الأغلب في التظاهرة كان للنساء، اذ أنهم الأكثر خوفا من تراجع مكتساباتهم التي حصلوا عليها، هن القائمات بأغلب الهتاف، هن المتزعمات للنقاشات أو المشادات مع المجموعات النهضوية التي حضرت التظاهرة، ومن خلال هذه المشادات يبدو وضع المرأة التونسية في المجتمع، فلا يرفض النهضوي الاسلامي النقاش مع إمرأة لأنها إمرأة، ولكنه يتناقش معها، ويعلو صوت الاثنين بشعاراتهم بدون توجيه اي عبارة تشير إلى كونها أمرأة، ولكن النقاش يدور بين إثنين من "المواطنين" لهم نفس الحقوق والواجبات.

ايضا مساحة التلامس الجسدي بين الرجل والمرأة تظهر كيفية رؤية المرأة ك"مواطن" وليس فقط "أنثى" فحين تشتد المشاحنات يجذب أنصار كل فريق من يقود النقاش بنفس الطريقة رجلا كان أم أمرأة فلا يبدو الأمر وكأن هناك تعاملا خاصا بالمرأة لأنها إمرأة.

التطمينات التي صرح بها راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة لا تبدو مطمنئة للجمهور التونسي بالقدر الكافي الذي تبدو لنا في مصر حين نرى "الأخوان" والسلفيين" -الذين يبدون كوحوش ستلتهم مصر بالنسبة للتونسيين – وذلك لأن التجارب الأسلامية السابقة في الجزائر وإيران لا تبدو مبشرة من جانب، ومن ناحية أخرى تتضارب تصريحات النهضويين فعلى سبيل المثال قال حمادي الجبالي – رئيس الوزراء التونسي الأن والقيادي النهضوي الكبير- في إحتفال بين أنصاره بعيد إعلان نتائج الانتخابات " الأن نحتفل بإقامة الخلافة الراشدة السادسة"! وهو ما يعزز حالة الخوف. أيضا التلاعب بين تصريحات القادة وتصرفات أعضاء الحزب، حيث يصرح الزعماء بشيء وعندما يحدث ما يخالف هذه التصريحات من جانب الاعضاء، يرد القادة ب"أننا لا يمكننا السيطرة على القاعدة".

 

تعب من الخيانة

بضعة أيام لا تكفي لتكوين "معرفة"بالمكان، ربما تبدو كافية لتكوين بضع انطباعات، ربما تكون خاطئة وربما تكون صحيحة، ولكن تبدو "مصر" امرا ثقيلا بعض الشيء على التونسيين، فالسطوة المصرية المفترضة تبدو غير حقيقية بالنسبة لهم، كما تضمن عدم الإعتراف بهم كأخرين، أيضا تلعب معارك كرة القدم دورها في تحفيز الانفعال بين الطرفين، فالسؤال الأول الذي يسألك أياه الكثيرين بعد أن يسمعون لهجتك المصرية: "أنت أهلاوي ولا زملكاوي؟؟".. ولا يبدو السؤال في الأغلب مرحبا أو وسيلة لفتح حوار بقدر ما يبدو الهدف منه الحديث عن الانتصارات التي حققها "الترجي التونسي" أو "النادي الإفريقي" على أيا من الناديين المصريين.

أثناء مظاهرة المجلس التأسيسي أتحدث مع صحفية تونسية، وهي تحاول الحديث بلغة وسط بين التونسية وبين المصرية ، يعبر من ورائها شاب ويتوقف قليلا ثم يقول لها "لماذا تحديثه بالمصرية..كلميه بالتونسي، عشان يفهمنا".

لماذا تفترض أن مصريتك مفهومة في حين أن تونسيتي ستبدو صعبة..هكذا يرى الكثير الأمر، وهو ما يجعل مثلا هند صبري أو لطيفة فنانات غير محبوبات في تونس، وذلك لسبب أساسي وهو انهن عند ظهورهن في مقابلات تلفزيونية يتحدثن بالمصرية ولا يتحدثن بالتونسية، وهو ما يسبب جرحا للتونسيين، كما لو أنهن لا يحترمن لغتهن، في أنهن عند عودتهن لتونس يتحدثن التونسية مرة أخرى.

بحسب سنيم بن عبد الله يرى أن التونسيين تعبوا من الصور النمطية التي يلصقها بهم المشرق العربي وعلى رأسه مصر، حيث تبدو في كثير من الأحيان هذه الصورة ليست لها علاقة بما هو صائر في الواقع، وأبرز هذه الصور هي أن التونسي مغترب ويتحدث الفرنسية أكثر من العربية، في حين أن طه حسين قال أن أدق شعوب العرب نطقا للحروف العربية هم التونسيين، ويتابع بن عبدالله عندما نكون في مؤتمر علمي يمكن للمصري أن يتحدث بالانجليزية بدون أن يواجه تهمة الإغتراب في حين عندما يتكلم التونسي كلمة واحدة بالفرنسية يواجه على الفور بأنه مغترب ولا يستطيع التحدث بالعربية.

أيضا يبرر سنيم موقف التونسي من الممثلات التونسيات غير المتحدثات بالتونسية بأنه يشعر بالخيانة وأن لغته غير قابلة للشرح وللفهم.

 

عنصرية الكرة والسياسة

 

أسأل رضا التليلي الأستاذ الجامعي والنقابي الكبير بشكل مباشر: ألا يحب التونسيون المصريين؟؟ قال:" أسمع...لعب بورجيبة في أخر أيامه، ونظام بن علي..على النبرة الشعوبية لدى التونسيين، فماذا تعني "مصر أم الدنيا" بينما هي بلد فقير، يعاني من سيطرة الاسلاميين المتخلفين، ولغة الحوار هي العنف، وهكذا تربت في الأجيال الجديدة نعرة تونسية جديدة..ولا تنس أيضا الدور الذي لعبه نظام مبارك خلال مباراة مصر والجزائر للتأهل لكأس العالم، حيث أتهم الإعلام المصري المغاربة بشكل عام بأنهم "بربر"، "همج" ، "متخلفين". وهذا لعب دورا واضحا في تأجيج النزاعات الشعوبية بين البلدين".

أسأله: والثورة..ألم تلعب دورا في إزالة سوء التفاهم هذا؟؟ يجيب "الثورة في مصر لازالت تواجه صعوبات كثيرة، سيطرة الاسلاميين على الساحة تبدو أمرا مخيفا، العنف المتبادل بين الحين والاخر، الموقف من المسيحيين ..كلها أمور تجعل التونسي ينظر بحذر إلى ما يحدث في مصر، وينتظر إلى أين ستتجه الأمور".

 

ثورة مصر

تبدو الثورة المصرية مقارنة بشقيقتها التونسية، مثل أثنين تلاميذ أقارب، الأول في مدرسة متميزة، وتفوق في الدراسة، بينما الثاني في مدرسة حكومية عادية، ويجد صعوبات في تجاوز المراحل الدراسية، فالصورة المنقولة للتونسيين عبر وسائل الإعلام تظهر فقط أعمال العنف التي تحدث في مصر بين المسلمين والمسيحيين، أو الاحداث المتفرقة بين الشرطة والجماهير، ليرى معظم من قابلتهم الأمر على أن الثورة في مصر تائهة والأسلاميين هم من سيسيطرون.

الممثلة التونسية الكبيرة رجاء بن عمار وحدها قالت لي أثناء مظاهرة المجلس التأسيسي تعليقا على أحداث التحرير الأخيرة "مصر علمتنا أن الثورة يمكن أن تسـتأنف من جديد"..كون تونس هي البادئة في التحرك، وكون حركة الثورة هي الأقل دموية، والأكثر سلاسة في مسألة إنتقال السلطة، وحدوث سيناريوهات أكثر دموية في ليبيا وسوريا واليمن ومصر، دفع التونسيون إلى العودة إلى حياتهم الطبيعية، والرغبة في مواصلة رحلة التحديث الداخلي، والاكتفاء بمشاهدة ما يحدث في الجوار، ولكن فتحت تونس أبوابها أيضا لإستقبال ما يقرب من مليون لاجيء ليبي توافدوا على الاراضي التونسية مع بداية أحداث الثورة هناك، وعند العبور أمام فندق "الهناء" الضخم بشارع بورجيبة في الصباحات المشمسة ستشاهد عشرات الجرحى الليبين الذين خرجوا يلتمسوا قليلا من شمس البلاد الحنونة.

 

إطمئنان ما بعد الرهبة

 

تبدو تونس مثل حوض أسماك، تعود السمك على ما في داخل الحوض من أشياء، لذا يثير الغريب حفيظة من في الداخل كما لو ألقيت حجرا جديدا داخل حوض السمك سيظل السمك بداية تونس...الدخول إلى حوض الأسماك | ينظر إليه بشىء من الرهبة إلى أن يطمئن إليه، هكذا يبدو الأمر.

أيضا ساهم تاريخ تونس الخاص وبعدها عن مركز الأحداث "القومية" في مصر وسوريا، والنهج الذي سار عليه بورجيبة في تنمية تونس بشكل مستقل بمعزل عن المحيط إلى حد ما، في إعتزاز التونسيون بأنفسهم إعتزازا خاصا، وبجانب عدم الاعتراف من جانب هذا المحيط بما يملكه التونسيون، الأمر الذي يجعل التونسي مثل "أبن الناس" الذي لا يدري أحد عن أصله وعن مميزاته شيئا، مما يضاعف شعوره بالاعتزاز، وايضا يشعره بالجرح نتيجة عدم اعتراف الاخرين به، فيصبح خشن عند التعامل تحسبا لأي محاولة للتقليل من شأنه.

يحتاج التونسي إلى الأطمئنان قبل أن يظهر لك كرمه، وطيبته، وترحيبه، يخاف أن تواجهه ب"الريادة" فيرد عليك بأن " التوانسة هما اللي بنوا القاهرة"، وستحتك كثيرا بسطحه الخشن. وتأتي الثورة لتضع تونس في قلب الحدث، هي مفجرة الشرارة، ومنجزة الخطوات الأولى على طريق الحرية، هكذا نرى تونس، وهكذا لا يدري الكثير من التونسيين اننا هكذا نرى تونس، الخضراء، البيضاء، الحمراء، الثورية، حاملة راية الثورة، نحتاج هنا في مصر إلى رؤية تونس من جديد، ويحتاج التونسيون إلى رؤيتنا من جديد بعيد عن القوالب القديمة، بعيدا عن حروب كرة القدم، قريبا من الناس، من الشوارع، من القرى، من الناس الذين يمكنهم صنع جسور قوية أو بناء سدود معتمة.