الإعلان

 

رحلات قسم عام يا بنات المكّلا... أين أنتنّ؟
يا بنات المكّلا... أين أنتنّ؟
حسن داوود   

 

أغنية فهد بلان، التي مضى عليها نحو من أربعين سنة، ما زالت حاضرة في الطريق إلى المكلا كما في داخلها أيضاً. مرات كثيرة كانت تتردد في اليوم الواحد، على ألسنة الداعين من أهل المدينة والمدعوين إليها. لكن بنات المكلا، اللواتي وصفهنّ المطرب الراحل بكونهن »دواء كل علة«، لم تظهر منهن واحدة خلال اليومين أو الثلاثة التي تراوحت بينها نشاطات اتحاد الكتاب والأدباء اليمنيين. كن، هن بنات المدينة أو نساؤها، متشحات بالسواد لا يبين منهن إلا عيونهن. وكان ذلك شاملاً لهن من دون استثناء تلميذات المدرسة اللواتي رأيناهنّ خارجات زرافات إلى الطريق وقد بدون متشابهات بما يفيض عما يُراد من الزي الموحد عادة. كن جميعهن متشحات بالسواد ذاته، المغطى بقماشة بيضاء تتدلى من أعلى الكتفين إلى وسط الظهر، هكذا لتدل على انهن بنات المدرسة.


يا بنات المكّلا... أين أنتنّ؟ | بل انهن بدونَ اكثر التزاماً بالحجاب الشامل من نساء صنعاء وبناتها. التجربة الاشتراكية التي عبرت بالمكلا وبمنطقة حضرموت التي هي عاصمتها، لم يبق من آثارها ملمح واحد. بل إن كثيرين من المثقفين العرب المقيمين في اليمن، وأغلبهم من العراقيين، يرون أن جنوب اليمن ذاك يبدو أكثر مغالاة في الالتزام بالحجاب بسبب التجربة الاشتراكية تلك. لم يبق شيء من آثار تلك السنوات.في سنوات اليمنين (الشمالي والجنوبي) كان العرب غير اليمنيين كثيراً ما يقيمون المقابلة أو المقارنة بين هذه وتلك. الآن، وبعد انقضاء سنوات على الوحدة، بات الجنوب وقد خسر ميزاته كلها. حرية الاختلاط بين الجنسين اضمحلت، حرية المسلك الفردي طوّقها المنع أو جعل ممارستها والاقبال عليها (وبين هذه تناول المشروبات الكحولية) يجري تهريبا وفي الخفاء. أما ما كان يعتدّ اليمن الجنوبي باجتناب أبنائه له، وهو القات، فقد بات الاقبال عليه كثيفاً، ومتزايداً، كما هناك كما هنا.

لم يبق أثر من تلك الحقبة. بل وقد يبدو لزائري المدينة ان السنوات العاصية تلك لم تكن إلا فراغاً ما دام ان هؤلاء الزائرين لم يشاهدوا أثراً معمارياً دالاً على ذلك الزمن. السوق الذي على طريق عامة ايضاً يبدو، بكل ما فيه عائداً، إلى فترة ما بعد منتصف الستينات، حين »تحوّل« اليمن الجنوبي إلى الاشتراكية. ربما كان ذلك بسبب فقر المنطقة التي لا يفتأ يردد اليمنيون أن الكثيرين من أثرياء السعودية الكبار ينتسبون، في الأصل، اليها. الفقر القديم الذي يُبدي المكّلا متساوية العمران (الفقير) كأنها لم تشهد فترة ازدهار يستدل عليها من أبنيتها. وربما يرجع ذلك إلى أبعد بكثير من أزمنتنا المعاصرة حيث لا أثر في المكلا للعمارة اليمنية التاريخية التي نجدها في تريم وشبام وسيئون (وكلها من حواضر الجنوب القديمة) والتي نجدها أيضاً في صنعاء الباقية عمارتها »جوهرة التراث العالمي«، كما خُطّ على احدى اليافطات فيها.

يا بنات المكّلا... أين أنتنّ؟ | لم يترك تعاقب الزمن على المكلا ما يمكن اعتباره ميزة لها. في سيئون هناك القصر الفخم المتعالي بعدد غرفه البالغة عدد أيام السنة، كما هناك، تحت القصر وحوله، أبنية الفقر المزدحمة المبنية كلها على عجل ومن دون أي عناية بتجميلها أو تزيينها. المكلا هي ذلك من دون القصر المنيف ذاك، الابيض الناصع والذي لكثرة ما جرى الاعتناء بطينه الذي بُني منه، يبدو للعابرين تحته كأنه مكسو بالرخام. هكذا تبدو المكلا بلا مِعْلَم. الأبنية »الجديدة« التي تقوم الآن متباعدة على جانبي الطريق الموصلة اليها من المطار، هي كذلك ايضاً، لا تعد بأن تكون معلماً في زمن سيأتي. مجرد محلات ذات أبواب حديدية ضخمة، متجاورة متلاصقة في المبنى الواحد. اما الفندق الجديد الذي كان وفد مؤتمر الكتاب أول نازليه، بحسب ما راح يقول المنظمون، فكان هو بدوره مقاماً بمواد بناء هشة رخيصة، مع أن مالكه، بحسب ما تردد ايضاً، هو من أثرياء حضرموت الكبار. ومثل ذلك كان مكتب الخطوط الجوية اليمنية في المدينة، مؤثثاً تأثيثاً حديثاً بما يناسب مكتب شركة طيران، لكن بمواد هشة هي الأخرى، كما وبتوزيع للأثاث في مساحة المكتب الواسعة اتساعاً يفيض عن حاجة الاستخدام ، يجعله يبدو أشبه بأثر من المدينة حاضر في قرية.
وقد يبدو »الجديد« هذا مماشياً القدم في فقره. او أن القديم هو من الرسوخ بحيث انه ما زال قادراً على جذب الجديد وضمه اليه. ذاك ان الدكاكين القديمة او المطاعم القديمة تظهر لرائيها بقوة مشهدية تطغى على كل ما سيراه الزائر من بَعد. كان علينا أن نذهب بالباص مسافة، مخلّفين المدينة كلها وراءنا، لكي نصل الى ذلك المطعم البحري الحديث الذي رأينا امرأة اجنبية تخرج من الجناح المخصص للسباحة فيه، مرتدية ثياباً لا تكشف الا عن وجهها، وعن بعض شعرها الذي بدا مبللاً بمياه البحر.

يا بنات المكّلا... أين أنتنّ؟ | اما الرجال فما زالوا يرتدون تلك الوزرات التي تساوي بينهم حيث انها مصنوعة من نسيج واحد، لا تتميز واحدة منها عن سواها. لم يحقق ارتداء السراويل (البناطلين) الغلبة التي يراها قادم من مدينة مثل بيروت بديهية، فالناس في المكلا، على اختلافهم، مازالوا متمسكين بها الى حدّ انه خيل الينا أن موظف الخطوط الجوية اليمنية ينتظر وقت انتهاء خدمته حتى يتخفف من زي الوظيفة الإفرنجي ويرتدي الوزرة التي تريحه.
وهم، اذ يذهبون الى السوق لشراء حاجتهم من الوزرات، يروحون يفاضلون بين خطوطها وألوانها الكثيرة معتقدين ان ذلك قد يحدُث فرقاً. ربما هم، بخلافنا، كانوا يعددون تلك الخطوط والألوان التي نراها نحن واقعة في صف واحد، ويفاضلون بينها. بل وربما ذهبت النساء الى ابعد من ذلك حيث قد يلاحظن مثلاً الفوارق بين عباءة سوداء وعباءة سوداء أخرى. وهذا، كما بدا لنا، مجال ضيق للتمايز.
وهو يزداد ضيقاً في المدينة التي تبدو خالية من المثالات المغوية التي تطرحها المدن عادة أمام سكانها. أهل المكلا يبدون كما لو انهم يرون انفسهم في المرايا العاكسة التي لا ينتظرون منها أن تريهم صوراً أخرى. بنات المدارس المرتديات ذلك الزي »المدرسي« الموصوف اعلاه ربما يتركن لإغواءات الجدة ان تجري فيهن مجرى داخلياً لا مجرى مظهرياً. انهن، شأنهن شأن شبان المدينة، يتابعن كل موض العيش واللباس التي تطرحها الفضائيات العربية والأجنبية. لكن ذلك، حتى الآن، لا ينبغي أن يتعدّى المشاهدة إلى التأثر بما تحمله المشاهدة.
ذلك لا بد يوسع المجال الذي تخطر فه الأحلام الى حد يبدو معه العيش متروكاً مهملاً، أو مؤجلاً على الأقل. او ربما يكون افتتانهن بما يشاهدنه قابلاً للبقاء في حياة الآخرين لا يتعداها اليهن، هكذا على نحو ماكان يُشاهد اهل مدن عربية اكثر انفتاحاًَ ما تنقله اليهم الافلام الأميركية من مشاهد وصور.
حتى اننا رحنا نقول ، فيما كنا نشاهد البنات خارجات، بزيهن ذاك، من المدرسة، كيف سيتاح للشاب أن يختار واحدة منهن زوجة له؟ متجاوزين بذلك طبعاً احتمال أن يجري، هنا في المكلا، الآن، ما كان يجري لنا، منذ سنوات كثيرة كثيرة، حين كنا ننتظر عبور بنات المدرسة لنرى ان كانت ستواتينا الجرأة على مكالمتهن.
»أين هنّ بنات المكلا؟« صرنا نقول، متسائلين في الوقت نفسه، ان كان قد اتيح لفهد بلان أن يشاهدهن حقاًَ، في زمنه السابق على زمننا هذا.

حسن داوود