الإعلان

 

رحلات قسم عام حكاية من عمّان
حكاية من عمّان
مي س   

 

لقد أخذتني رحلتي الشخصية في البحث عن حكاية عمّان الحقيقية والمظاهر التي تمثل هوية "عمانية" مميزة إلى شرق المدينة، حيث يقع جبل الأشرفية وهو من أحياء عمان المتواضعة والتي تقع في قلب المدينة وتبتعد عن أبراجها الشاهقة والمشاريع الضخمة الأخرى قيد الانشاء.
اخترت الأشرفية من أجل هذا البحث لأنني أعلم بأنها شهدت حقبة مهمة في تاريخ عمّان، وذلك حينما كانت الاثنيات المتنوعة تحط الرحال وتستقر في عمان والتي اكتسبت بفضل هذا التنوع سمعتها الشهيرة بأنها أشبه بالـ"فسيفساء". بما أنني ولدت وكبرت في عمان، ففي نظري أن أقل ما تستحقه مدينة تحتضن 52 اثنية عرقية تتعايش مع بعضها بسلام هو أن يشعر أبناؤها بأنهم منها وأنهم "أبناء البلد" وأنها "مدينتهم الأم".
قبل زيارتي هذه إلى الأشرفية، كنت أعي تماما أن معظم سكان المدينة لا يقدمون أنفسهم على أنهم "عمانيون" وانما يرجعون إلى البلدات والمدن الأصلية للتعريف بهويتهم، فعمان في أحسن الأحوال هي تلك "الفسيفساء" وفي أسوء الأحوال فإنها تشبه "قاعة الانتظار في المطار" حيث يتنظر الجميع مواعيد الرحلات التي تقلهم إلى بلدانهم الأصلية، وقد وجدت أن الوصف الأخير يليق بالوضع القائم ويشخصه بشكل أفضل، على الأقل من وجهة نظري.

حكاية من عمّان  |

فور وصولي إلى الأشرفية، قابلت "أبو طارق"، وهو رجل يبلغ 64 عاما وقد سكن في هذا الحي منذ عام 1955. انتقل أبو طارق، وهو أب لثلاثة أبناء من الكرك الواقعة في جنوب الأردن عندما كان عمره 6 سنوات وعندما كانت المدينة نفسها مدينة ناشئة تخطو خطواتها الأولى في تاريخها المعاصر.
يحتفظ أبو طارق بذكريات لا تزال تنبض بالتفاصيل عن فترة الخمسينيات، عندما كان الحي يجمع الأرمن والأردنيين من أصول شرق أردنية وذوي الأصول الفلسطينية، وكان يضم الناس من أتباع الديانات المختلفة ومنها الاسلام والمسيحية وقد سكنته أيضا عائلات من الأقلية الدرزية. يقول أبو طارق "كنا فقراء جدا في ذلك الوقت حتى أننا لم نملك شيئا في منازلنا، وكنا ننام من دون أن نغلق الأبواب أو النوافذ". يعزو أبو طارق هذا الشعور بالأمان جزئيا إلى أن الناس كانت تعرف بعضها حق المعرفة ويربطها صلات قوية وكذلك إلى الوضع الاقتصادي العام، حيث لم يكن لدى الناس فعليا أي شيء ليغري اللصوص.
ويعلق أبو طارق قائلا: "لقد حدث ذات مرة أن أحد جيراننا كان نائما، ودخل اللص إلى المنزل فلم يجد شيئا، فما كان من جارنا النائم إلا أن يطلب من اللص ألا ينسى اغلاق الباب بعد الخروج!"، ويضيف بأن سؤال الأصول والمنابت الذي يطغى على الشؤون السياسية المحلية والفضاء العام اليوم لم يكن موجودا في ذلك الوقت أبدا.
بيد أن المفارقة تتمثل في قيام أبو طارق بتعريف الزبائن الذين يدخلون إلى المتجر الذي يمتلكه أثناء حديثنا بأصولهم، ولكنه لم يعتقد بأنها "مشكلة" أو أنها "تخلق انقسامات". وحتى يثبت لي صحة كلامه، فقد أخبرني بأنه خدم في الجيش الأردني وانخرط في صفوف الفدائيين، والذين يعرفوا بأنهم مجموعات غير رسمية تشكلت بهدف تحرير فلسطين ولكن عملياتها كانت مثار جدل محتدم في العالم العربي.
ويبدو لي بأنه يحاول من خلال هذه التعليقات أن يؤكد على أن أيلول الأسود، وهو الاسم المعروف للأزمة السياسية التي شهدتها الأردن عندما دخل الجيش الأردني في صدام مع المنظمات الفدائية، لم يكن حدثا مؤثرا في "الوحدة الوطنية"، على الرغم من أنه يصور من قبل العديد من الناس على أنه "حرب أهلية" وفي أحسن الأحوال فهو يمثل "الحادثة التي أحدثت شرخا في النسيج الوطني إلى الأبد".
أما بالنسبة لأبو طارق، "الحادثة لم تكن حربا أهلية، وقد كنت منضما إلى الطرفين وخدمت الطرفين في أوقات مختلفة، لم يأخذ الناس الأزمة على محمل الجد، بالطبع فإن أهالي الضحايا شعروا بالظلم والحقد ولكن بعيدا عن هؤلاء، فإن الحياة عادت إلى طبيعتها بين الجيران ولم يتغير شيء"، وقد رأى أبو طارق أفرادا من الجيش والمنظمات الفدائية عندما تصافحوا أمام المستشفى الذي يعرف اليوم بمستشفى البشير في محاولة للمصالحة بين الطرفين.
وبعد كل ذلك الحديث، فقد بقيت مندهشة من أن ذلك الشخص يستطيع أن يعيش 50 عاما في مدينة ويشهد نموها ولا يزال لا يقول عنها "مدينته الأم"، بل ويصر على معرفة مدينتي الأصلية حتى وان كنا نتحدث لدقائق معدودة فقط. أما عندما بدأت أجمع الأجزاء المبعثرة من الحكاية، فقد أصبحت قادرة على رؤية الموضوع من زاوية أخرى، وبدأت أفهم القصة الحقيقية لعمان.

حكاية من عمّان  |

وتأتي الرواية البديلة التي تفند الحجج التي سبق ذكرها على لسان محمد عمر، وهو صحافي أردني شهد جزءا يسيرا من تاريخ المدينة ويعتقد بأنها تحتاج إلى من "يعيد تأريخ قصتها لأن تاريخها مغيب لهدف". ببساطة، فإن عمر يؤمن بأنه وعلى النقيض من تصوراتنا ونقاشاتنا اليومية، فإن عمان لديها "هوية" وان كان تعريف الهوية نفسه اشكاليا. حتى عام 1957، فإن عمان كانت تشهد وجودا"لعلاقات وقيم مدنية" وتستضيف حوارات سياسية ولقاءات تشهد على التطور الفكري لسكانها وأهلها.
بحسب قول عمر فإن المشكلة هي "أننا نتلاعب بالكلمات ونأخذ الأمور خارج سياقها، ففي الخمسينيات، لم يكن "مصطلح الهوية" دارجا بالمعنى الذي نعرفه اليوم ببساطة لأنه لم يكن يعني شيئا لهؤلاء الناس. في ذلك الوقت، كان الناس يجتمعون حول أيدولوجيات، سواء كانت ماركسية أو غيرها، فالإيديولوجية هي التي شكلت ميولهم وعقلياتهم وليست "الهويات الاثنية" التي نعرفها اليوم". يضيف عمر بأن صراع الهويات ظهر بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والانتقال من "عصر الأيدولوجيات" إلى عصر "صراع الهويات".
ويذهب عمر إلى ما هو أبعد من ذلك حين يقول بأنه لا يلوم هذه المدن لأنها لم تحمل "هوية" في مطلع القرن الماضي، وذلك لأن منطقة بلاد الشام كانت قد خرجت لتوها منقسمة من اتفاقية سايكس بيكو، وقد وجد الناس الذين كانوا يشبهون بعضهم كثيرا أنفسهم منقسمين، فماذا "تعني الهوية بالنسبة للدمشقي الذي يتزين بلباس يشبه لباس النابلسي ولأناس كانوا جميعا يفتخرون بالتقاليد ذاتها؟"
أما بعد أن مضت العقود، فإن عمان ليست استثناءا عن غيرها من المدن، فبرأي عمر، لم تحافظ أي مدينة من المدن العربية على هويتها "المميزة" لأنها استسلمت لمظاهر "النيوليبرالية" التي لا تنتهي في العالم العربي. ويذكرني عمر بأن الذاكرة الجماعية والتاريخ يصنعان معا "الهوية"، ولكن بحسب روايته فإن المسؤولين الأردنيين لم يفعلوا الكثير للحفاظ على هذا الموروث. فعلى سبيل المثال، لم يستطع أبناء جيلي أن يزوروا فندق فيلادلفيا القديم، والذي استضاف واحدا من المؤتمرات الوطنية الأردنية في الثلاثينيات من القرن الماضي وعددا كبيرا من الضيوف العرب والأجانب المميزين، وذلك لأن أحد أمناء عمان السابقين قد أمر بهدم الفندق من دون إبداء أي شعور بالندم. ويستشهد عمر بالعديد من الأمثلة الأخرى التي تدلل على اهمال "المواقع التاريخية" مثل مقر رئاسة الوزراء القديم والذي اغتيل فيه هزاع المجالي في عام 1960 وهو من أحد أبرز وجوه السياسة الأردنية في التاريخ المعاصر، يقول عمر "أين هي هذه الأماكن اليوم؟ كيف نتحدث عن هوية ولا نفعل شيئا حيال اهمال تاريخنا نحن؟"
ويتملك سيرين، وهي ناشطة ثقافية أردنية، الخوف ذاته على "الهوية المهددة والمفقودة"، حيث تشعر "بالحنين الشديد" وهي تقود سيارتها في أحياء عمان. في كثير من الأحيان، تشعر سيرين بالرغبة في التوقف والتقاط أكبر عدد من الصور لأنها شبه متأكدة بأن "شيئا لن يبقى من دون أن يمس ويتغير في عمّان". في هذا السياق، يعني عدم المساس بالشيء أن يبقى محتفظا بأصالته وعراقته كما هي من دون تشويه يأتي في اطار "التجديد" كذريعة يستخدمها البعض.
عندما كانت سيرين في سنين المراهقة، كانت عمان "مدينة الطبقة الوسطى المثالية"، وكانت في الثمانينيات من القرن الماضي مدينة متواضعة لا مكان فيها للفجوات الطبقية الموجودة اليوم بين الغني والفقير. أما اليوم، فإن الانطباع السائد يصور الأردنيين وكأنهم يعيشون في "قوقعة" و"مجتمعات مسورة" ولا يتفاعلون مع بعضهم ومع الآخرين الذين يسكنون في "قوقعة" أخرى.
لقد رأت العديد من المبادرات النور بهدف اختراق هذه "القوقعة"، ولكن يجب أن تتغير العديد من السياسات والكثير من جوانب السياسة المحلية حتى يعاد غرس القيم المدنية التي تشجع الناس على أن يكونوا مواطنين بدلا من سكان قوقعة أو مجتمع فرعي مصغر.
أما بالنسبة لي شخصيا، فلا زلت أجد الدفء في كل مكان في المدينة وفي كل بقعة فيها، ولكنني أعي تماما بأنها تتغير. ان المدينة تتعرض لمحاولات تجديد تفقدها كيانها الأصيل وحكايتها الأصيلة. وكما قال الكاتب الأردني المعروف أحمد حسن الزعبي، فإن على عمان أن تتخلص من أبراجها التي بنيت قبل أعوام قليلة ولم ينته البناء بعد و"تمسح الماكياج الزائف" عن وجهها الجميل لتعود إلى "روحها الساحرة القديمة"!
يجب أن أعترف بأنني أجد طلبه مبررا، ولا بد أنني شعرت برغبة في ترديد المطلب ذاته في مرات عديدة، ولكنها تبقى مدينة "فريدة" وتحمل "حكاية فريدة" وان كانت حكاية حزينة للغاية.