الإعلان

 

رحلات قسم عام الوادي الجديد... نصف مصر المنسي
الوادي الجديد... نصف مصر المنسي
محمد فرج   

 

الطريق الى الوادي الجديد طويل، شاق. اثنتا عشر ساعة يقطعها الاتوبيس المتجه من القاهرة الى مدينة الداخلة، قلب محافظة مصر الاكبر، ما يقرب من 800 كيلو متر قطعها الاتوبيس خلال الليل، بركابه العائدين الى مدنهم البعيدة..كنا نحن الغرباء في الحافلة، بينما كل الركاب هم غرباء القاهرة العائدين الى مدن لن يصبحوا فيها غرباء.

الوادي الجديد هو أكبر محافظة مصرية اذ تحتل ما يقرب من 44% من مساحة مصر، قبل 1958 كانت تسمى "محافظة الجنوب"، ولكن في هذا العام صدر قرار انشاء المحافظة الوليدة واطلق عليها اسم "الوادي الجديد" في اشارة الى اعلان عبد الناصر عن البدء في إنشاء واد مواز لوادي النيل يخترق الصحراء الغربية لتعميرها وزراعتها علي مياه العيون والآبار بهدف تخفيف التكدس السكاني في وادي النيل. وتصل أول قافلة لتعمير والاستصلاح بالوادي الجديد في الثالث من أكتوبر سنة 1959 ليصبح اليوم عيدا قوميا للمحافظة، وفي العام 1961 دخلت محافظة الوادي الجديد ضمن التقسيم الإداري لمحافظات الجمهورية، وكانت تتكون من مركزيين إداريين هما مركز الخارجة ومركز الداخلة، وفي 1992 تحولت الفرافرة إلى مركز إداري ليصبح للمحافظة ثلاث مراكز إدارية، اما الآن فقد تحول مركز باريس ومركز بلاط إلى مركزين إداري أيضا وبالتالي أصبح للمحافظة خمسة مراكز إدارية.

كانت ساعات الليل أكثر من كافية لمراجعة المعلومات القليلة عن المكان المنسي المتجهين اليه. الركاب تساقطوا نائمين على مدار الطريق الذي يعرفه العائدون، لاسقط نائما انا الاخر قبيل الوصول الى مدينة "موط" عاصمة واحة "الداخلة" في الصباح.

الوادي الجديد... نصف مصر المنسي | لطريق الى الوادي الجديد طويل، شاق. اثنتا عشر ساعة يقطعها الاتوبيس المتجه من القاهرة الى مدينة الداخلة، قلب محافظة مصر الاكبر

ايقاع مغاير

 

للصباح توقيت مختلف في الواحات، فنظرا لقسوة الشمس هناك – حيث تعد المنطقة من اكثر اجزاء العالم تعرضا للشمس – يبدأ الصباح مع الفجر، فبعد الصلاة يخرج المزارعون –الذين يمثلون 51% من اجمالي سكان الوادي-  الى اعمالهم، ومع العاشرة صباحا حين تبدأ حرارة الشمس في القسوة يبدأ المزارعون في العودة والاختباء، لتخفت الحياة تماما، حتى تنهي الشمس ذروة حرارتها لتبدأ الحركة خفيفة بعد العصر.

لذا لم نجد عند وصولنا من كان يفترض ان يكون في استقبالنا، ولم يكن امامنا سوى اللجوء للفندق للخلاص من تعب ساعات الليل التي راحت في السفر.

بعد العصر، قررنا التجول في المدينة الصغيرة التي تحمل اسم زوجة الاله امون "موط"..الشمس حارقة، لكن بلا رطوبة، الامر الذي يجعل الاحساس بالحرارة صافيا، وليس لزجا كالقاهرة ومدن الشمال.

مركز "موط" يبدو حديثا، أبنية اسمنتية لا يتجاوز عمر اقدمها العشر سنوات، ولا يزيد عمر اقدمها على العشر سنوات، وجود الاسمنت وسط هذه الحرارة الجافة للمكان، يذكر من جديد بخطأ اخر من اخطاء توهم التحديث الذي ضرب البلاد المصرية منذ السبعينات حيث تم تغيير الطرق القديمة والمناسبة لطبيعة الارض والمناخ، ليصبح الطوب والاسمنت هما المرادفين لمعنى التحديث والترقي في العقلية المصرية.

تقريبا لا يوجد مارة، قليلون جدا، وعربات تمر بين الحين والاخر..فالوقت الان لانتظار الغروب..

الوادي الجديد... نصف مصر المنسي | لطريق الى الوادي الجديد طويل، شاق. اثنتا عشر ساعة يقطعها الاتوبيس المتجه من القاهرة الى مدينة الداخلة، قلب محافظة مصر الاكبر

الرمال...الحياة

 

الرمال في الواحات هي الحدود، وهي المدى المفتوح، هي المحيط الذي تنشأ فيه القرى، وهي العدو الذي يهاجم تلك القرى، وهي متنفس الخروج، الكثبان الناعمة التي تحيط بالجميع، الغرود الرملية التي يريد الجميع هناك زراعتها ووقف تغولها، وهي ايضا الملجأ الوحيد للخروج من دوران الحياة اليومية التي تسحب الجميع.

لذا كانت دعوتنا للخروج الى احد الغرود الرملية على اطراف قرية "القلمون" او "قلم أمون" الاله الفرعوني القديم.

في الوادي، وعلى الرمال، بعيدا عن المدن الكبيرة يمكن للقمر ان يظهر واضحا، جليا، وان نرى ضوء القمر بعيدا عن كلمات الاغاني..هناك للقمر وجود فعلي، وضوء محسوس على الرمال الناعمة التي لا يحدها البصر، وهناك بدأ حديث عن الارض والرمال والمياه المختفية بالاسفل.

 

الارض والماء

 

في الوادي الارض لا تشترى، ولكن ما يشترى هو الماء، ماء الابار..فالارض موجودة، شاسعة، واسعة، ولكن كلها رمال. فالفيصل اذن ليس الارض، ولكن الماء الذي يمكن ان يجعل الوادي الجديد... نصف مصر المنسي | لطريق الى الوادي الجديد طويل، شاق. اثنتا عشر ساعة يقطعها الاتوبيس المتجه من القاهرة الى مدينة الداخلة، قلب محافظة مصر الاكبرللارض معنى..للرمال الملساء، المجردة من الحياة، لون اخضر هو لون الحياة. لذا عندما يشتري الناس هناك، يشترون مياه بئر او جزء منها...هكذا اخبرنا محمد فتحي المدرس صباحا، والمزارع ظهرا، والشاعر ايضا، وتابع قائلا تقسم مياه الابار تبعا للوقت حيث يطلق على الوحدة الزمنية من شروق الشمس حتى غروبها او العكس اسم "أميلة"، لذا يشتري الناس "أميلة" او نصف وهكذا، وبالتالي يختلف سعر الاميلة حسب القرب من البئر او البعد عنه وايضا حسب عمق البئر او ارتفاعه، وحسب الدراسات فالوادي الجديد يرقد على خزان ضخم للمياه الجوفية التي يستعمل المزاعون جزء بسيط منها حتى الان.

ولكن الحكومة اوقفت حفر الابار في منطقة الوادي منذ خمس سنوات، وهو ما ادى الى توقف عملية زراعة اراضي جديدة. وبحسب فتحي فتحي تنقسم الابار في الوادي الى ابار سطحية يصل عمقها الى حوالي 120 متر، وهي التي يستعملها غالبية المزارعين في ري اراضيهم، وفي زراعة اراضي جديدة، وهي التي اوقفت الحكومة اصدار تراخيص بحفرها منذ خمس سنوات. وهناك "ابار الاستثمار" والتي يصل عمقها الى 500 متر وبالتالي هي قادرة على الوصول وجذب كمية اكبر من المياه، وهي مخصصة فقط لرجال الاعمال الذين يشترون من الدولة رأسا حق الانتفاع باراضي الوادي، وتلك الابار لم توقف الحكومة حفرها. والنوع الثالث هو الابار الحكومية والتي يصل عمقها الى 1200 متر والتي تستعمل مياه في اغراض الشرب لكافة سكان الوادي.

وهكذا يجد الشباب انفسهم محاصرين في المساحات القديمة بدون قدرة على الخروج الى اراضي جديدة، رغم البراح البادي امامهم ولكن الممنوح فقط للاغنياء ولا عزاء للشباب.

 

الوادي الجديد...فين؟؟

 

الشعور بالعزلة هو ما يخيم على اهل الوادي. بعد المسافة عن المركز / العاصمة، او حتى عن المدن الكبيرة –فاسيوط المدينة الاقرب للواحات تبعد عن الداخلة بحوالي 430 كيلو متر- وبالتالي الوافد قليل، وضيق سبل الحياة في الوادي هو ما يدفع اهلها للغربة بعيدا..وايضا عدم معرفة الباقي بهم، فهم بعيدون وبالتالي مجهولون.

يحكي محمد بكير صاحب محل موبيلات بالخارجة انه عندما يتصل بخدمة العلاء في شركات العملاء، ليخبر الموظف انه فلان من مدينة الخارجة في الوادي الجديد، فيسأله الموظف "الوادي الجديد دي محافظة ايه؟؟" سؤال يتكرر بتكرار الاتصال، ويتكرر مع الكثيرين بطرق مختلفة، ليشعر اهل الواحات انهم بعيدون، غير معروفين، وبالتالي غير مهمين لاهل المركز الذين يمتلكون كل شيء بينما لا يملك اهل الوادي امام مثل هذه الاسئلة الا الشعور بزيادة حصار العزلة حولهم.

ليست العزلة هي فقط ما يشعر به اهل الوادي، ولكن ايضا الطاقة المهدرة، فالجميع يرى امكانات في كل شيء، في الرمال المترامية التي يمكن ان تصبح ارضا خضراء، في الشمس القاسية التي يمكن ان تتحول قسوتها لطاقة، في المياه المحبوسة تحت الارض، في الشباب المجبر على الخروج الى البعيد، او الخمول في الداخل. وليس موضوع حفر الابار ومنع التراخيص سوى نموذج صغير على الامكانات الموقوفة عن العمل وعن الحياة.

 

الثورة...؟

 

هل مرت الثورة من هنا؟؟ سؤال يشغل بالنا منذ وصلنا الى الداخلة، كيف تأثر الناس بما حدث، وهل شاركوا فيه، وكيف؟ الاجواء الهادئة للمكان لا تعطي اجابة واضحة عن اسئلة كهذه؟ ايضا لافتات حزب "حرية والعدالة" الاخواني و"النور" السلفي تقول ان اصداء الحدث الكبير وصلت الى الاركان البعيدة وبدأت في العمل، ولكن ماذا عن الباقي...

"الناس هنا طيبين" جملة سمعتها كثيرا على السنة الناس، ويوضح الشاعر"طارق فراج" الجملة بان نمط الحياة وايقاع اليوم والطبيعة الجغرافية للمكان تجعل العنف بعيد عن اخلاق وتعاملات الناس، ومن ناحية اخرى اشار طارق الى نقطة هامة وهي ان اهل الواحات تربطهم علاقة خاصة بالحكومة فعلى مدار التاريخ كانت الدولة هي الفاعل الوحيد في المنطقة وكل الانجازات التي شهدتها المنطقة هي من فعل الدولة سواء مدارس او ابار او مستشفيات – وحتى وان كانت لا تعمل ويضطر الاهالي للسفر الى اسيوط- وطرق كل هذا من فعل الحكومة، وبالتالي تبقى الفكرة الشائعة ان الحكومة هي التي بيدها الامر وان المستقلين لا يمكنهم ان يقوموا بما تقوم به الحكومة وبالتالي الحكومة هي الافضل حتى لو كانت متأخرة في الانجاز.

هذه الرؤية هي ما كانت تجعل مرشحي الحزب الوطني المنحل دائما ما يفوزون في الواحات في السابق، وايضا هي ماجعلت الاهالي خلال ايام الثورة ينتظرون فقط ما ستسفر عنه الاحداث. والاحداث التي شهدتها مدينة الخارجة في بداية فبراير، من اشعال نيران في قسم الشرطة كانت رد فعل قبلي على اهانة مأمور القسم للاهالي اكثر منه فعل سياسي شبيه بما حدث في ابقي المدن المصرية.

لكن وصول الاحزاب الدينية الجديدة بدعايتها الى المنطقة هو ما يطرح على الاهالي اسئلة جديدة من نوعها، كما كافة اهل مصر، ولكن غياب الاحزاب الاخرى عن المنطقة يطرح ايضا سؤال كبير عن كيفية صنع تفاعل سياسي في المحافظة الشاسعة والتي تحتاج الى من يطرح عليها مشاريع سياسية وتنموية مختلفة.

 

وزارة للتراث المنسي

 

في طريق العودة قررنا التوقف في مدينة "الخارجة" عاصمة الوادي الجديد، ولكن الوصول الى الخارجة التي تبتعد 200 كليو متر عن "موط" تتطلب التحرك بايقاع الواحات، لذا في السادسة صباحا كنا في الموقف، ولكن لم يحالفنا الحظ لنجد ركابا يريدون التحرك الى عاصمة المحافظة، لذا كان لابد من الانتظار ثلاث ساعات الى ان شارفت العربة على الامتلاء، لنصل الى الخارجة حوالي الثانية عشر ظهرا أي في ذروة حرارة الشمس، في الوقت الذي تخفت فيه تماما نبرة الحركة والحياة.

قبل دخول العربة الى الخارجة، حيث تمتد الكثبان الرملية تحت الشمس الحارقة على طول الطريق ثم فجأة تبرز عمارات اسمنتية جديدة وبعضها لازال تحت الانشاء، منظر العمارات الاسمنتية المنتصبة في الرمال وتحت الشمس، يذكر مرة اخرى بانعدام التخطيط الواقعي المناسب لطبيعة المكان، لتبدو الابنية الجديدة، اشبه بافران بناها اصحابها ليحترقوا بداخلها.

"مر على المحافظة محافظين جيدين، لكن المشكلة ان القادم ليدير شئون المحافظة، يضع لها خططا من بعيد، خطط لا تتلاءم مع طبيعة المكان، ولا طبيعة الناس، وبالتالي تفشل كل الخطط لانها قادمة من بعيد، من غرف مغلقة بالعاصمة، لا يعرف واضعوها كيف يعيش الناس هنا" هكذا حدثنا الشاعر والفنان مصطفى معاذ ابن مدينة الخارجة، وصاحب "متحف مصطفى معاذ البيئي المفتوح" يتمنى معاذ لو كانت هناك وزارة للتراث، تهتم باكتشاف الفنون التراثية المصرية في الملبس والحلي والعمارة وتقوم بتطويره وتصنيعه وتسويقه داخل مصر وخارجها.

"دول العالم المتقدم تهتم بتراثها، بينما تراثنا يموت ويندثر ولا حد يهتم" هكذا يكمل معاذ حديثه متحدثا عن الامكانات الكامنة في تراث الواحات وكيفية استغلاله وبالتالي توفير فرص عمل للشباب الواحي الذي يموت من البطالة وايضا بدون دفعه للتكدس في القاهرة.

"تخيل معي لو تعلمت مجموعة من الفتيات كيفية صناعة الثوب الواحي التقليدي، ويتم تسويق هذا المنتج –المرغوب في اسواق اوربا- ثم يعود المكسب للصناع، وقس على ذلك الاعمال الفنية الفطرية التي يقوم بها ابناء الواحات من حفر على الخشب وفخار وغزل وصناعة سجاد، كلها اعمال ذات طبيعة خاصة لنشأتها في الوادي وايضا لها طابع مصري خالص غير مصطنع ولا مستورد".

هكذا يحلم مصطفى بأن يعاد اكتشاف المكان بكل تفاصيه مرة اخرى، وان يتم التعامل معه بشكل علمي على حد تعبير معاذ وهو ما يعني التعامل مع طبيعة المكان كما هي، وليس عبر تصورات غير واقعية.

حديث مصطفى الاخير قبل عوتنا الى القاهرة كان مؤلما، الم بحجم المساحة الضائعة، والطاقة المهدرة، والامكانات المحبوسة لما يقرب من نصف مساحة مصر المجهولة.

أهل الوادي المعزولون هم ممتلؤون بالطاقة والرغبة في الحياة، لكن الشموس المتكررة والرمال الزاحفة تمتص هذه الطاقة وتبددها بدلا من العكس... العكس هل يبدو مستحيلا؟! كلا..ربما يبدو بعيدا، ولكن ربما يأتي يوم وتنفجر فيه طاقة الواحات لتصنع منها واديا جديدا حقا لا كثبان رملية تحرقها الشمس.